أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

أفكارٌ مِصرية لتجنيب مفتي الجمهورية العَزل بقرار قضائي: هل يُعيِّنُ دريان «خليفةً مؤقّتاً»… ويَستقيل؟ (الأخبار 31 تموز)

تتطوّر أزمة التمديد المطعون فيه، لمفتي الجمهورية، الشيخ عبد اللطيف دريان، بعد قرابة ثلاثة أعوام على رفع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى السنّ القانونية لمفتي الجمهورية من 72 إلى 76 عاماً. ويحمل المسار القانوني الذي يسلكه مجلس شورى الدولة في نهايته، احتمال عزل دريان من منصبه، ما يدفع المعنيين داخلياً وخارجياً إلى البحث عن مخارج له.

في التفاصيل، انتهت أمس المهلة التي أعطاها مجلس شورى الدولة للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى لإيداعه «كامل محضر» جلسته التي عُقدت في 23 أيلول 2023، ومدّد فيها لمفتي الجمهورية، «كما تمّ تنظيمه وتوقيعه، مع بيان أسماء الأعضاء الحاضرين والمُتغيّبين». وشمل الطلب أيضاً «قرار اللجنة التشريعية» فيه، «مع كامل محضر جلستها في حال انعقادها في التاريخ المذكور، والتي أفضت إلى صدور القرار»، إضافةً إلى «مشروع قرار التعديل الذي عُرض على اللجنة في التاريخ نفسه، وأسبابه الموجبة»، وكذلك «نسخة عن أصل صفحات السجلّ الرسمي التي تمّ فيها تدوين أرقام وتواريخ ومواضيع القرارات الصادرة عن اللجنة التشريعية في المجلس بين عامي 2014 و2023».

في البداية، حاولت دار الفتوى التهرّب من تسلّمها التبيلغ، لكسب المزيد من الوقت، بغرض البحث عن حلول. إلّا أن محامي الدار محمد المراد (عضو المجلس الشرعي والنقيب السابق للمحامين في طرابلس) تسلّم التبليغ قبل يومين، وبات مُجبراً على الالتزام بمهلة الرد التي انتهت أمس. وعلمت «الأخبار» أن قلقاً ساد عائشة بكار، خصوصاً أن غالبية المستندات المطلوبة غير موجودة أصلاً، بسبب عدم وجود محضر موقّع من أعضاء المجلس الشرعي الذين حضروا الجلسة، عدا أنها انعقدت من دون نصاب قانوني، كما أن محضر اللجنة التشريعية ليس موقّعاً في التاريخ الصحيح.

دفع ذلك دريان إلى استدعاء فريقه إلى دار الفتوى على وجه السرعة، مع المراد ورئيس المحكمة الشرعية السنّية العليا، محمد عساف، للبحث في إمكانية تسليم بعض المستندات المطلوبة. وبعدما اقترحت شخصيات من فريقه تسليمها رغم صدورها بتواريخ لاحقة، لم يُعرف ما إذا كان دريان وافق على تسليم بعضها، أو أنه اقتنع بوجهة النظر التي نصحته بعدم تسليم أي مُستند لعدم الطعن في قانونيته. ففي حال سلوك دريان الخيار الأول، سيُعطي ذلك لمجلس الشورى قرينة الشك بقانونية جلسة التمديد، بحسب مُقدّمي الطعن، القاضيين الشرعيين، الشيخ عبد العزيز الشافعي والشيخ همام الشعار، والشيخ الراحل جميل عيتاني.

ولكن مهما كان قرار دريان، فإنّ مطالعة مجلس الشورى الأولية تقترب من الصدور خلال الأسابيع المقبلة. وهي ستحمل مؤشرات على الحكم النهائي، رغم أن المتابعين باتوا مقتنعين بأنه سيكون سلبياً، نتيجة الشوائب القانونية لجلسة التمديد. إضافة إلى ذلك، لم تُفلِح الضغوط التي مارسها بعض رؤساء الحكومة السابقين على الرئيس الحالي نواف سلام، لدفعه إلى التدخل لدى مجلس الشورى.

السعودية الغائبة
في ضوء ذلك، سلّم عدد من المتابعين لفكرة أن دريان بات في عداد «المفتين السابقين»، فيما يجري تداول أسماء لمن يمكن أن يخلفه. وتقول مصادر متابعة إن عائشة بكار تبلّغت رسالة من عدد من المعنيين مفادها أن «اللعبة انتهت»، والبحث بدأ في المخارج اللائقة لإعلان تنحّيه عن منصبه.

في المقابل، يلفت آخرون إلى أن القضية لا تُحسم، قبل صدور الكلمة الفصل من دوائر القرار السعودي. ويشير بعض المتابعين إلى أن الديوان الملكي لم يبلغهم بأي قرار إيجابي أو سلبي بشأن مصير دريان. وهو ما دفع البعض إلى القول إنهم بانتظار زيارة قريبة للموفد السعودي يزيد بن فرحان، لفهم موقف الرياض، بينما يعتقد متابعون أن هذا الحسم لن يصدر أبداً، كي يترك دريان «لا مُعلّقاً ولا مُطلّقاً»، ويتماهى أكثر مع ما تريده السعودية، من مواقف سياسية داخلية خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن الحكم النهائي لن يصدر قبل بداية عام 2027، ما يعني أنه لا يزال هناك متّسع من الوقت.

عساف والمغربي وحداد هم المرشّحون الأوفر حظاً لخلافة مفتي الجمهورية

ويستند هؤلاء في وجهة نظرهم إلى تاريخ التعاطي السعودي التقليدي مع أزمات دار الفتوى المتلاحقة، منذ عهد المفتي السابق، الشيخ محمد رشيد قباني، إذ لا يتذكّر متابعو عائشة بكار أي تدخلات سعودية واضحة في شؤونها الداخلية، وإنّما كان يُترك الأمر عادةً لحلفائها الموثوقين، تماماً كما كان الرئيس فؤاد السنيورة في عهد قباني.

أفكار مصرية
وإلى جانب هؤلاء، كان الدور الخارجي الأبرز في شؤون عائشة بكار، مُسنداً تاريخياً إلى السفارة المصرية التي تعرف عن ظهر قلب تفاصيل دار الفتوى وأسرار قاطنيها، مع محافظتها الدؤوبة على علاقات إيجابية ومنفتحة مع عدد كبير من المشايخ (المتخرّج بعضهم من الأزهر).
كلّ ذلك، سهّل على المصريين أن يكون لهم تأثير واضح على رموز الدار وعلاقة قوية مع المفتين المتعاقبين. فنجحوا في عام 2024 في طرح مبادرة أدّت إلى انتخاب دريان مفتياً للجمهورية، بموافقة جميع القوى السنّية الداخلية والدول الإقليمية المعنية (وعلى رأسها السعودية وسوريا)، باستثناء هيئة علماء المسلمين والجماعة الإسلاميّة اللتين منعتا فوز دريان بالتزكية، عبر ترشيح منافسٍ له.

وكما الأمس، تعمل القاهرة اليوم على خط البحث عن مخارج لأزمة دريان. غير أن المعنيين، ومن بينهم رؤساء الحكومة السابقون، ليسوا متأكدين مما إذا كانت أفكار القاهرة جدّية ومُنسّقة مع السعوديين، أم أنها مجرد اجتهاد ذاتي.

أولى هذه الأفكار كانت التحضير لجلسة تمديد ثانية بطريقة قانونية. غير أن بعض المعنيين يلفتون إلى أن هذه الفكرة غير قابلة للحياة، بعد التأكد من أن عدداً من أعضاء المجلس الشرعي، ومعهم مقدّمو الطعن الأول، سيتقدّمون بطعن آخر، على اعتبار أن التمديد الثاني سيكون أيضاً غير قانوني، بعدما أنهى دريان ولايته الفعلية العام الماضي. وبالتالي، صار يحتاج إلى عملية انتخاب جديدة.

ورغم ذلك، يؤكد متابعون أن الفكرة لا تزال مطروحة في الكواليس، خصوصاً بعدما وعد دريان رؤساء الحكومة السابقين بالقيام بإصلاحات داخل المؤسسة الدينية، وأول هذه الإصلاحات سيكون لإغراء معارضيه عبر تنفيذ مطلبهم، أي الإطاحة بالمدير العام للأوقاف الإسلامية، الشيخ محمد أنيس الأروادي. ويُحكى أن خليفته هو قاضٍ متقاعد ويستعد ليُعيَّن رسمياً خلال الأيام المقبلة.

تعيين قائمّقام؟
في المقابل، يؤكد متابعون أن مسألة الإطاحة بأروادي منفصلة عن مسألة التمديد لدريان. ويوضح هؤلاء أن ما يدور تحت الطاولة مناقض تماماً لهذه الأجواء، مع ما يُحكى عن قيادة بعض الشخصيات غير البعيدة عن المصريين نقاشات بين المعنيين بشؤون دار الفتوى. وفي هذا السياق، يجري البحث في إمكانية تقديم دريان استقالته بداعي المرض، على أن يسبقها إصداره قراراً بتعيين قائمقام لمدّة عامين، بما يُريح القاهرة من «الهمِّ» الذي يؤرقها، وهو تولي أمين الفتوى، الشيخ أمين الكردي، مهام مفتي الجمهورية في حال غيابه، بحسب المرسوم 18.

ويتشاور المعنيون في الأسماء التي يمكن تعيينها في هذا المركز، بعد استبعاد الكردي، رغم محاولة بعض القوى فرض اسمه على لائحة المرشحين الأوفر حظاً، باعتباره من أكثر أسماء العلماء بروزاً في دار الفتوى. وفي هذا السياق، يُطرح اسم عساف الذي يُحاول خلال الأيام الأخيرة تسويق نفسه على أنه «مختلف عن دريان»، إلى حد تنصّله من دوره الأساسي في عملية التمديد له!
لكنّ اسم عساف لا يلقى رواجاً لدى العديد من القوى التي تعتبره «شخصية ضعيفة»، على عكس دريان، ولا يتمتع بحسّ القيادة، ما سيُصعِّب عليه إدارة المرحلة السياسية الحساسة في ظل غياب المرجعية السياسية، علماً أن آخرين يفضّلونه، على اعتبار أنه سيكون طيّعاً.

وإلى جانب عسّاف، يبرز اسم الشيخ أسامة حداد، الذي يُعدُّ من أكثر الوجوه قُرباً من أهل بيروت، بعدما بنى خلال السنوات الماضية شبكة علاقات تستمد قوّتها من تميّزه في إعطاء الدروس الدينية داخل المنازل والمساجد.

وبينما يعتبر البعض أن محاولات جرت لحرق مراكب حداد ونجحت في إضعاف حظوظه، يبرز اسم القاضي عبد الرحمن المغربي، الذي يُعتبر أعلى القضاة الشرعيين البيارتة من حيث الدرجات، إضافةً إلى كفاءته المهنية، علماً أنه كان قبل عشر سنوات أبرز المرشحين لتولي رئاسة المحاكم الشرعية السنّية، غير أنه لم يجد «يداً سياسية» تتبنّى تعيينه، على عكس عسّاف. فالمغربي الذي يُعدُّ «شخصية صعبة المراس»، لا يُحسب على طرف ولا يلبّي دعوات السياسيين. وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف حظوظه، علماً أن عمره واقترابه من سنّ التقاعد يتوافقان مع الشروط القانونية، ليكون قائمّقام مفتي الجمهورية.

في المقابل، تؤكد المصادر المتابعة أن طرح مخرج قائمقام المفتي لمدة عامين والتباحث في أسماء المرشحين له، لا يمنع من طرح فكرة انتخاب مُفتٍ جديد للجمهورية، بعد تقديم دريان استقالته، خصوصاً أن الأسماء نفسها يتمّ تداولها لخلافته.

بواسطة
لينا فخر الدين
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى