واشنطن للتدقيق في التنفيذ اللبناني والإسرائيلي وترامب طلب انسحابا ونتنياهو يتذرّع (الجمهورية 15 تموز)

في أجواء متوترة انعقد اليوم الأول من الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما برعاية وزارة الخارجية الأميركية، بدا من خلالها، انّ الجانب الإسرائيلي يحاول التهرّب من الالتزام بالانسحاب، ووضع شروط يدرك انّ لبنان لا يمكنه القبول بها. وانقضى النهار على تدخّل فاعل للراعي الأميركي، يؤمل أن يؤسس لنتائج عملية لاجتماعات اليوم، خصوصاً على مستوى البدء بالترجمة العملية لصيغة الإطار.
كشف مصدر ديبلوماسي مطلع على المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية، لـ«الجمهورية»، أنّ الجولة الجديدة من المفاوضات في روما شكّلت انتقالاً مهمّاً من مرحلة تثبيت المبادئ العامة الواردة في «صيغة الإطار» إلى مرحلة البحث العملي في الآليات التنفيذية، وسط تركيز أساسي على ملف المناطق التجريبية في الجنوب، في اعتبارها الاختبار الأول لمدى جدّية الأطراف في ترجمة الاتفاق إلى خطوات ميدانية.
وأوضح المصدر، أنّ الجانب اللبناني دخل المحادثات على قاعدة واضحة، تتمثل بضرورة تسجيل انسحاب إسرائيلي فعلي وموثق من أول منطقة نموذجية خاضعة للاحتلال، قبل الانتقال إلى أي ترتيبات أخرى، في اعتبار أنّ الانسحاب يشكّل بالنسبة إلى لبنان المدخل الطبيعي لإعادة تثبيت السيادة اللبنانية وتعزيز انتشار الجيش في المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية.
وأشار المصدر، إلى أنّ تأخّر انطلاق جلسة روما لأكثر من ساعة كان بسبب تأخّر وصول الوفد الإسرائيلي وأعضاء من الوفد الأميركي، لكنّ ذلك لم ينعكس على مضمون النقاشات، التي تركّزت على وضع إطار تنفيذي واضح لصيغة الإطار، وإنشاء لجان متعدِّدة الاختصاصات تتولّى متابعة الملفات التقنية والعسكرية والأمنية، على أن يبقى الملف السياسي في عهدة المفاوضين عند الحاجة إلى معالجة النقاط الخلافية الكبرى. وأضاف المصدر، أنّ البحث تناول مجموعة من الآليات المرتبطة بعملية الانسحاب، من بينها تحديد المنطقة التجريبية الأولى، آلية التحقق من الانسحاب، دور الجهات الأميركية المشرفة، وترتيبات انتشار الجيش اللبناني بعد إخلاء القوات الإسرائيلية للمواقع التي ستشملها المرحلة الأولى.
وبحسب المصدر نفسه، فإنّ الولايات المتحدة تؤدّي دور الوسيط والضامن التنفيذي في هذه المرحلة، من خلال حضور وزارة الخارجية الأميركية والقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، التي بدأت قبل انطلاق مفاوضات روما سلسلة اتصالات مع قيادة الجيش اللبناني للبحث في الجوانب العسكرية والتقنية، بما يشمل آليات المراقبة، التنسيق الميداني، تبادل المعلومات، وتحديد المسؤوليات بين الأطراف المعنية. وأكّد المصدر، أنّ واشنطن تعمل على صوغ آلية تحقق مشتركة، تضمن تنفيذ الانسحاب وتمنع أي التباسات ميدانية قد تؤدّي إلى عرقلة المسار، خصوصاً أنّ التجربة الأولى ستشكّل معياراً لباقي مراحل الاتفاق.
ولفت إلى أنّ اختيار روما مكاناً للمفاوضات جاء بناءً على طلب أميركي بهدف تسهيل التواصل بين الوفود اللبنانية والإسرائيلية، نظراً إلى قربها الجغرافي النسبي من الطرفَين، وإمكان عقد اجتماعات إضافية بسرعة عند الحاجة. إلّا أنّ المصدر رأى أنّ نقل المفاوضات من واشنطن لا يعني بأي شكل تقليص الدور الأميركي، بل على العكس، فإنّ واشنطن ما زالت تمسك بمفاتيح المسار التفاوضي، خصوصاً في ظل الحاجة إلى الضغط على الطرفَين للوصول إلى تفاهمات عملية بشأن الملفات العالقة.
وفي المقابل، أوضح المصدر الديبلوماسي، أنّ الجانب الإسرائيلي أبدى استعداداً للبحث في الانسحاب من منطقتَين تجريبيتَين في الجنوب، في محاولة لإظهار حسن النية، لكنّه لا يزال يطرح هواجس أمنية مرتبطة بمرحلة ما بعد الانسحاب، ويتمسك بالحصول على ضمانات تتعلّق بمنع عودة أي نشاط عسكري لـ«حزب الله» أو أي مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة إلى المناطق التي ستخليها قواته. وهذا الأمر يشكّل إحدى أبرز نقاط التباين، إذ يرفض لبنان ربط الانسحاب بأي شروط إضافية، ويؤكّد أنّ تطبيق صيغة الإطار يجب أن يبدأ من إنهاء الاحتلال وإعادة الانتشار الكامل للجيش اللبناني.
وأكّد المصدر، أنّ المفاوضات لا تزال في مرحلة دقيقة، وأنّ النجاح في تحديد وتنفيذ المنطقة التجريبية الأولى سيكون العامل الحاسم في تحديد مستقبل صيغة الإطار برمّته، إذ إنّ أي تقدُّم ميداني سيخلق زخماً لاستكمال الانسحاب التدريجي من بقية الأراضي اللبنانية المحتلة، بينما أي تعثر قد يُعيد الملف إلى دائرة التجاذب السياسي والأمني. وأضاف، أنّ الرهان اللبناني يتركّز حالياً على الدور الأميركي في ضمان الالتزام بما اتُفق عليه، فيما تسعى إسرائيل إلى الحصول على ترتيبات أمنية تمنحها هامشاً من الطمأنة قبل تنفيذ الانسحاب، ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية على الأرض. أخبار
تفخيخ المسار
إلى ذلك، وفي انتظار تكشّف نتائج مفاوضات روما، قالت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّه ظهر بوضوح أنّ الإستراتيجية التي تعتمدها إسرائيل هي تفخيخ مسار الانسحاب التدريجي. فهي تبتكر ذرائع سياسية وميدانية تضمن لها التفلت من تنفيذ التزاماتها الواردة في صيغة الإطار. ويتلخّص هذا التفلت في تكتيك ممنهج يوافق في العلن على انطلاق برنامج الانسحابات، لكنه في الواقع يرمي إلى إحراج لبنان الرسمي وإخراجه تفاوضياً، عبر ربط الانسحاب بمواجهة لبنانية داخلية سياسية، وعسكرية ربما، تخوضها الدولة ومؤسساتها مع «حزب الله».
وهذا الالتفاف الديبلوماسي يعبّر عنه المسؤولون الإسرائيليون باستمرار، وعلى مستويات رفيعة. فمن جهة هم يقولون إنّهم مستعدون لتنفيذ خطوة تجريبية أولى، كما أعلن وزير الخارجية جدعون ساعر أمس، لكنهم من جهة أخرى يربطون الخطوة بمواقف تعجيزية، عبّر عنها رئيس الوفد الإسرائيلي للمفاوضات السفير في واشنطن يحيئيل لايتر، الذي جعل الانسحاب رهناً بمدى قدرة الجيش اللبناني على تسلّم المناطق التجريبية وتجريد «حزب الله» من سلاحه فيها. وهذا الربط يحوّل التزام إسرائيل بالانسحاب إلى أداة ابتزاز، تضع الدولة اللبنانية بين فكيّن: إما بقاء الاحتلال في الجنوب، وإما الانزلاق نحو صدام داخلي. كما تربط إسرائيل أي انسحاب لها بملف الترتيبات الأمنية شمال نهر الليطاني، وتحديداً في نقاط إستراتيجية بالغة الحساسية كتلّة علي الطاهر.
وبذلك، تقول المصادر، فالمسألة الجوهرية التي كُلّف الوفد اللبناني التشبث بها، أي وقف النار والانسحاب، تبدو أمام التحدّي. وهذا ما يضع الإدارة الأميركية أمام مسؤولياتها عن ضمان التنفيذ. مراجعجغرافية
نقاش متوتر
وأبلغت مصادر رسمية إلى «الجمهورية»، انّ الجولة الأولى من المفاوضات قبل الظهر، شهدت توتراً كبيراً ونقاشاً حاداً، حيث حاول الوفد الإسرائيلي التهرّب من الالتزام بالانسحاب من المنطقة التجريبية المطروحة، مشترطاً أن ينتشر الجيش اللبناني فيها اولاً، والتأكّد من نزع سلاح «حزب الله» منها ومنع المظاهر المسلحة فيها. لكن الوفد اللبناني أصرّ على الانسحاب الإسرائيلي أولاً لينتشر الجيش لاحقاً، فحصل تدخّل أميركي بدّد التشنج، لتشهد الجولة الثانية نقاشاً هادئاً، بحيث اتُفق على أن تنسحب إسرائيل من الأطراف المحتلة لبلدة زوطرالغربية، وأن تنسحب من بلدة أخرى محتلة إلى جانب انتشار الجيش في بلدة فرون غير المحتلة ومن بلدة أخرى مشابهة.
وذكر المصدر، انّ الوفد الإسرائيلي كثيراً ما سأل عن موضوع سلاح «حزب الله» وخطط الجيش اللبناني لإلغاء المظاهر المسلحة في المنطقة التي ستنسحب إسرائيل منها، فردّ الجانب اللبناني مؤكّداً أنّه حيث سيكون الجيش اللبناني لن يكون هناك أي وجود مسلح.
كذلك دار نقاش طويل في لجان العمل المتخصصة والقضايا التي ستتولّى معالجتها، وهي التي اتُفق عليها في صيغة الإطار. ويُنتظر أن يُستكمل البحث فيها اليوم، لجهة تحديد عددها ومهماتها وأدوارها وآلية اجتماعاتها، على أن يسمّي كل طرف ممثليه فيها لاحقاً. وأشار المصدر إلى انّ الوفد الإسرائيلي طالب بأن يُدقق في تنفيذ لبنان المطلوب منه في المناطق التي ينسحب الإسرائيليون منها، فرفض لبنان هذا الامر بشدّة، وتدخّل الجانب الأميركي بعد نقاش متوتر، ليتمّ الاتفاق على أن يتولّى الراعي الأميركي التدقيق في التنفيذ لدى الجانبين.
وقد تقرّر استكمال جولة المفاوضات اليوم، على أن يصدر في ختامها بيان يضمن النتائج التي يكون قد تمّ التوصل اليها. وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أكّد قبل جولة المفاوضات أمس، أنه يتوقع أن تساعد على إحراز تقدّم بشأن انسحاب الجيش الإسرائيلي من «منطقتين تجريبيتين» في جنوب لبنان. وقال خلال مؤتمر صحافي في القدس: «نحن مستعدون للمضي قدماً في هاتين المنطقتين التجريبيتين. آمل، وأعتقد، بأنّ هذه الجولة من المناقشات في روما ستدفع نحو إنجاز ذلك».
ترامب ونتنياهو
في غضون ذلك، أفاد موقع «أكسيوس»، أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سحب القوات الإسرائيلية من سوريا ولبنان.
وأبلغ ترامب إلى نتنياهو، خلال اتصال هاتفي الخميس الماضي، بضرورة بدء إسرائيل سحب قواتها من سوريا، وحضّه على فعل الشيء نفسه في لبنان، وفقًا لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين تحدثوا لموقع «إكسيوس».
وذكر الموقع، أنّ «نتنياهو أكّد لترامب بأنّ إسرائيل بحاجة لمناطق أمنية حدودية».
وأضاف الموقع: «إدارة ترامب خلصت إلى أنّ نتنياهو لا يرغب في تقديم التنازلات التي كانت تسعى إليها في سوريا ولبنان».
ولفت، إلى انّه قبل ثلاثة أشهر من انتخابات مصيرية بالنسبة إلى بقاء نتنياهو السياسي وحريته الشخصية، من غير المرجح أن يتخذ أي خطوات جادة لسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تحتلها في سوريا، أو للسماح بمزيد من عمليات إعادة الانتشار في لبنان، بخلاف ما وافق عليه بالفعل. لكن طلبات ترامب تزيد من الضغط المتزايد على نتنياهو. فيما يرغب المسؤولون الكبار في الحكومة الإسرائيلية في سيطرة دائمة على تلك المناطق، بل ويدفع بعضهم في اتجاه إنشاء مستوطنات يهودية هناك.
وأوضح مسؤول أميركي، أنّ ترامب أبلغ إلى نتنياهو أنّ وجود الجيش الإسرائيلي في الأراضي السورية يخلق توترات وقد يؤدي إلى تصعيد. وقال له: «لا يريدونك هناك. عليك إعادة الانتشار»، مضيفًا أنّ الأمر نفسه ينطبق على لبنان.
وأفاد مكتب نتنياهو في بيان، أنّ «رئيس الوزراء الإسرائيلي من جانبه أشار إلى الحاجة لمناطق أمنية على طول حدود إسرائيل». وقد جاءت المكالمة بين ترامب ونتنياهو بعد يوم من اجتماع الرئيس الأميركي مع نظيره السوري أحمد الشرع، على هامش قمة «الناتو» في تركيا.
وقال مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس»: «يتمتع الرئيس ترامب بعلاقة قوية مع رئيس الوزراء نتنياهو، ولطالما كانت إسرائيل حليفاً عظيماً للولايات المتحدة. لم يكن هناك صديق أعظم لإسرائيل ومدافع عن السلام من الرئيس ترامب».
في هذه الأثناء أفادت هيئة البث الإسرائيلية، بأنّ «هيئة المطارات أصدرت قراراً يمنع هبوط طائرات التزود بالوقود الأميركية في مطار بن غوريون». هيئاتتنفيذية
الموقف الفرنسي
من جهة ثانية، أكّد السفير الفرنسي لدى لبنان هيرفيه ماغرو، أنّ كلفة الحرب التي شهدها لبنان كانت باهظة، مشدّداً على أنّ المرحلة المقبلة تتطلّب تثبيت مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.
وقال ماغرو، خلال احتفال أقامته السفارة الفرنسية لمناسبة العيد الوطني الفرنسي، إنّ «فاتورة الحرب كانت ثقيلة على لبنان»، معرباً عن أمله في أن تنجح البلاد في طي صفحة الصراعات والانتقال إلى مرحلة جديدة. وأشار إلى أنّ السلطات اللبنانية اختارت مساراً يهدف إلى إخراج لبنان من الحرب، مؤكّداً أنّ فرنسا تدعم هذا الخيار ومستعدة لمواكبة لبنان في هذه المرحلة.



