مكي يفاوض البنك الدولي منفرداً: قرض بفائدة 5% للتحوّل الرقمي (الأخبار 22 تموز)

كان يُفترض أن يناقش مجلس الوزراء، في جلسته مطلع حزيران الماضي، بنداً يتعلق بالموافقة على توقيع اتفاقية قرض بقيمة 150 مليون دولار مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD)، لتمويل مشروع «تسريع التحوّل الرقمي في لبنان»، على أن تتولى وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR) تنفيذ المشروع والإشراف عليه. إلا أن البند أُجّل، بعدما برزت اعتراضات على آلية التفاوض.
وبحسب معلومات، فإن وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكّي تفاوض مباشرة مع البنك الدولي على القرض، الذي تبلغ فائدته نحو 5%، من دون المرور بوزارة المالية، الأمر الذي أثار امتعاض وزير المال ياسين جابر، الذي اعتبر أن تجاوز وزارته في ملف من هذا النوع يشكل مخالفة للأصول المعتمدة.
وبحسب البنك الدولي والجهات الرسمية اللبنانية، يهدف القرض إلى تعزيز البنية الرقمية الأساسية في لبنان وتحسين تقديم الخدمات العامة ذات الأولوية، عبر إنشاء بنية آمنة ومرنة لاستضافة البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير البنية التحتية الرقمية المشتركة بين القطاعات، إضافة إلى رقمنة الخدمات الحكومية ورفع القدرات والمهارات الرقمية داخل الإدارات العامة.
إلا أن المشروع يثير تساؤلات جدية حول جدوى الاستدانة لتمويل أعمال يجري تنفيذ جزء كبير منها أصلاً عبر برامج ممولة من جهات مانحة. إذ إن معظم الوزارات والإدارات الرسمية تستفيد اليوم من مشاريع مكننة ممولة خارجياً. ففي المديرية العامة للشؤون العقارية، على سبيل المثال، يُنفَّذ مشروع ممول بمنحة ألمانية لتطوير السجلات العقارية، فيما يتولى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) تنفيذ مشاريع رقمنة عدة، من بينها مكننة أعمال الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، إضافة إلى مشروع خاص بالسجل التجاري.
كما أن لجنة الدعم التقني التي أنشأتها هيئة التحقيق الخاصة، وتضم عدداً من السفارات والجهات المانحة، تموّل مشاريع مكننة تشمل النيابات العامة والمحاكم والجمارك وقوى الأمن الداخلي، في إطار تنفيذ لبنان لخطة العمل المطلوبة من مجموعة العمل المالي (FATF) بهدف إخراجه من اللائحة الرمادية.
ورغم تعدد هذه المشاريع، فإن لبنان يحتاج فعلياً إلى منصة وطنية موحدة تقود عملية التحوّل الرقمي، شرط أن تندرج جميع المبادرات القائمة تحت مظلتها، وأن تنسجم مع الاستراتيجيتين الوطنيتين للتحول الرقمي والأمن السيبراني اللتين أقرتهما الحكومات السابقة. أما استمرار تنفيذ المشاريع بصورة متفرقة، ومن دون مرجعية موحدة، فلن يؤدي إلا إلى هدر الموارد وتكرار الإنفاق، ما يضع علامات استفهام حول جدوى قرض سيدفع اللبنانيون كلفته، بما في ذلك فوائد تصل إلى نحو 5%.
وفي جميع الأحوال، فإن توقيع اتفاقية القرض لا يعني أن لبنان بات على أعتاب التحوّل الرقمي الشامل. فنجاح أي مشروع من هذا النوع لا يتوقف على توفير التمويل أو شراء الأنظمة الإلكترونية فحسب، بل يحتاج أولاً إلى إدارة عامة تمتلك الكفاءات البشرية القادرة على تشغيل هذه الأنظمة وصيانتها وتطويرها، وهو ما يصطدم بالواقع الحالي للإدارة اللبنانية، التي تعاني نقصاً حاداً في الموارد البشرية والخبرات التقنية. كما أن نجاح التحول الرقمي يفترض وجود إدارة مركزية قادرة على توحيد المعايير، وضمان تكامل الأنظمة بين الوزارات، وتأمين استدامتها وحمايتها، بدلاً من استمرار كل وزارة في العمل وفق مقاربتها الخاصة.
ويبقى الأهم أن المفاوضات التي يجريها الوزير مكّي مع البنك الدولي لا يمكن أن تتجاوز الأصول الدستورية، إذ إن إبرام اتفاقية القرض يستوجب موافقة مجلسي الوزراء والنواب، وفق ما تقتضيه الأصول الدستورية.



