حين كانت صور والقدس تتحدثان لغة السلام: قبل الحرب، كان هناك تحالف

-الدكتور جورج نجم
كان هناك زمن لم يكن فيه لبنان و«إسرائيل» خصمين وجوديين، ولا يدور كلٌّ منهما في فلك الآخر. بل كانا شريكين. وهذا التذكير لا يروق لكثيرين، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يناقض سردية مريحة ترسّخت مع الوقت: سردية تُقدَّم فيها العداوة على أنها أزلية، طبيعية، وقدر لا مفرّ منه. غير أن التاريخ، حين يُقرأ بعيدًا عن الانفعال الإيديولوجي، يروي قصة مختلفة. فهو يروي قصة تحالف قديم، منظم، ومستدام — لم يُفرض من موقع ضعف، بل اختير بوصفه تعبيرًا عن السيادة.
قبل أن تُرسَم خرائط المنطقة بصورتها الحديثة، وقبل الإيديولوجيات المستوردة وحروب الوكالة، كان لشرق المتوسط توازن آخر. وفي قلب هذا التوازن قامت علاقة نموذجية: العلاقة بين المدينة الفينيقية صور و«مملكة إسرائيل».
لم تكن صور والقدس مجرد صورتين رمزيتين، بل كانتا مرتبطتين بتحالف دولي فعلي. لا استعارة هنا، ولا حكاية توراتية عابرة. كان يحكم صور آنذاك الملك حيرام، في القرن العاشر قبل الميلاد، حاكم قوة بحرية وتجارية كبرى، ومركزًا محوريًا للتجارة والملاحة والهندسة في العالم القديم. وفي القدس حَكَم تباعًا داود الملك ثم ابنه سليمان، وهما مؤسسا «دولة» ناشئة تبحث عن الاستقرار والاعتراف الإقليمي — وهو سعي لا يزال، في نواحٍ كثيرة، حاضرًا حتى اليوم.
تتقاطع المصادر — الدينية والتاريخية والأثرية — على حقيقة واحدة: أقام حيرام علاقة سياسية منتظمة، قائمة على الاحترام والمصلحة المتبادلة، مع داود ثم مع سليمان. لم يكن ذلك عملاً خيرياً، ولا هيمنة مقنّعة. لم تخضع صور لسلطة «إسرائيل»، ولا خضعت «إسرائيل» للقوة الفينيقية الكبيرة. كان تحالفًا بين كيانين متكافئين.
نُقل خشب أرز لبنان، المورد الاستراتيجي بامتياز، إلى القدس لبناء هيكل سليمان. وفي المقابل، وضع الفينيقيون خبراءهم ومعمارييهم وحِرَفيّيهم في خدمة المشروع — وهي سِمة ثابتة في التاريخ اللبناني. ازدهرت المبادلات التجارية، وترسخت الثقة، واستمر هذا التعاون لعقود.
ما نشهده هنا ليس لحظة رومانسية عابرة، بل خيارًا سياسيًا عقلانيًا. فقد أدرك الطرفان أن الاستقرار الإقليمي، والازدهار الاقتصادي، والاعتراف الدولي، لا تُبنى بالحروب بل بالتعاون.
من هنا، يصبح من المشروع النظر إلى السلام كاستراتيجية، لا كسذاجة. من المغري اليوم النظر إلى تلك المرحلة بشيء من التعالي: باعتبارها زمنًا غابرًا سبق صخب العقائد والصراعات الحديثة. لكن ذلك خطأ. السلام بين صور و«إسرائيل» لم يكن حلمًا إنسانيًا سابقًا لأوانه، بل كان حسابًا استراتيجيًا دقيقًا.
لم يكن حيرام ملكًا حالِمًا على الإطلاق. فهو كان يحكم قوة بحرية تنافسية، مهددة باستمرار. ولم يكن سليمان ناسكًا منعزلًا، بل قائد «دولة» فتية محاطة بجيران معادين. كلاهما كان يعلم أن الحرب مكلفة، غير مضمونة، ومُدمّرة للقيمة. وكلاهما أدرك أن التجارة، والترابط، والاعتراف المتبادل، تُرسّخ الدول أكثر من العنف. السلام، هنا، لم يكن تنازلاً، بل مضاعِف قوة.
هذه الحقيقة تُربك اليوم لأنها تقلب معادلة راسخة: ربط الحزم بالعداء، والسلام بالضعف. لكن التاريخ الفينيقي يثبت العكس. لم تكن مدن لبنان القديم إمبراطوريات غازية، ومع ذلك مارست نفوذًا يفوق حجمها بفضل الدبلوماسية، والتجارة، والذكاء الاستراتيجي.
لقد نسينا هذه الذاكرة. ما كان الملوك ينجزونه باسم السيادة، استُبدل اليوم بحروب بالوكالة. وما كانوا يبنونه بالمصلحة المتبادلة، ذاب في سرديات مستوردة. لبنان المعاصر لا يعاني من نقص في الذاكرة، بل من ذاكرة انتقائية، مُسيَّسة إلى حدّ بعيد. نتذكر ما يغذّي الغضب، وننسى ما قد يلهم البصيرة. تحولت العداوة إلى عنصر هوياتي، بينما كانت تاريخيًا مجرد خيار سياسي بين خيارات أخرى.
لا يهدف هذا الطرح أبداً إلى إنكار الجراح، والمآسي، والظلم الذي شهده القرنان العشرون والحادي والعشرون. فهذه حقائق قائمة، وعميقة، ولا تزال جراحها مفتوحة. غير أنّ التاريخ لا يُختزل في مجموع صدماتنا الحديثة فحسب، بل هو أيضًا تاريخ سوابق منسية، ونماذج بديلة، ومسارات لم يُسلك طريقها.
إن استحضار تحالف صور و«إسرائيل» لا يعني محو الحاضر، بل تحرير الخيال السياسي. فالسلام لا يحتاج إلى اختراع. في النقاش المعاصر، غالبًا ما يُصوَّر السلام بين لبنان و«إسرائيل» كيوتوبيا خطِرة، أو كخيانة قانونية وأخلاقية. يُتعامل معه كفكرة مشبوهة. غير أن التاريخ يقول شيئًا آخر: هذا السلام وُجد بالفعل، حين كان الفاعلون واثقين، وأسياد قراراتهم، وممسكين بسيادتهم.
لعلّ هذا هو جوهر الإرباك الحقيقي: السلام يتطلب سيادة فعلية. ويتطلب دولًا قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها، من دون تفويض غضبها أو استيراد حروبها. ويتطلب أيضًا شجاعة فكرية لقراءة التاريخ بلا عُصُب. أنا لا أدعو هنا إلى اتفاق فوري، ولا إلى حلول ساذجة لمشكلات معقدة. بل أسعى إلى التذكير بحقيقة أساسية: العداوة ليست قدرًا تاريخيًا. إنها خيار سياسي، غالبًا ما يُفرَض أكثر مما يُختار.
لنتعلم من جديد ما كنا نعرفه نحن، اللبنانيين. ربما لا يحتاج السلام بين لبنان و«إسرائيل» إلى اختراع. ربما يحتاج فقط إلى أن يُستعاد. أن يُستعاد كفعل قوة لا كتنازل. كاستراتيجية بقاء وازدهار. كإرث فينيقي، واعٍ، وحديث بعمق.
التاريخ لا يفرض علينا المستقبل. لكنه يذكّرنا، أحيانًا بوضوح قاسٍ، أننا عرفنا يومًا كيف نفعل أفضل.
-جورج نجم
دكتور في إدارة الأعمال؛ مستشار في التواصل الاستراتيجي والسياسي؛ أستاذ محاضر في جامعتي EM Normandie وEM Strasbourg في فرنسا وجامعة الروح القدس – الكسليك في لبنان؛ مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة نويز للعلاقات العامة (Noise PR Firm – Beirut) وشبكة نويز العالمية ومقرها باريس (Noise Global Network).
– كُتب هذا المقال في الأصل باللغة الفرنسية بقلم الكاتب، ونُشر للمرة الأولى في صحيفة «لوريان – لوجور» ضمن صفحة بريد القرّاء.



