برّي: صمتي لا يعني الرضى عن المفاوضات (اللواء 4 حزيران)

ثمة إشارة يمكن البناء عليها من خلال مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري المواكبة للتطورات الميدانية والسياسية؛ أولها أن الصمت الذي يلف أجواء عين التينة من هذه التطورات، يختزن ناراً تحت رماد المواقف، ولا سيما أن بري، الحريص دائما على الوحدة الوطنية الداخلية، بدأ يلمس انهياراً تدريجيا لجدار السلم الأهلي نتيجة العبثية التي تساق عبر مواقف كثير من القادة اللبنانيين، وتماهي الإعلام الموجّه والمضبوط على ساعة واشنطن وتل أبيب معها.
مصادر عين التينة تقول: إن الخشية التي عبّر عنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، هي الخوف من الذهاب الى أخطر من مواجهات تجري على أرض الجنوب، في مرحلة بات الاحتلال يكشف يوميا عن عمق مشروعه التوسّعي فيها، وما العدوان المستمر سوى انعكاس لهذا المشروع، وأن عمليات التجريف للقرى قد لا تتوقف عند حد جغرافي، لأن في أجندة إسرائيل المزيد من النوايا العدوانية ضد الجنوب أولا ولبنان. وهذا التوجس الذي ينتاب رئيس مجلس النواب، يأتي قبل إعلان النيّات بين إيران وواشنطن. وما يزيد من امتعاض بري هو العقوبات الأميركية المفاجئة، إذ تتساءل الأوساط المراقبة كيف يُطلب منه محاورة حزب الله فيما تُعاقَب أدواته في الحوار؟
ووفق مصادر متابعة، فإن الرئيس بري لا يعول على المفاوضات المباشرة مع واشنطن، وهو متمسّك بنصيحته في الاقتصار على مفاوضات غير مباشرة، والتي لم يؤخذ بها بطبيعة الحال. وبالرغم من ذلك، التزم الصمت حيال ما تشهده واشنطن، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذه المفاوضات لن تجدي نفعاً، وأن لبنان ذهب إليها خاليا من أوراق قوته المتمثلة بالإجماع الوطني أولا، وبالمقاومة التي ما زالت قادرة على عرقلة وإفشال المخطط الإسرائيلي.
وتابعت المصادر، ان ما قامت به وزارة الخزانة الاميركية من عقوبات قد صعّبت الوضع الداخلي؛ فبري الذي مرّر مقررات مجلس الوزراء، ولم يعترض وزراؤه على القرارات المتعلقة بالمقاومة، عمّم على وزرائه ونوابه عدم التطرق إلى موضوع المفاوضات المباشرة رغم معارضته لها من حيث المبدأ. وهو يعتبر أن هذه المفاوضات لن تؤدِّ إلى نتيجة، ولن تحقق وقف الحرب الذي وُعد به، وأن مسار إسلام آباد هو الذي قد يمنح لبنان وقفا شاملا للحرب.
مصادر مواكبة نقلت بالمقابل عتب رئيس الجمهورية، إذ ان رئيس مجلس النواب يقاطع بعبدا، حيث غاب اللقاء الأسبوعي بين الرئيسين، كما أنه لا يلاقي رئيس الجمهورية في الضغط على حزب الله من أجل الالتزام بوقف النار. علما أن بري، عندما أبلغته بعبدا بالاتفاق على وقف النار في واشنطن وطلبت منه التزاما من حزب الله، كان جوابه: أعطوني وقف النار واتركوا الحزب عليّ. لكن الآمال خابت، وفشل وقف النار في جولتين متتاليتين، فيما استمر لبنان في التفاوض.
وما يعزز رؤية الرئيس بري حول حرصه الدائم على لبنان ووحدته، أبرزته الرسالة التي نشرها مكتبه في ذكرى التحرير، والتي دعا فيها للتلاقي والوحدة والتحرر من خطاب الكراهية والإقلاع عن «الرقص فوق الدماء، وعدم نكء الجراح».
ودعوته أيضا للتكامل في الأدوار، وتحمّل المسؤوليات لتحصين السلم الأهلي ونبذ الطائفية والمذهبية، ما يؤمّن حماية للبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه من براثن الفتن، ووأد مشاريع التقسيم والتجزئة والتوطين التي تسعى إليها إسرائيل من خلال مشروعها في المنطقة.
من هنا، يستمر حرص بري بالدعوة للثبات دفاعا عن الأرض والتراب والحدود دون أي انتقاص من سيادة الوطن وحريته في مواجهة أي طامع ومحتل تحت أي ظرف من الظروف مهما غلت التضحيات.
في الخلاصة، تبقى الهواجس مبررة لدى الجميع فكيف بمن حمل الجنوب وهمّه على مدى عشرات السنين لتبقى الرسالة الأكثر وضوحا لدى الرئيس نبيه بري، وهي عدم تقديم تنازلات مجانية، والتخلّي عن السيادة لمصلحة الكيان الإسرائيلي.



