الاستحقاق الرئاسي: بين الحوار الخبيث والتصويت الخبيث! (النهار ٢٦ تشرين الثاني)

لا يتوقف مسؤولو قوى ما يسمى “الممانعة” عن الدعوة الى فتح حوار حول الاستحقاق الرئاسي مع مختلف القوى، لا سيما القوى السيادية التي طرحت مرشحا يمثل توجهاتها السيادية وطموحاتها الإصلاحية، وهي لبّت الدعوة للمشاركة في جلسة الانتخاب في مجلس النواب ست مرات، ووجدت ان الفريق الآخر يقترع بورقة بيضاء، بمعنى انه يعطل الانتخابات، في وقت يواصل نواب “الممانعة المستترة” الموزعين بين فريقين يقترعان إما حرفاً للانظار للدكتور عصام خليفة، وإما إخفاءً لخياراتهم المضمرة لـ”لبنان الجديد”! ليس هناك من فارق حقيقي بين الأطراف الثلاثة الذين يمهدون الطريق امام “حزب الله” لفرض مرشحه تحت عنوان تسوية رئاسية جديدة تكون نتاجا لحوار خبيث يدعون اليه مرارا وتكرارا. تارة يقترحه رئيس مجلس النواب نبيه بري، وطورا يدعو اليه نواب من كتلة الحزب المذكور. في كلتا الحالتين الهدف واحد، تمهيد الطريق امام المرشح الفعلي من داخل الصف الواحد، أي اقناع الرئيس السابق ميشال عون ومحيطه بتأييد ترشيح سليمان فرنجية لقاء حزمة مكاسب مطروحة على الطاولة، ثم طرح الترشيح رسميا مشفوعا بتأييد جماعتي “التغييريين” و”لبنان الجديد” اللتين يمكن اعتبارهما قوى احتياطية في حسابات “حزب الله” الكبيرة بالنسبة الى رئاسة الجمهورية.
من الناحية العملية وفي العمق تشكل الدعوات المتكررة من قِبل “حزب الله” وجماعاته لحوار حول الاستحقاق وسيلة للفرض وليس للمساومة. والسبب الواضح ان “حزب الله” الذي تمكن من إحكام سيطرته على موقع الرئاسة الأولى عام 2016 ليس في وارد التخلي عن مكسب بهذه الأهمية والخطورة بالنسبة الى مشروعه بشقّيه الداخلي والإقليمي اللذين يتكاملان تحت عنوان ما يسمى “وحدة الجبهات” وخط طهران – بغداد – دمشق – بيروت. ويمكن القول ان المحور الذي تقوده طهران لا يزال متمكنا منه الى حد بعيد. وان يكون لبنان أساسا في المشروع التوسعي الإيراني فهذا ليس خافيا على احد. من هنا أهمية ان يُفرض على لبنان واللبنانيين رئيس من صلب المحور الذي يقوده “حزب الله” محليا، لكي تبقى مفاصل الدولة الرئيسية تحت السيطرة بدءا من الرئاسات الثلاث: رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب، ورئاسة مجلس الوزراء. في المرحلة التي سبقت خروج ميشال عون من قصر بعبدا كان “حزب الله” ممسكا بالرئاسات الثلاث، وكل كلام عن تمايز من هنا وتمايز من هناك لم يكن اكثر من حرف للانظار، ومحاولة يائسة كما يقال، لـ”استهبال” الرأي العام وخداعه، ومحاولة خداع الخارج.
انطلاقا مما تقدم فإننا نعتبر ان الدعوة المطروحة للحوار هي دعوة في اتجاه واحد، بمعنى فرض رجل من صلب الممانعة مرة جديدة في قصر بعبدا. لكن من المؤسف حقا ان نرى حجم التواطؤ وتنوعه في مجلس النواب، فالتصويت الخبيث لشخصيات محترمة ووطنية من جهة او التصويت السخيف بشعار فارغ ليسا سوى وجهين لعملة واحدة: تصويت يصب في “طاحونة” “حزب الله” ليس إلاّ!
اننا ندعو القوى السيادية المتحلقة حول مرشحها الى تجنب الفخ المنصوب لها وللبنان ومستقبل لبنان بالعمل على طرح خيارات لن تكون سوى انعكاس لاستمرار الازمة، واستمرار أسلوب الحكم التقليدي الذي أوصل لبنان الى الدرك الذي بلغه راهنا. وفي هذا الاطار لا بد لنا نحن كأصحاب رأي من ان نطرح على الرأي العام إشكالية الخيار الرئاسي المراد فرضه، والأهم ربما طرح إشكالية القوى والكتل التي نراها كما يقال “تلعب على الحبلين” من خلال الإصرار على التصويت الخبيث.



