باب المندب تحت التهديد… الإغلاق يحاصر نفط ينبع ويضرب قناة السويس

حتى مساء الخميس، ظل باب المندب مفتوحاً أمام الملاحة، لكن مصيره بات محاطاً بتكهنات متصاعدة بشأن احتمال إغلاقه. ونقلت “رويترز” عن ثلاثة مصادر، بينها مسؤولان إيرانيان رفيعان، أن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق المضيق إذا استهدفت الولايات المتحدة شبكة الكهرباء الإيرانية، فيما نشرت الجماعة مسيّرات وصواريخ قرب الممر بانتظار قرار التنفيذ. ولم تؤكد إيران أو جماعة “أنصار الله” هذه الخطة رسمياً.
يأتي ذلك بعد أيام من إطلاق الحوثيين صواريخ ومسيّرات نحو مطار أبها السعودي، رداً على ضربة استهدفت مطار صنعاء، في تصعيد كسر هدوءاً نسبياً استمر منذ الهدنة الأممية عام 2022. ويتزامن مع تراجع حاد في الملاحة عبر مضيق هرمز الذي عبرته تسع سفن فقط يوم الأربعاء، من دون ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز طبيعي مسال، بحسب “رويترز”.
وتكمن خطورة اللحظة في أن باب المندب تعدى كونه مجرد بوابة للتجارة بين آسيا وأوروبا، ليصبح جزءاً من البديل السعودي لتجاوز اضطراب هرمز. فبيانات “كبلر” و”سيغنال أوشن” التي نقلتها “رويترز”، تشير إلى أن الرياض حوّلت أكثر من 70% من صادراتها اليومية المعتادة من الخام إلى ميناء ينبع، لترتفع الشحنات الخارجة منه إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً، مقابل نحو 973 ألف برميل يومياً في الفترة نفسها من العام الماضي، فيما عبر المضيق خلال حزيران/يونيو نحو 7.4 ملايين برميل يومياً من النفط والمنتجات البترولية.
نفط ينبع
إذا تعطل باب المندب، وجدت الشحنات المحملة من ينبع والمتجهة جنوباً إلى آسيا نفسها في مأزق لوجستي. يمكن نظرياً توجيهها شمالاً عبر قناة السويس والبحر المتوسط، ثم جبل طارق والدوران حول أفريقيا قبل العودة شرقاً، لكنه مسار طويل ومكلف يقلص جدوى تحويل الصادرات السعودية إلى البحر الأحمر بوصفه بديلاً لهرمز.
ولا يحتاج الإغلاق إلى حاجز مادي يمنع كل سفينة. قد يكفي هجوم ناجح على ناقلة كبيرة، أو خطر جدي من الألغام والصواريخ والمسيّرات، كي ترفع شركات التأمين أقساط مخاطر الحرب أو يمتنع الملاك عن العبور. وقد أظهرت أزمة هرمز أن بعض الشركات ترفض المرور حتى بمرافقة عسكرية، لأن الحماية لا تعني غياب الخطر.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية والخبير الاستراتيجي سيد مكاوي، في حديثه لـ”النهار”، أن “الحوثيين يملكون، بدعم إيراني، قدرة فعلية على تعطيل المضيق بالصواريخ والمسيّرات، لكن طهران والجماعة تجنبتا حتى الآن استخدام هذه الورقة كاملة، مراعاةً لتأثيرها المباشر في مصالح السعودية ومصر، ولبقاء قنوات الاتصال السياسية”.
ويضيف أن تفعيل باب المندب بالتزامن مع تعطل هرمز “قد يوسّع الحرب بدل أن يحسمها، ويدفع السعودية والولايات المتحدة إلى ردود أوسع”، محذراً من الانزلاق نحو مواجهة جديدة. ويلفت مكاوي إلى ضرورة تكثيف الضغط الديبلوماسي للعودة إلى التفاوض، “لأن القوة العسكرية قد تؤمّن عبور سفن محدودة، لكنها لا تقدم حلاً مستداماً لأزمة المضيقين”.
أما الغاز الطبيعي المسال فصورته مختلفة. تقول الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا آن صوفي كوربو، في حديثها لـ”النهار”، إن الخطر الأساسي على الغاز يظل في هرمز لا في باب المندب؛ فالشحنات القطرية المتجهة إلى أوروبا كانت تلتف حول أفريقيا أصلاً، بينما اتجهت جميع الشحنات القطرية والإماراتية الخارجة منذ 28 شباط/فبراير إلى آسيا التي استحوذت على نحو 90% من التسليمات خلال 2025. لذلك “يصيب تعطيل المضيق النفط والمنتجات المحملة من ينبع بدرجة أكبر من الغاز”.
السّويس تدفع الثمن
ستكون مصر من أبرز الخاسرين؛ فإغلاق البوابة الجنوبية للبحر الأحمر لا يغلق قناة السويس جغرافياً، لكنه يفرغها من جزء كبير من حركة آسيا وأوروبا. وكانت “ميرسك” قد أعلنت في 13 تموز/يوليو استئناف خدمة إضافية عبر البحر الأحمر، ضمن عودة تدريجية إلى طريق السويس، ما يعني أن أي هجوم جديد قد يوقف تعافياً بدأ للتو.
ويقول مكاوي إن الخسارة المصرية لن تقتصر على إيرادات القناة، بل ستمتد إلى الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وكلفة الواردات، ونشاط الموانئ وتموين السفن، لكنه يستبعد أن تفقد مصر مكانتها المحورية في البحر الأحمر، ويرى أن الخيار الأنسب للقاهرة هو مواصلة التنسيق الديبلوماسي مع السعودية وتركيا وباكستان وقطر والدول الأوروبية لخفض التصعيد.
ويعتبر أن أصل الأزمة سياسي، وأن وقف التصعيد الأميركي ضد إيران، بالتوازي مع معالجة مسببات التوتر في غزة واليمن، “طريق أقصر لاستعادة الملاحة من عمليات عسكرية مفتوحة قد تعيد الحرب السعودية – الحوثية وتوسع دائرة الاستهداف في البحر الأحمر”.
حتى الآن، يبقى الإغلاق احتمالاً لا واقعاً. لكن الأخطر أن إيران ربطت تفعيل الإغلاق بشرط عسكري محدد يتصل ببنيتها الكهربائية، ما يحوّل باب المندب من خطاب دعائي إلى ورقة ردع قابلة للاستخدام. وإذا فُعّلت، فالنتيجة مرور سفن أقل، ورحلات أطول، ونفط أغلى، وضربة جديدة لقناة السويس تسببها حرب تدور بعيداً عن الأراضي المصرية.



