إنتخاب قيادة عسكريّة لرئاسة الجمهوريّة: ما له وما عليه! (نداء الوطن ١٣ تموز)

في سياق البحث عن حلّ لموضوع رئاسة الجموريّة اللبنانيّة، ورد في جملة الاقتراحات المعروضة امكانية انتخاب قائد الجيش اللبناني رئيساً للجمهوريّة. وهذه ليست المرة الأولى التي يتوجه فيها الخيار نحو قيادة عسكريّة لتولي رئاسة الدولة. فمن زمن بشير الجميِّل إلى زمن ميشال سليمان، راهن اللبنانيون على القيادة العسكريّة لحل الاشكاليّة المدنيّة. على أنّ الحكم على مثل هذا الخيار ليس أمراً متوفراً وجاهزاً في حسناته أو سيّئاته. ذلك أنّه لكل مرحلة ظروفها ومعطياتها ومشاكلها وامتداداتها الداخلية والاقليميّة والدوليّة. فما الذي يمكن القول عن مثل هذا الخيار في الظروف الحاليّة: في ما له من فوائد وما عليه من مصاعب؟
أولاً: في ما له من فوائد
إنّ اختيار قائد الجيش رئيساً للجمهوريّة والتصويت له بموجب مندرجات الدستور اللبناني والنصوص القانونية المعتمدة، يمكن أن يحقق للبنانيين، وبعيداً عن كل انتماء فئوي أو حزبي أو طائفي أو عائلي، الفوائد التالية:
1. تأمين حدّ أعلى من المصداقية الوطنيّة من خلال كونه قائداً لأكبر وأوسع وأقوى مجموعة أمنيّة وطنيّة تمارس سلطتها فوق الأراضي اللبنانيّة فعلياً وشرعياً بموجب الدستور والأنظمة المرعية الإجراء.
2. تأمين حدّ واضح من الانتماء الوطني لخدمة الشعب اللبناني وسيادة لبنان وحريته واستقلاله بجميع فئاته وطوائفه وانتماءاته الفكرية والسياسية ضمن شروط والتزامات نصّت عليها مواد الدستور والميثاق الوطني وقرارات الأمم المتحدة بخصوص لبنان.
3. إعتبار المؤسسة العسكريّة (الجيش اللبناني) المؤسسة الأم للحفاظ على الشعب اللبناني والكيان اللبناني في الآن عينه. ليس من باب النظريّة فقط، بل من باب التأكيد على أنّ هذه المؤسسة هي الأقدر والأقوى والأفعل على جبه كافة التحدّيات التي يواجهها لبنان: الانسان والكيان. على أنّ قائد هذه المؤسسة يختصر في شخصه كافة هذه القيَم والقدرات لأنّه المسؤول الأبرز عن وجود لبنان وبقائه ومصيره.
4. إنّ المؤسسة العسكريّة ممثلة بقائدها هي المؤسسة الأكثر قدرة على تأييد الحشد الشعبي لها في أمور الوطن العامة. ولذا فإنّ تحلّق الأكثريّة من القوى الشعبية حول قائد الجيش أمر طبيعي لأنه ينسجم مع رغبة المواطنين في ايكال مصيرهم إلى سلطة يعرفونها ويحترمونها ويثقون بها. سلطة لديها الارادة والقدرة على خدمة الشعب اللبناني.
5. يضاف إلى ذلك، بل ربّما يسبق ذلك، ان هذه المؤسسة ممثلةً بقائدها هي القادرة أو ربّما وحدها القادرة، على أن تقول لا عالية في وجه أية قوة داخلية تسعى للسيطرة على الدولة والوطن، باستخدام الوسائل الميليشيوّية. من هنا تصبح هذه المؤسسة الضامن الفعلي لوحدة واستقرار الدولة اللبنانية.
6. في جملة الحسنات التي تحسب على هذا الخيار مواقف عدد من الدول الفاعلة في العالم والتي تفضّل لا بل ترتاح للتعاطي والتعاون مع المؤسسة العسكريّة برعاية قائدها الرئيس، إن من حيث رسم السياسات المشتركة، أم من حيث التبرعات لها، وهو ما يشهده لبنان من بعض الدول التي لديها ميل لتأييد وصول القيادة العسكريّة إلى منصب الرئاسة.
ثانياً: في ما هو عليه من مصاعب!
ما هي العوائق والإشكاليات التي تعترض وصول عسكري إلى سلطة الرئاسة في لبنان؟ وبشكل أوضح ما هي الصعوبات التي تواجهه من جانب قوى في الداخل وقوى من الخارج على السواء وذلك لأسباب خاصة بكل منهما.
1. إن أوّل من يخشى، ويعارض، ويعترض على وصول قائد الجيش إلى السلطة، هم الذين يريدون السلطة ضعيفة ومهدورة، وبالتالي تكون لقمة سائغة للاحتواء والهيمنة وليس لديها القدرة على الحكم ولا المناعة اللازمة لممارسة السلطة، الأمر الذي يسمح لهم باعتماد الطمع والجشع للتحكّم بمفاصل السلطة وخيرات الوطن. إنّ وجود الجيش القوّي إلى جانب القائد هو المؤشر على مصداقية السلطة الرسمية للدولة في مواجهة السلطات الميليشيويّة الفئويّة!
2. ولعل الاعتراض الثاني يتعلق بالديمقراطية. ذلك أنّ الحديث عن زعامة عسكريّة يؤدي فوراً إلى مفهوم الديكتاتوريّة العسكريّة في الأنظمة الموجّهة. فلبنان، معروف تاريخياً بكونه واحة للديمقراطية في هذه المنطقة من العالم. ولذا يكون من الصعب تصوّر نظام لبناني يحكمه أو يتحكّم به القادة العسكريون في غياب المؤسسات الدستوريّة الديمقراطية. وهو أمر يتعلق بشكل مباشر بشخصيّة القائد العسكري: في روحيّته وتربيته وثقافته وممارساته العامّة ومشروعه السياسي ونظرته إلى أمور الوطن. وبشكل خاص إلى طريقة تعاطيه مع مشاكل الناس وتحدّيات الأحداث.
3. بمعنى آخر، إنّ ميزان الديمقراطية لدى الشخصيّة العسكريّة يرتبط بشخصيّته أولاً، وثقافته ثانياً، وأسلوب حكمه ثالثاً. والجهات التي يختار التعاون معها رابعاً. إنّ الاستعانة بمثقفين وذوي فكر ورأي وتاريخ ليست كمثل الاستعانة بالأزلام الحرس. فبين هؤلاء وأولئك تتحدد هوية النظام السياسي للقائد العسكري!
4. لعلّ أهم ما يعترض القيادة العسكريّة هو الصلة القائمة والتي ينبغي أن تقوم بينه وبين المؤسسة أولاً. ليس من باب السلطة القيادية فقط، بل من باب السلطة المـتناسقة بين القائد والمؤسسة على الصعد كافة، ولا سيما على صعيد القناعات الاستراتيجيّة الخاصة بوضع البلاد عامة. إنّ التوافق التام بين نظرة القائد ومسار المؤسسة في القضايا الوطنية العامة هو المدخل إلى النجاح في الحكم. إن تحقيق مثل هذا التناسق والتفاهم هو الأساس لبناء نظام سياسي كامل ومتكامل على مستوى الجمهوريّة.
باختصار كلي، فإنّ وصول عسكري إلى السلطة هو رهان يحمل العديد من المؤشرات الايجابيّة والسلبيّة في آن. ذلك أنّ التركيبة اللبنانية تحمل في ذاتها مقوّمات نجاحها وفشلها طبقاً لأسلوب القيادة وما يتوجب عليها ويرجى منها، وما تقوم به وما لا تقوم به… على أمل أن يكون الهدف النهائي في خدمة الديمقراطية.
(الأفكار الواردة في هذا النص تعبّر عن رأي كاتبها)



