أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص – ظاهرة تتّسع في لبنان: كيف نتخلص من مأساة “أطفال الإشارات”؟

في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، بات مشهد الأطفال المتسولين على إشارات المرور جزءًا من الواقع اليومي، في ظاهرة تتجاوز بعدها الإنساني لتطرح تساؤلات عميقة حول أسبابها وسبل معالجتها.

في هذا السياق، قدّم الخبير في التنمية الاجتماعية رمزي أبو خالد قراءة شاملة لظاهرة التسول في لبنان، معتبرًا أنها “لم تعد مجرد مشهد مؤلم أو حالة فردية، بل أصبحت مؤشرًا خطيرًا على عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها البلد”.

وأوضح في حديث لموقعنا Leb Economy أن “الطفل الذي يقف على إشارات المرور ليس متسولًا بطبيعته، وإنما هو ضحية للفقر، أو التفكك الأسري، أو التسرّب المدرسي، أو الاستغلال من قبل شبكات منظمة تتاجر ببؤسه”، مشددًا على أن “حصر القضية في بعدها الأمني يُعد خطأً، لأنها في جوهرها قضية إنسانية واجتماعية وتنموية تستوجب معالجة شاملة”.

الخبير في التنمية الاجتماعية رمزي أبو خالد

 

وأشار أبو خالد إلى أن “الإجراءات المتخذة اليوم لا تتجاوز في معظمها إطار ردود الفعل، إذ تُنفذ حملات لإبعاد المتسولين عن الطرقات، إلا أن المشهد سرعان ما يتكرر بعد أيام، بسبب غياب المعالجة الحقيقية للأسباب الكامنة وراء الظاهرة”.

وأكد أنه “لا يمكن تحقيق نتائج فعلية من خلال إزالة النتيجة وترك السبب”، داعيًا إلى وضع خطة وطنية مستدامة بدل الاكتفاء بحملات موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة أو الضغط الإعلامي.

وأوضح أن “هذه الخطة ينبغي أن تبدأ بتطبيق القانون بحزم على كل من يستغل الأطفال في التسول، سواء كانوا أفرادًا من العائلة أو شبكات منظمة”، مؤكدًا أن “استغلال الطفل جريمة وليس وسيلة للعيش”.

وأضاف أبو خالد أن “الخطة يجب أن تشمل أيضًا إنشاء فرق تدخل اجتماعي ميدانية تعمل يوميًا في الشوارع، تضم اختصاصيين اجتماعيين ونفسيين، تكون مهمتها الوصول إلى الأطفال، ودراسة أوضاعهم، وتحويلهم إلى برامج الحماية والرعاية، بدل الاكتفاء بإبعادهم عن الشارع لساعات محدودة”.

ولفت إلى أن “حماية الطفل لا يمكن أن تتحقق من دون حماية أسرته”، داعيًا إلى توسيع شبكات الأمان الاجتماعي، وتقديم مساعدات للأسر الأكثر فقرًا، وربط هذه المساعدات باستمرار الأطفال في التعليم، باعتبار أن المدرسة تشكل الحصن الأول في مواجهة التسول والاستغلال.

كما شدد على “أهمية تعزيز التعاون بين الدولة والبلديات والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص، لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والرعاية الصحية والتأهيل المهني للأهالي”، مؤكدًا أن “معالجة هذه الظاهرة مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق جهة واحدة”.

وفي ما يتعلق بإعطاء المال للأطفال على إشارات المرور، رأى أبو خالد أن “أحدًا لا يشكك في النية الإنسانية وراء هذا التصرف، إلا أن السؤال الأهم يتمثل في مصير هذه الأموال”، موضحًا أن “الطفل في كثير من الحالات لا يستفيد منها، بل تذهب إلى الشخص أو الجهة التي تستغله”.

ودعا إلى تغيير أساليب المساعدة، من خلال دعم المؤسسات والجمعيات الموثوقة أو المساهمة في برامج حماية الأطفال، باعتبارها أكثر فاعلية من تكريس وجودهم في الشارع.

وأكد أبو خالد أن “الدولة تتحمل مسؤولية أساسية في هذه القضية، بصفتها الجهة المعنية بوضع السياسات الاجتماعية وتطبيق القانون”، لكنه شدد في المقابل على ضرورة عدم تحميلها كامل المسؤولية، داعيًا إلى شراكة حقيقية تجمع الدولة والمجتمع الأهلي والقطاع الخاص والبلديات والمواطنين، لأن العمل ضمن رؤية موحدة يحقق نتائج أكثر استدامة.

ورأى أن “المجتمع الأهلي لا يمكن أن يكون بديلًا عن الدولة، لكنه يشكل شريكًا أساسيًا من خلال رصد الحالات، وتأمين الدعم النفسي والاجتماعي، ومساندة الأسر، وإطلاق حملات التوعية، والضغط باتجاه اعتماد سياسات أكثر عدالة، فضلًا عن قدرته على الوصول بسرعة ومرونة إلى الفئات الأكثر هشاشة.

وأشار إلى أن “الأسباب التي تدفع الأطفال إلى الشارع متعددة، ولا يمكن اختزالها بعامل واحد، إذ تشمل الفقر، والبطالة، والتفكك الأسري، والتسرّب المدرسي، والنزوح، وغياب الحماية الاجتماعية، وأحيانًا الاستغلال المنظم”، معتبرًا أن “أي معالجة حقيقية للظاهرة يجب أن تستهدف هذه الأسباب مجتمعة، لا أن تقتصر على التعامل مع مشهد الطفل على الرصيف”.

واعتبر أبو خالد أن “المجتمعات تُقاس بطريقة تعاملها مع أضعف فئاتها، لا بحجم مشاريعها أو مبانيها”، مؤكدًا أن “الطفل الذي يقف تحت الشمس أو المطر على إشارات المرور لا يحتاج إلى الشفقة بقدر حاجته إلى قرار يحميه، ومدرسة تستقبله، وأسرة تستطيع العيش بكرامة، وقانون يمنع استغلاله”.

وختم بالتشديد على “ضرورة التوقف عن التعايش مع هذا المشهد وكأنه أمر طبيعي”، مشيرًا إلى أن “الطفل الذي يمد يده على الطريق لا يطلب المال فقط، بل يوجّه إلى المجتمع بأسره سؤالًا أخلاقيًا حول اعتياد رؤية الطفولة في الشارع”.

وأكد أبو خالد أن “النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأطفال الذين أُبعدوا عن إشارات المرور، بل بعدد الأطفال الذين عادوا إلى مقاعد الدراسة، واستعادوا طفولتهم، وأصبح لديهم أمل حقيقي في مستقبل أفضل”.

بواسطة
جنى عبد الخالق
المصدر
خاص- Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى