“مجلس شورى الدولة” يحسم النزاع بين الدولة اللبنانية والمصارف: لا شطب للودائع بقرار حكومي ( النهار 23 حزيران 2026)
شدد مجلس شورى الدولة في قراره على أن أي إجراء يرمي إلى إلغاء الديون أو شطب الودائع يشكل في جوهره مساسا بحق الملكية المكرس في الدستور اللبناني.

حسم القرار الأخير الصادر عن مجلس شورى الدولة النزاع بين الدولة اللبنانية وجمعية مصارف لبنان، فرسم حدودا واضحة بين إدارة الأزمة المالية والمساس بحقوق المودعين.
وقد رد القرار الصادر في 21 أيار 2026 طلب الدولة اللبنانية إعادة المحاكمة في القضية المتصلة بقرار مجلس الوزراء رقم 3 تاريخ 20 أيار 2022، وكرس عمليا مبدأ أنه لا يجوز للسلطة التنفيذية، تحت عنوان المعالجة المالية أو التفاوض مع الخارج، أن تشطب الودائع أو تلغي الديون المترتبة لمصرف لبنان تجاه المصارف من دون سند تشريعي صريح، ومن دون احترام الضمانات الدستورية المرتبطة بحق الملكية.
لم يعد الحكم مجرد رأي قضائي قابل للنقاش، بل تحول إلى قرار مبرم بعد إسقاط مجلس الشورى طلب الدولة إعادة المحاكمة، ما ثبت الحكم السابق الصادر في 6 شباط 2024، والذي أبطل قرار مجلس الوزراء إلغاء جزء من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تجاه المصارف التجارية اللبنانية.
ماذا حسم القرار؟
تعود القضية إلى قرار مجلس الوزراء رقم 3 الصادر في 20 أيار 2022، والذي نص على إلغاء جزء من التزامات مصرف لبنان من العملات الأجنبية تجاه المصارف، في خطوة عُدّت يومها جزءا من مقاربة رسمية لمعالجة فجوة الخسائر في النظام المالي. إلا أن جمعية مصارف لبنان طعنت بالقرار أمام الشورى، الذي أبطله في شباط 2024. وعندما عادت الدولة اللبنانية وقدمت في 16 نيسان 2024 طلب إعادة المحاكمة وإبطال قرار الشورى، جاء القرار الجديد في 21 أيار 2026 ليضع حدا لهذا المسار، برد الطلب وتثبيت الحكم السابق.
أهمية القرار لا تكمن فقط في نتيجته، بل في الحيثيات التي استند إليها. فمجلس الشورى شدد في قراره على أن أي إجراء يرمي إلى إلغاء الديون أو شطب الودائع يشكل في جوهره مساسا بحق الملكية المكرس في الدستور اللبناني وفي المواثيق الدولية التي التزمتها الدولة اللبنانية، ولا سيما المادة 15 من الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وفي الوقت عينه، لم ينف المجلس مبدئيا صلاحية السلطات العامة في اتخاذ تدابير استثنائية في أوقات الأزمات، لكنه وضع لهذه الصلاحية سقفا واضحا: أي إجراء من هذا النوع يجب أن يصدر في إطار قانوني صريح عن السلطة التشريعية المختصة، وأن يرفق بنظام واضح لتعويض الحقوق المنزوعة أو المنتقصة.
ضربة لفكرة “شطب الودائع”
القرار يسقط إحدى أكثر الأفكار إثارة للجدل في مقاربات السلطة منذ بدء الأزمة، أي إمكان تحميل المودعين جزءا من الخسائر عبر شطب الودائع أو اقتطاعها بقرار حكومي أو بتدبير تنظيمي. ويكتسب الحكم ثقله في ضوء النقاش الذي كان دائرا منذ عام 2022 حول خطط التعافي، ولا سيما في مرحلة حكومة نجيب ميقاتي ، حين طرحت مقاربات قائمة على إلغاء جزء من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، في موازاة السعي إلى إقناع الجهات الدولية، وفي مقدمها صندوق النقد، بخطة لإعادة توزيع الخسائر.
ماذا يعني الحكم قانونا؟
من الناحية القانونية، يكرس القرار ثلاث خلاصات أساسية. ويؤكد محامي جمعية المصارف الدكتور أكرم عازوري أن أهمية القرار لا تنحصر في النزاع القائم، بل تمتد إلى ما هو أبعد. إذ إن القرار ثبت أولا استقلالية القضاء الإداري في مواجهة السلطة السياسية، وأكد حقه في إبطال القرارات التي تمس الملكية الفردية خارج الأطر الدستورية. والثانية أن أي مسار لإعادة هيكلة الخسائر أو تنظيم القيود على الأموال لا يمكن أن يمر بقرار حكومي مبهم أو بتدبير تنظيمي، بل يحتاج إلى قانون واضح يصدر عن مجلس النواب ويحدد آليات التعويض وحدود المساس بالحقوق. أما الثالثة، فهي أن القرار يضع سابقة قضائية ثقيلة أمام أي مشروع مستقبلي قد يهدف إلى مصادرة الودائع أو إلغائها، لأن المبدأ الذي كرسه المجلس يتصل بجوهر الحق، لا بتفصيل إجرائي عابر.
ويضيف أن “القرار يدعم أيضا النهج القائم على وقف تمويل الدولة من مصرف لبنان، بما ينسجم مع قانون النقد والتسليف، ويساهم في إعادة بناء الثقة بالنظام المصرفي، باعتبار أن أي خطة نهوض لا يمكن أن تنجح إذا انطلقت من شطب حقوق المودعين بدل حمايتها”.
هل هذا يعني أن أزمة الودائع حُلّت؟
الفجوة المالية لا تزال قائمة، والدولة لا تملك حتى الآن خطة قابلة للتنفيذ تتضمن رد الأموال أو توزيع الخسائر بصورة عادلة. وفي هذا السياق، يعتبر الأمين العام لجمعية المصارف فادي خلف أن “قرار مجلس شورى الدولة ليس تفصيلاً قانونياً، بل تذكير بأن الحقوق لا تمحى بالقرارات الإدارية، ولا يمكن أن نقول للمودعين وللمصارف: خسرتم حقوقكم لأن الدولة ومصرف لبنان تعثرا”.
ويضيف: “يجب أن توضع خطة تعترف بالحقوق، وتصارح الناس بالإمكانات، وتوزع المسؤوليات بعدالة، وتحافظ في الوقت نفسه على ما تبقى من قدرة القطاع المصرفي على النهوض. فالودائع لا تُسترد بالشعارات، بل بخطة واضحة تحدد المسؤوليات وتحمل كل جهة ما يترتب عليها”.



