أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

“الإقامة الذهبية” في لبنان: بين استقطاب الرساميل ومخاطر هشاشة البنية المؤسسية (نداء الوطن 2 تموز)

يطرح مشروع “الإقامة الذهبية” في لبنان جملة من الإشكاليات المتداخلة التي تتجاوز الإطار التقني لتحفيز الاستثمار أو استقطاب الرساميل الأجنبية، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة الدولة اللبنانية، في ظل أزمتها البنيوية الراهنة، على استيعاب سياسة من هذا النوع من دون إنتاج اختلالات مالية ورقابية وسيادية واجتماعية إضافية.

ففي بلد لم تُستكمل فيه بعد عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ولا تزال مؤسساته الرقابية والقضائية تعاني من ضعف مزمن في الفعالية والاستقلالية، يثير هذا المشروع تساؤلات حول قدرة الدولة على التحقق من مصادر الأموال وضبط مساراتها. كما يطرح إشكالية العلاقة بين الإقامة كوضع قانوني، وبين احتمال تحولها تدريجيًّا إلى أداة لإعادة تشكيل أنماط الاستقرار السكاني والاقتصادي داخل مجتمع شديد الحساسية للتوازنات الديموغرافية والسياسية.

ولا تنفصل هذه الإشكاليات عن السياق اللبناني الأوسع، حيث يتداخل الانهيار المالي مع هشاشة سياسية وأمنية، ومع ضغوط ديموغرافية ناتجة عن النزوح الطويل الأمد، ما يجعل أي سياسة تتعلق بالإقامة والاستقرار ذات بعد سيادي مباشر. ومن هنا، لا يعود المشروع مجرد أداة لتحفيز الاستثمار، بل يصبح مدخلا لنقاش أوسع حول حدود الدولة في تنظيم العلاقة بين المال والإقامة والسيادة.

في هذا السياق، وبعد إقرار لجنة المال والموازنة في 22 حزيران 2026 مشروع قانون يمنح إقامة مقابل استثمار لا يقلّ عن 500 ألف دولار عبر الودائع أو العقارات أو تأسيس الشركات، مع رسوم سنوية مرتفعة، يبرز الطابع الإشكالي للتشريع لا من حيث أهدافه فحسب، بل من حيث تفاعله مع واقع مالي ومصرفي غير مستقر وبنية رقابية وقضائية ما زالت تعاني من ضعف بنيوي.

وتزداد حساسية هذا المشروع بالنظر إلى طبيعة السياسات العامة في الدول الخارجة من أزمات مالية عميقة، حيث لا يكفي توفر الإطار التشريعي لضمان الفعالية، بل يتطلب الأمر وجود منظومة تنفيذية ورقابية متماسكة قادرة على تحويل النص القانوني إلى نتائج قابلة للقياس. وفي غياب هذا الشرط، تصبح السياسات التحفيزية عرضة للتباين بين الهدف المعلن والنتائج الفعلية، بما قد يفاقم الفجوة بين التشريع والتطبيق ويضعف الثقة العامة في السياسات الاقتصادية.

أولا: إشكالية “التجنيس المقنّع” وإعادة تعريف الانتماء

يطرح المشروع إشكالية تحول الإقامة الاستثمارية من وضع موقت إلى مسار اندماج طويل الأمد قد يعيد تشكيل مفهوم الانتماء داخل الدولة. فالتجارب المقارنة تُظهر أن هذه البرامج قد تبدأ كأدوات لجذب الرساميل، لكنها تتحول تدريجيًّا إلى آليات لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمقيمين، خصوصًا حين يقترن الاستقرار الاقتصادي بالاندماج الاجتماعي وتراكم الحقوق.

وعلى المستوى اللبناني، تكتسب هذه الإشكالية حساسية مضاعفة بفعل الطبيعة التوازناتية للنظام السياسي القائم على اعتبارات طائفية وديموغرافية دقيقة، إضافة إلى الضغط السكاني الناتج عن النزوح السوري واللجوء الفلسطيني. وهو ما يجعل أي توسع غير مضبوط في الإقامة الاستثمارية عاملا محتملا لإعادة تشكيل غير مباشرة للتوازنات السكانية والاجتماعية.

ثانيًا: مخاطر غسل الأموال وضعف الرقابة

يرتبط المشروع بمخاطر غسل الأموال في ظل إدراج لبنان ضمن اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، بما يعكس ثغرات جدية في منظومة الامتثال والرقابة.

وفي ظل ضعف القضاء وأجهزة الرقابة المالية وتداخل النفوذ السياسي، يصبح التحدي الحقيقي مرتبطًا بقدرة الدولة على التحقق من مصادر الأموال وشفافيتها. ومن دون منظومة رقابية متكاملة، قد تتحول هذه البرامج إلى منافذ محتملة لإعادة تدوير أموال غير شفافة أو إضفاء شرعية قانونية على مصادر مالية مشكوك فيها.

ثالثًا: اختلال العلاقة بين الاستثمار والإنتاج

يعاني الاقتصاد اللبناني من انهيار مصرفي وركود بنيوي يحدّ من قدرة الرساميل على التحول إلى إنتاج فعلي. فغياب الاستقرار المالي والنقدي، وتراجع بيئة الأعمال، وضعف البنية القضائية، كلها عوامل تدفع الاستثمارات نحو العقار أو المضاربة بدل الاستثمار المنتج طويل الأمد.

وفي ظل عدم الاستقرار الأمني والسياسي، يصبح منطق رأس المال أقرب إلى التحوط منه إلى التنمية، ما يحدّ من الأثر الاقتصادي الحقيقي للمشروع.

رابعًا: الضغط على السوق العقارية

قد يؤدي ربط الإقامة بالاستثمار العقاري إلى ضغط تضخمي على سوق العقارات، بما يعمّق الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.

ومع غياب سياسة إسكان عامة، يتحول العقار تدريجيًا إلى أصل مضاربي بدل كونه سلعة سكنية، ما يعزز اللامساواة الاجتماعية ويؤثر في الطبقات الوسطى.

خامسًا: الإشكال السيادي وتداخل القرار

لا يمكن فصل المشروع عن الإشكال السيادي في لبنان، حيث تتداخل مؤسسات الدولة مع قوى أمر واقع، ما يضعف قدرتها على ضبط القرار الاقتصادي. وفي هذا السياق، لا يقتصر تقييم الاستثمارات على بعدها المالي، بل يشمل أيضًا خلفيات المستثمرين وإمكان توظيف الوجود القانوني كأداة نفوذ غير مباشر داخل الدولة.

سادسًا: إشكالية التوقيت البنيوي

يأتي المشروع قبل استكمال الإصلاحات المالية والمصرفية والمؤسساتية، وفي ظل غياب استقرار نقدي وقضائي. ما يجعل جذب استثمارات طويلة الأمد محفوفًا بالمخاطر، لأن البنية المؤسسية نفسها لم تكتمل بعد.

خاتمة

يمكن النظر إلى “الإقامة الذهبية” كأداة فعالة في سياقات مستقرة تمتلك مؤسسات قوية ورقابة فعالة. أما في الحالة اللبنانية، فإن تداخل المخاطر المالية والرقابية والسيادية والاجتماعية يجعلها مسألة تتجاوز البعد الاقتصادي إلى بنية الدولة نفسها.

وبناءً عليه، لا يتعلق الإشكال فقط بجدوى جذب الرساميل، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى قيمة إنتاجية من دون المساس بالتوازنات الداخلية. وفي غياب هذه الشروط، قد يتحول المشروع إلى عنصر إضافي في تعقيد الأزمة بدل أن يكون مدخلا لمعالجتها، وهو ما يجعل تقييم هذا النوع من المشاريع مرتبطًا ليس فقط بالجدوى الاقتصادية المباشرة، بل بمدى نضج الإطار المؤسسي الحاكم له وقدرة الدولة على فرض تطبيقه فعليًّا بشكل مستدام.

بواسطة
الدكتور دريد بشرّاوي
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى