خاص- بين إعادة هيكلة المصارف واسترداد الودائع… غبريل: إصلاح القطاع لن يُنفّذ قبل إقرار القانون الأهم

لا يزال مسار معالجة الأزمة المصرفية في لبنان يتقدّم بخطوات بطيئة، في ظل استمرار النقاش حول القوانين الإصلاحية المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع واسترداد الودائع، فيما تبقى مسألة تأمين السيولة اللازمة لتنفيذ أي خطة من أبرز التحديات.
في هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي والمالي د. نسيب غبريل أن ”الأولوية يجب أن تكون لإقرار قانون استرداد الودائع”، مؤكداً أن “قانون إعادة هيكلة المصارف، على أهميته، لن يصبح قابلاً للتطبيق ما لم يُقرّ القانون المرتبط بحقوق المودعين”.

واعتبر غبريل أن “عبارة “الفجوة المالية” ليست توصيفاً دقيقاً للأزمة”، مشيراً إلى أن “ما هو قائم فعلياً يتمثل في عجز في ميزانية مصرف لبنان”.
وأوضح أن “المادة 13 من قانون النقد والتسليف تنص على أن توظيفات المصارف التجارية لدى مصرف لبنان تُعد ديناً تجارياً على مصرف لبنان”.
وأشار غبريل إلى أن “الحكومة تتجه نحو تنفيذ المسار المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والذي يتضمن إعادة هيكلة القطاع المصرفي”، لافتاً إلى أن “عدداً من القوانين المرتبطة بهذا المسار أُقرّ بالفعل، ومنها تعديل قانون السرية المصرفية، إضافة إلى قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومشروع قانون استرداد الودائع”.
وكشف عن أن “صندوق النقد الدولي طلب إدخال تعديلات على قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وقد أقرتها الحكومة، وكان من المتوقع أن يصوّت مجلس النواب عليها بعدما جرى التوافق على مختلف الجوانب التقنية المتعلقة بها”. إلا أنه شدد على أن “هذا القانون لن يُنفذ ما لم يُقرّ أولاً مشروع قانون استرداد الودائع، باعتباره القانون الذي يهم المودعين بصورة مباشرة”، موضحاً أن “هناك ارتباطاً وثيقاً بين القانونين، إذ إن إصلاح القطاع المصرفي يبقى غير قابل للتطبيق عملياً من دون تحديد آلية واضحة لإعادة الودائع”.
وأوضح غبريل أن “مشروع قانون استرداد الودائع أُنجز في نهاية العام الماضي، وأقرته الحكومة قبل إحالته إلى لجنة المال والموازنة، إلا أن اللجنة لم تبدأ حتى الآن دراسة مضمونه”.
ولفت إلى أن “الدراسات التي أُجريت حول المشروع أظهرت أن كلفة تسديد ودائع تصل إلى 100 ألف دولار على مدى أربع سنوات تبلغ نحو 22 مليار دولار”، مشيراً إلى أن “المشروع لم يتضمن محاكاة مالية أو أرقاماً واضحة لتقدير الكلفة قبل الانتهاء من صياغته”.
وأضاف أن “60% من هذه الكلفة تقع على مصرف لبنان، فيما تتحمل المصارف 40%، من دون أي مساهمة مباشرة من الدولة”.
وأكد غبريل أن “التحدي الأساسي يتمثل في تأمين السيولة اللازمة لتنفيذ هذه الخطة”، موضحاً أن “المحاكاة أظهرت أن 6 مصارف فقط قادرة على الالتزام بهذه المدفوعات على مدى أربع سنوات، في حين تبلغ الاستحقاقات خلال السنة الأولى نحو 9.5 مليارات دولار”.
وأشار إلى أن “حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أعلن قبل نحو شهر ونصف استعداده لتسييل وبيع كل الأصول التي يستطيع مصرف لبنان التصرف بها لتأمين حصته من هذه المدفوعات، إلا أن الأزمة تبقى أزمة سيولة بالدرجة الأولى”، متسائلاً عن مصدر الأموال التي ستُستخدم لتسديد هذه المستحقات.
وأضاف غبريل أن “هناك أفكاراً لا تزال قيد التداول ولم تتحول بعد إلى اقتراحات رسمية، من بينها احتساب السحوبات التي تمت وفق التعميمين 158 و166 ضمن سقف الـ100 ألف دولار للمودعين الذين تتجاوز ودائعهم هذا المبلغ، إلى جانب تمديد فترة السداد من أربع سنوات إلى ست أو سبع سنوات”، مؤكداً أن ”هذه الطروحات لا تزال في إطار الأفكار الأولية، بانتظار أن تبدأ لجنة المال والموازنة دراسة المشروع”.
وفي ما يتعلق بمسؤولية الدولة، أوضح غبريل أن “صندوق النقد الدولي ينطلق من مبدأ ضرورة ضمان قدرة الدولة اللبنانية على سداد أي قروض جديدة قد تحصل عليها”، مشيراً إلى أنه “في حال التوصل إلى اتفاق مع السلطات اللبنانية، فإن الصندوق سيمنح لبنان قرضاً تتراوح قيمته بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار، ما سيفتح الباب أمام قروض ميسرة إضافية تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار”.
وأضاف أن “الصندوق يسعى إلى التأكد من عدم تحميل الدولة أعباء ديون قديمة كبيرة قد تعيدها إلى أزمة التعثر في السداد”.
وأشار غبريل إلى أن “قرارات مجلس شورى الدولة أكدت أنه لا يمكن دستورياً شطب الودائع”، لافتاً إلى أن “مشروع القانون الحالي ينص على أن الدولة تتحمل مسؤولية إعادة رسملة مصرف لبنان إذا كانت قادرة على ذلك، إلا أن هذا الأمر غير كافٍ لتسديد الودائع وفق الصيغة الحالية للمشروع”.
وأكد أن “الدولة تمتلك أصولاً يمكن الاستفادة منها، كما يمكنها الاتفاق مع مصرف لبنان على آليات مختلفة للمساهمة في الحل”، متسائلاً عن أسباب بقاء هذا الملف مجمداً، في وقت ينصب التركيز فقط على كيفية تأمين السيولة من مصرف لبنان والمصارف.
وشدد غبريل في ختام حديثه على أن “الاقتصاد اللبناني يحتاج بصورة ملحة إلى قطاع مصرفي فاعل يخضع لرقابة لجنة الرقابة على المصارف، لأن الدورة الاقتصادية الطبيعية لا يمكن أن تستعيد نشاطها من دون مصارف نظامية وقوية”.
واعتبر أن “استعادة الثقة بالقطاع المصرفي تتطلب أيضاً مكافحة القطاع المالي غير الشرعي”، مشيراً إلى “وجود مؤسسات مالية غير مرخصة تعمل خارج الأطر القانونية”، ومؤكداً أن “إخضاعها للرقابة أو إقفالها يشكل خطوة أساسية وحيوية لاستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني وبالقطاع المصرفي”.



