العفو العام بعد “الإنقسام الطائفي”… هل سقطت التسوية ؟( الديار 22 أيار)

تحوّل تأجيل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الجلسة التشريعية، التي كانت مخصّصة الخميس الفائت لإقرار مشروع “قانون العفو العام”، إلى مؤشر واضح على أنّ الملف دخل مرحلة شديدة الحساسية سياسياً وطائفياً وأمنياً، بعدما انفجرت الإحتجاجات الشعبية في الشارع، وقُطعت الطرقات، بالتزامن مع اعتراضات مضادّة من أهالي شهداء الجيش وضحايا الجرائم.
ونظراً لحالة الإنقسام والتحريض الطائفي والمذهبي في أكثر من منطقة، أرجئت الجلسة إلى موعد آخر غير محدّد حالياً، ليكون شعاره الأساسي هو “التوافق”. في حين كان الهدف من اقتراح العفو، خفض العقوبات إستثنائياً وإعادة الاعتبار للعدالة، والتخفيف من الإكتظاظ في السجون.
وكانت الأجواء السياسية حتى الساعات الأخيرة توحي بأنّ القانون سيُقر قبل عيد الأضحى، خصوصاً بعد إعلان نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، أنّ غالبية الكتل وافقت على صيغة “شبه نهائية”، وأنّ برّي يريد إنهاء الملف سريعاً، وعدم تحويله إلى “بازار سياسي”.
ولا يتعلّق جوهر الأزمة بمبدأ العفو نفسه، على ما تؤكّد مصادر سياسية وقانونية مطلعة، بل بمن سيستفيد منه ومن سيُستثنى. فالصيغة المطروحة تتضمّن تخفيضات واسعة لعقوبات المؤبّد والإعدام، وبعض حالات العفو عن موقوفين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية بعد، فضلاً عن مسألة إدغام الأحكام، أي دمج عقوبات عدّة بحكم واحد هو الأشدّ، وإسقاط الحقّ الشخصي، وإطلاق قتلة العسكر، والعفو عن اللبنانيين المدنيين الذين هربوا إلى “إسرائيل” بعد التحرير في العام 2000.
لكنّ العقدة الأساسية ظهرت حول ملفات الموقوفين الإسلاميين ، والمتهمين بقضايا مرتبطة بالإرهاب أو بالإشتباكات المسلّحة مع الجيش، كما بمساواة السوريين بالموقوفين اللبنانيين. فأهالي الموقوفين يعتبرون أنّ كثيرين أمضوا أكثر من عشر سنوات في السجن بلا محاكمات عادلة أو بأحكام متأخرة، ويرون أنّ الدولة تتحمّل مسؤولية هذا الظلم القضائي. علماً بأنّ هناك 106 موقوفين لم يمثلوا أمام المحكمة منذ 12 عاماً.
في المقابل، تعتبر عائلات شهداء الجيش، خصوصاً شهداء عبرا، أنّ أي عفو يشمل متورّطين بأحداث أمنية دامية، سيشكّل “طعنة” للمؤسسة العسكرية ولحقوق أهالي الشهداء، فيما يرفض أهالي ضحايا جرائم القتل وتجّار المخدرات توسيع العفو، ليشمل جرائم جنائية خطيرة. علماً بأنّ الصيغة المطروحة تستثني الجرائم التي أحيلت إلى المجلس العدلي مثل القتل العَمد، والإتجار بالمخدرات، وجرائم الخيانة والتجسّس وسواها.
وقانون العفو بصيغته الأخيرة التي استلزمت 9 جلسات ونقاشاً مستفيضاً وجلسات خاصة ومعلنة وغير معلنة، من المفترض أن يستفيد منه، وفق المصادر، نحو 3126 سجيناً من بينهم 228 من الموقوفين الإسلاميين من أصل 8590 سجين، بينهم 1023 محكوماً و 5996 موقوفاً. علماً بأنّ أهالي الموقوفين يعترضون على تحديد سقف الإعدام بـ 28 سنة سجنية (أي نحو 22 سنة فعلية)، والمؤبّد بـ 18 سنة، كونه لا يُفرج سوى عن 30 محكوماً خلال سنتين من أصل 145. في حين يعترض أهالي الشهداء على تخفيض السنة السجنية إلى 9 أشهر.
والسؤال الأهم اليوم: هل تُعقد الجلسة قبل عيد الأضحى أم بعده؟ تلفت المصادر إلى أنّ فرص إقرار القانون قبل العيد تراجعت كثيراً. فحجم الاعتراضات من جميع الأطراف، والانقسام النيابي، وضغط الأهالي، كلّها عوامل تجعل تمريره سريعاً أمراً بالغ الصعوبة.
أمّا توقيت العودة إلى الجلسة، فيرتبط بقدرة القوى السياسية على احتواء الاحتقان الشعبي بحسب المصادر، لأنّ التأجيل لا يعني انتهاء الأزمة. وتؤكّد المصادر المطلعة بأنّ الصيغة الحالية لن تمرّ كما هي، وأنّ التأجيل لم يكن إسقاطاً للقانون، بل محاولة لإعادة “تنظيفه” سياسياً وشعبياً.
لذلك، يبدو السيناريو الأقرب من أحد احتمالين: إما إعادة المشروع إلى اللجان لإعادة صياغته وتشديد الاستثناءات، وإما ترحيله إلى ما بعد العيد، في انتظار تسوية سياسية أكثر هدوءاً.



