الوساطة الأميركية – اللبنانية – الإسرائيلية: إطار لاختبار الدولة اللبنانية واللبنانيين؟ (الجمهورية 2 تموز)

انشغل كثيرون في لبنان، منذ صدور الوثيقة الأميركية – اللبنانية – الإسرائيلية في 26/6/2026، بالسؤال الخطأ: هل هي معاهدة سلام؟ وهل تُمهِّد للتطبيع؟ وهل هي تنازل عن حقوق لبنان؟ وهل تتناقض مع مبادرة السلام العربية ومقرّرات قمة بيروت العربية عام 2002 الداعية لإقامة حل الدولتَين في فلسطين؟ في حين كان السؤال الذي ينبغي طرحه مختلفاً تماماً: لماذا اختيرت صيغة «الإطار (Framework)» بدلاً من أي صيغة أخرى من صيغ الاتفاقات الدولية كالمعاهدة أو الاتفاقية أو حتى مذكرة التفاهم؟ الإجابة عن هذا السؤال تكشف طبيعة الوثيقة والمرحلة التي تعكسها، أكثر ممّا تكشفه السجالات السياسية والإعلامية.
قبل توصُّل اللبنانيّين إلى اتفاق الطائف حصلت وساطات عدة لإنهاء الحروب المتعدِّدة الجنسيات ما بين 1975 و1990، كما هو مذكور في كتاب: جذور وثيقة الطائف للدكتور أنطوان مسرة، 600 ص.
في القانون الدولي، ليست جميع الاتفاقات هي نفسها. تُبرَم المعاهدة عندما تكون عناصر التسوية نضجت، والحدّ الأدنى من الثقة المتبادلة متوافراً، والالتزامات النهائية قابلة للتنفيذ. أمّا عندما يكون أحد الطرفَين لا يزال يحتل جزءاً من أراضي الطرف الآخر، وتسود بينهما قطيعة عميقة، مزمنة، وانعدام شبه كامل للثقة، فإنّ الممارسة الديبلوماسية تلجأ إلى صيغ انتقالية، أبرزها صيغة الإطار.
وهذا ليس مجرّد اختلاف في التسمية. صيغة الإطار ليس بياناً سياسياً عابراً، ولا مذكرة تفاهم فضفاضة، ولا معاهدة سلام مقنّعة. إنّه وثيقة تفاوضية مرحلية تحدِّد المبادئ العامة، آليات التنفيذ، خريطة الطريق، وتربط كل خطوة بخطوة مقابلة، فتُبنى الثقة تدريجياً من خلال التنفيذ، لا من خلال حُسن النيات. ولهذا السبب تحديداً، اعتُمدت هذه الصيغة في حالات نزاع معقّدة، حيث يستحيل الانتقال مباشرة إلى تسوية نهائية.
لكنّ خصوصية الحالة اللبنانية تكمن في أنّ التحدّي لا يقتصر على العلاقة مع إسرائيل، بل يمتد إلى الداخل اللبناني نفسه. إنّ نجاح أي تفاهم خارجي يفترض وجود دولة واحدة قادرة على تنفيذ التزاماتها، بينما تكمن الأزمة اللبنانية منذ عقود في وجود سلطة دستورية معترف بها دولياً، يقابلها واقع أمني وعسكري وجغرافي، يحدّ من قدرة الدولة على الانفراد بممارسة وظائفها السيادية، أدّى إلى نشوء دويلة رديفة تخضع لإملاءات الجهات الخارجية الراعية ممثلة، تارةً بالمنظمات الفلسطينية، وتارةً بوصاية الحكم الأسدي، وتارةً بحكم الملالي في طهران.
الدولة، في المفهوم الدستوري والحديث، لا يكفي لقيامها مجرّد وجود مؤسسات دستورية أو اعتراف دولي، بل بتولّيها وحدها ممارسة وظائفها السيادية الأساسية: احتكار القوّة المسلحة، حصرية التمثيل والعلاقات الخارجية، وجباية الضرائب، سيادة القانون والمحاكم، ورسم السياسات العامة. وكلّما تعدّدت مراكز القرار في أي من هذه المجالات، أصبحت سيادة الدولة منقوصة، مهما كانت النصوص الدستورية واضحة.
من هنا، فإنّ جوهر الوثيقة لا يكمن في المصطلحات التي غرقت السجالات الإعلامية في تحليلها بعيداً عن مدلولاتها، بل في الاتجاه الذي ترسمه: الانتقال التدريجي لاستعادة الدولة اللبنانية لتعود المرجعية الوحيدة في ممارسة وظائف السيادة على كامل أراضيها، ضمن مسار متدرّج يخضع للمتابعة والتحقق والتقييم.
وهذا ما يفسّر اختيار صيغة «الإطار». فالمفاوضات لم تصل بعد إلى مرحلة معاهدة نهائية، ولا الظروف السياسية تسمح بذلك. لذلك كان الخيار الواقعي هو إنشاء إطار تفاوضي يحدّد المبادئ، ويقسم التنفيذ إلى مراحل، وجعل الانتقال من مرحلة إلى أخرى مشروطاً بالتحقق من تنفيذ الالتزامات السابقة بصورة متبادلة، مع إمكان الاستعانة بآليات رقابة وضمانات دولية.
ولذلك أيضاً، فإنّ تقييم الوثيقة ينبغي ألّا ينطلق من الهواجس الأيديولوجية أو الشعارات السياسية والمواقف الزئبقية للمتموضعين من الساسة اللبنانيّين، بل من سؤال عملي: هل تساعد هذه الآلية على تعزيز الدولة اللبنانية واستعادة قرارها السيادي، أم لا؟
إذا كان الجواب نعم، فإنّها تؤدّي وظيفة مرحلية تسبق أي تسوية نهائية. أمّا إذا بقيت الدولة عاجزة عن بسط سلطتها على كامل أراضيها، فلن تستطيع أي وثيقة، مهما كانت دقتها القانونية أو قوّة رعاتها، أن تنتج استقراراً دائماً.
إنّ الوثيقة ليست نهاية النزاع، بل بداية اختبار. وليس اختباراً للعلاقة بين لبنان وإسرائيل فحسب، بل اختبار لقدرة اللبنانيّين أنفسهم على الانتقال من إدارة الانقسام، ومن لبنان-الساحة إلى استعادة الدولة. الاتفاقات الدولية، مهما بلغت دقتها القانونية أو قوّة الضمانات المرافقة لها، لا تستطيع أن تحل محل الإرادة الوطنية. وهي قد ترسم الطريق، لكنّها لا تستطيع أن تسلكه نيابة عن الدول.
أبرز ما يلفت في الوثيقة أنّها تتضمّن تعهُّداً إسرائيلياً رسمياً بعدم وجود أي أطماع أو مطالب إقليمية في لبنان. إنّ ترجمة هذا الإعلان إلى إلتزام عملي يزيل أحد الهواجس التاريخية التي رافقت الصراع اللبناني – الإسرائيلي، وينقل التفاوض من منطق النزاع على الأرض إلى منطق معالجة الترتيبات الأمنية والسيادية.
واللافت أيضاً في الوثيقة، هو دقة المصطلحات التقنية المستعملة في صياغتها، وضعها خبراء وتعكس خبرة ديبلوماسية وتفاوضية عريقة. وتناقض تماماً سخافة وبذاءة بعض السجالات والتعليقات والأيديولوجيات في لبنان، التي يجب أن تتوقف بشأنها مشاحنات الاستراتيجيّين اللبنانيّين المفتقرة إلى العلم والمنهجية.
إنّ الوثيقة ليست معاهدة سلام، وليست مجرّد بيان سياسي، بل إطار تفاوضي انتقالي يختبر أمرَين في آنٍ واحد: إمكان الانتقال من النزاع إلى التسوية، وقدرة الدولة اللبنانية على أن تكون المرجعية الوحيدة في ممارسة السيادة. إنّ نجاح أي إطار تفاوضي لا يُقاس بما كُتب في نصوصه، بل بقدرة الدولة على التنفيذ. وفي الحالة اللبنانية، يبقى الرهان الأول والأخير على استعادة الدولة لوحدتها الكاملة في القرار الأمني والديبلوماسي والسياسي، لأنّ هذا هو الشرط الذي تقوم عليه كل تسوية مستدامة.



