مَن سيرث الدور الإيراني في لبنان؟ (الجمهورية 15 تموز)

منذ الثمانينات بنَت إيران نفوذاً واسعاً في لبنان ارتكز على عناصر عدة: دعم حليفها الرئيسي «حزب الله» سياسياً وعسكرياً، التأثير في الاستحقاقات السياسية الكبرى مثل انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومات، امتلاك نفوذ أمني وعسكري يتجاوز حدود الدولة، تقديم دعم مالي واجتماعي عبر مؤسسات مختلفة، واستخدام الساحة اللبنانية ضمن استراتيجيتها الإقليمية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. لذلك، فإنّ أي تراجع لهذا الدور لن يكون مجرّد تغيير في التحالفات السياسية، بل سيؤثر على توازنات داخلية وإقليمية.
لا شك أنّ مستقبل النفوذ الإقليمي يعتمد على تطوُّرات داخلية وخارجية متغيّرة. لذلك لا يمكن الحديث عن وراثة إذا تراجع الدور الإيراني في لبنان، لكن ممكن التحليل عمّن قد يملأ الفراغ. أمّا عن السيناريوهات المطروحة فهذه أبرزها: سياسة
الدور الكبير ستحظى به الدولة اللبنانية، إذا نجحت في تعزيز مؤسساتها الأمنية والسياسية وفرض سلطتها على كامل الأراضي، بالتالي ستكون هي المستفيد الأول من أي تراجع في النفوذ الخارجي.
تليها الدول العربية، ولا سيما السعودية ودول الخليج، وقد تسعى إلى استعادة نفوذها السياسي والاقتصادي في لبنان، عبر دعم مؤسسات الدولة والاستثمارات وإعادة الانخراط الديبلوماسي.
ولا يمكن إغفال القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، من خلال دعم الجيش اللبناني، والإصلاحات الاقتصادية، والمؤسسات الرسمية، وليس عبر إنشاء نفوذ موازٍ بالضرورة.
من جهة أخرى، يرى بعض المحلّلين، أنّ تركيا وقطر قد توسّعان حضورهما في ملفات اقتصادية أو إنسانية أو ديبلوماسية، لكن لا توجد مؤشرات إلى أنّهما ستتوليان الدور الذي لعبته إيران. ومن زاوية أخرى، تريان بأنّ نفوذ إيران سيستمر بصيغة مختلفة، أي هناك أيضاً تقدير بأنّ طهران قد لا تنسحب من المشهد، بل قد تُعيد تنظيم أدوات نفوذها بما يتلاءم مع الظروف الجديدة، خصوصاً إذا بقيت لها قنوات سياسية أو اجتماعية أو تنظيمية داخل لبنان. جريدةالجمهورية
بالتالي، لا يبدو أنّ هناك جهة واحدة مرشحة لـ«وراثة» الدور الإيراني بالكامل. فالأرجح، وفق معظم التحليلات، هو إعادة توزيع النفوذ بين الدولة اللبنانية، وبعض الدول العربية والغربية، مع استمرار تأثير إيراني بدرجات متفاوتة، بحسب تطوُّرات المنطقة والداخل اللبناني.
فمن غير المرجّح أن تتمكن دولة واحدة من وراثة الدور الإيراني بالكامل. بالتالي، اللاعبون المحتملون هم:
1- الدولة اللبنانية: وقد تكون المستفيد الأكبر إذا نجحت في تنفيذ الإصلاحات وتعزيز مؤسساتها، ويتمثل ذلك في:
– تعزيز دور الجيش والقوى الأمنية.
– فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي.
– استعادة القرار السيادي في الملفات الأمنية والخارجية.
لكنّ نجاح هذا السيناريو يتطلّب توافقاً سياسياً داخلياً ودعماً دولياً.
2- المملكة العربية السعودية ودول الخليج: إذ من المتوقع أن تعود الرياض إلى لعب دور أكثر نشاطاً إذا رأت فرصة لتعزيز الاستقرار. وقد يتركز دورها في: حروبوصراعات
– دعم الاقتصاد اللبناني والاستثمارات.
– دعم مؤسسات الدولة.
– تعزيز نفوذ القوى السياسية القريبة منها.
غير أنّ السعودية تبدو اليوم أكثر حذراً، وتشترط إصلاحات فعلية قبل أي انخراط واسع.
3- الولايات المتحدة، ويتركّز الدور الأميركي على:
– دعم الجيش اللبناني.
– الضغط عبر العقوبات والسياسات الديبلوماسية.
– دعم الإصلاحات الاقتصادية والحوكمة.
لكنّ واشنطن لا تبدو معنية بملء فراغ النفوذ الإيراني بطريقة مباشرة، بل بترسيخ دور الدولة.
4- فرنسا: تسعى إلى الحفاظ على حضورها التاريخي في لبنان من خلال:
– الوساطة السياسية.
– دعم إعادة الإعمار والإصلاحات.
– تشجيع التسويات بين الأطراف اللبنانية. تاريخ
إلّا أنّ نفوذها يبقى مرتبطاً بقدرتها على جمع توافق دولي وإقليمي.
5- قطر: برز دورها خلال السنوات الأخيرة في الوساطات والمساعدات الإنسانية ودعم الجيش. وتمتاز الدوحة بعلاقات متوازنة مع أطراف مختلفة، ما يمنحها قدرة على لعب دور الوسيط أكثر من دور الطرف المهيمن.
6- تركيا: على رغم من اهتمامها ببعض الملفات الاقتصادية والثقافية في لبنان، لا توجد مؤشرات قوية إلى سعيها لوراثة الدور الإيراني، كما أنّ تأثيرها لا يزال محدوداً مقارنة بدول أخرى.
فالمشروع التركي قائم على السلطة والدعم ولجم الجماعات المتطرِّفة و«داعش» وتطويق إيران ومنعها من العودة إلى العراق، ومن العراق إلى سوريا… بالتالي، فإنّ أي تراجع في نفوذ إيران سيؤدّي على الأرجح إلى توزيع النفوذ بين أطراف عدة، وليس انتقاله إلى جهة واحدة.
في الموازاة، ترى مصادر رفيعة المستوى، بأنّ عدم ثبات السيناريو الأول «لوراثة إيران» المتمثل بنجاح الدولة اللبنانية في استعادة دورها، يأخذنا إلى سيناريو مجهول، وهو دخول لبنان مرحلة تنافس نفوذ بين قوى إقليمية ودولية عدة، ما قد يطيل حالة عدم الاستقرار إذا غاب التوافق الداخلي. سياسة
في الخلاصة، السؤال الأهم ليس «مَن سيرث الدور الإيراني؟» بل «هل سينتقل لبنان من مرحلة النفوذ الخارجي إلى مرحلة استعادة الدولة لدورها؟». فإذا نجحت المؤسسات اللبنانية في استعادة صلاحياتها، فقد لا يكون هناك «وريث» لأي نفوذ خارجي، بل عودة تدريجية للدولة لتكون المرجعية الأساسية. أمّا إذا بقيت الانقسامات الداخلية على حالها، فمن المرجّح أن يبقى لبنان ساحة تتقاسم فيها قوى إقليمية ودولية النفوذ، بدرجات متفاوتة، بدلاً من أن يحلّ طرف واحد محل إيران.



