سوريا تستقطب اهتمام القطاع الخاص اللبناني… فهل حان وقت الانطلاق؟ (النهار 14 تموز)

انتقلت سوريا من مجرد سوق تقليدية للصادرات اللبنانية إلى ورشة اقتصادية يتهيأ القطاع الخاص اللبناني للعودة إليها، مع تصاعد الحديث عن إعادة الإعمار وبدء إعادة فتح قنوات التعاون الاقتصادي بين البلدين.
هذا التوجه لم يعد يقتصر على اهتمام فردي من رجال الأعمال، بل بدأ يأخذ طابعا مؤسساتيا مع إطلاق مجلس الأعمال اللبناني – السوري، الذي يهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي، وتنسيق التواصل بين القطاع الخاص في البلدين، وتذليل العقبات التي تعترض الاستثمارات والتبادل التجاري.
ويعكس تأسيس المجلس انتقال الاهتمام من مرحلة ترقب التطورات إلى مرحلة التحضير الفعلي لدخول الشركات اللبنانية السوق السورية. ومن المقرر أن يبدأ نشاطه بزيارة وفد اقتصادي لدمشق في منتصف تموز الجاري، لإجراء لقاءات مع المسؤولين والهيئات الاقتصادية السورية واستطلاع الفرص الاستثمارية، بما يمهد الطريق للشركات اللبنانية الراغبة في الاستثمار أو المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.
يؤكد عضو مجلس الأعمال اللبناني – السوري الدكتور رضا الميس أن “الزيارة ستركز قبل أي شيء على توفير التسهيلات التي يحتاج إليها المستثمرون اللبنانيون”، مشيرا إلى أن “رأس المال لا ينتقل من دون بيئة استثمارية مشجعة وحوافز واضحة”. ويكشف أن “الاهتمام بالاستثمار في سوريا بات ملحوظا، إذ شهد الاجتماع الأخير الذي عقد في غرفة التجارة مشاركة واسعة من رجال أعمال مهتمين بإطلاق مشاريع أو تسجيل شركات في سوريا، إلا أن معظمهم لا يزال يترقب اتضاح المشهد، ولا سيما على مستوى الاستقرار والإطار التنظيمي”.
يبدو قطاع المطاعم الأكثر جاهزية للدخول سريعا إلى السوق السورية
المطاعم الأكثر جاهزية
بين القطاعات المختلفة، يبدو قطاع المطاعم الأكثر جاهزية لدخول السوق السورية سريعا، فيما تكثف شركات الفرانشايز استعداداتها للعودة بوتيرة مدروسة رغم استمرار بعض التحديات المصرفية والتنظيمية. في المقابل، يفضل الصناعيون التوسع عبر التصدير في المرحلة الأولى، بينما تواصل شركات المقاولات درس فرص المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، في انتظار انتقال الوعود إلى التنفيذ.
ويرى رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري طوني الرامي أن “قطاع المطاعم سيكون أول القطاعات اللبنانية دخولا إلى السوق السورية، مستفيدا من القرب الجغرافي، وتشابه المطبخين اللبناني والسوري، وتوافر اليد العاملة والمواد الأولية، إضافة إلى المكانة التي تتمتع بها العلامات التجارية اللبنانية لدى المستهلك السوري”.
ويشير إلى أن “الاستثمارات المطلوبة، ولا سيما في مطاعم الوجبات السريعة، تبقى متوسطة الكلفة مقارنة بقطاعات أخرى، ما يسمح بدخول سريع إلى السوق”، لافتا إلى أن “عددا من العلامات اللبنانية بدأ التحضير لافتتاح فروع جديدة. ويعوّل على دور مجلس الأعمال في تسهيل الإجراءات الإدارية وحركة رجال الأعمال وإصدار التأشيرات، بما يعجّل في دخول المستثمرين”.
الصناعيون: أولوية للتصدير
من جهته، يؤكد رئيس جمعية الصناعيين سليم الزعني أن “الاستثمار في سوريا قرار يعود إلى كل شركة وفق حساباتها الخاصة”، معتبرا أن “الأولوية في المرحلة الحالية لاستعادة السوق السورية كوجهة رئيسية للصادرات اللبنانية عبر اتفاقات تضمن انسياب التجارة بين البلدين”.
ولا يرى الزعني أن “إنشاء مصانع لبنانية في سوريا يشكل خيارا واسعا في الوقت الراهن، إذ تمتلك المصانع استثمارات قائمة في لبنان”، داعيا “في المقابل الدولة اللبنانية إلى تحسين بيئة الأعمال والحوافز الضريبية والإدارية للمحافظة على الرساميل”، ومشددا على أن “أي توسع استثماري في سوريا سيبقى مرتبطا بترسيخ الاستقرار”.
المقاولات تنتظر الإعمار
أما قطاع المقاولات، الأكثر ارتباطا بملف إعادة الإعمار، فيبدو الأكثر حذرا. ويؤكد رئيس نقابة مقاولي الأشغال العامة والبناء مارون الحلو أن “عددا محدودا من الشركات اللبنانية سجل شركات في سوريا استعدادا للمشاركة في المشاريع المقبلة، فيما دخلت شركات أخرى في مشاريع خاصة بالشراكة مع شركات سورية وتركية”.
إلا أن “انطلاق المشاريع الكبرى لا يزال مؤجلا في انتظار إطلاق المناقصات الحكومية، واستكمال الإطار القانوني الناظم للاستثمارات، وتوفير ضمانات تتعلق بالتحكيم وحماية المستثمرين، فضلا عن إعادة تأهيل المنظومة المصرفية والتمويلية واللوجيستية”.
الفرانشايز: اهتمام متزايد
يؤكد رئيس جمعية الفرانشايز اللبنانية يحيى قصعة أن “اهتمام الشركات اللبنانية بالسوق السورية يتزايد، لكنه لا يزال يسير بوتيرة مدروسة بسبب استمرار تحديات الامتثال للأنظمة الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بالتحويلات المصرفية وتعامل المصارف مع السوق السورية”.
ويكشف أن “الجمعية بدأت منذ أشهر التحضير لعودة الشركات اللبنانية عبر توفير شريك محلي في دمشق ومواكبة الأعضاء في اختيار مواقع الاستثمار، بالتوازي مع تكثيف الزيارات والمشاركة في المعارض الاقتصادية”.
ويشير إلى أن “المؤشرات الميدانية تبدو إيجابية مع عودة رجال أعمال سوريين للاستثمار في بلادهم، فيما تتركز الفرص حاليا في قطاعات الإنشاءات ومواد البناء والصناعات الغذائية وسلاسل توريد المطاعم، إضافة إلى الخدمات المالية والاستشارية”. ويلفت إلى أن زيارته الأخيرة لدمشق أظهرت تحسنا في الأوضاع التنظيمية والأمنية واستمرار تنفيذ مشاريع لتطوير البنية التحتية، معتبرا أن “هذه المؤشرات تعزز فرص الشركات اللبنانية للإفادة من مرحلة إعادة الإعمار متى انتقلت الخطط إلى التنفيذ الفعلي”.



