ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

زيارة ترامب إلى الصين في ميزان الربح والخسارة

زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين أبعد من أن تكون زيارة بروتوكولية عادية، فتوقيتها جعلها أشبه بما يسمى “اجتماع طوارئ” بين أكبر اقتصادين في العالم، في ظل حرب اقتصادية مفتوحة بين واشنطن وبكين، واضطراب في سلاسل الإمداد، وصدمة طاقة عالمية بعد اختناق الملاحة والنفط في مضيق هرمز. فمن خرج من لقاء بكين حاملاً مكاسب قابلة للتحويل إلى مال وسلطة؟

ماذا ربح ترامب؟

1. صفقة بوينغ: الغنيمة الأكثر وضوحاً

أكبر إعلان خرج من الزيارة كان قول ترامب إن الصين وافقت على شراء 200 طائرة من بوينغ، مع احتمال أن يرتفع الرقم لاحقاً إلى 750 طائرة. وبحسب “رويترز”، تقدّر قيمة طلبية 200 طائرة بين 17 و19 مليار دولار، وربما تصل إلى 25 ملياراً إذا تضمنت طائرات عريضة البدن مثل 777، إضافة إلى 737. بوينغ وصفت الأمر بأنه “التزام أولي”، لا عقداً نهائياً بكل تفاصيله الزمنية والتمويلية.

هذه الصفقة مهمة لثلاثة أسباب: أولاً، تعيد بوينغ إلى سوق صينية ضخمة بعدما فقدت الشركة موقعاً مهماً هناك خلال سنوات التوتر التجاري وأزمة أعطال 737 ماكس؛ ثانياً، لا تفيد بوينغ وحدها، بل تمتد إلى جنرال إلكتريك وشركات المحركات والمكوّنات وسلاسل التوريد الأميركية؛ وثالثاً، تمنح ترامب مادة انتخابية/سياسية ممتازة بقوله: “أعدت الوظائف الصناعية وفتحت السوق الصينية أمام الطائرات الأميركية”.

إلا أن الإعلان لا يعني أن الصين دفعت مالاً. فالتفاصيل غير مكتملة، وحجم الطلبية أقل من توقعات بعض المحللين الذين كانوا ينتظرون صفقة أكبر، وهذا يفسّر لماذا لم ترتفع أسهم بوينغ بقوة بعد الإعلان، بحسب “رويترز”.

. الزراعة: وعد كبير بلا أرقام نهائية

قال ترامب إن الصين ستشتري من فول الصويا والمنتجات الزراعية الأميركية بـ”مليارات الدولارات”، فيما تحدث الممثل التجاري الأميركي عن مشتريات زراعية صينية قد تصل إلى “عشرات المليارات” خلال ثلاث سنوات. وهذه نقطة حساسة جداً في الداخل الأميركي. لماذا؟ لأن المزارعين الأميركيين كانوا من أكثر المتضررين من الحرب التجارية، والمكسب هنا أقل صلابة من صفقة بوينغ، فبكين لم تؤكد علناً كل التفاصيل، والصين غيّرت سلوكها الشرائي منذ الحرب التجارية الأولى: اعتمادها على فول الصويا الأميركي تراجع من 41% في 2016 إلى 15% في 2025، مع صعود البرازيل كمورّد أرخص وأكثر موثوقية للصين.

3. الطاقة: محاولة بيع النفط الأميركي للصين وسط أزمة مضيق هرمز

الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وجزء ضخم من وارداتها يمر عبر الخليج. لذلك، أي حديث عن شراء الصين مزيداً من النفط أو الغاز الأميركي يعني أن واشنطن تريد تحويل أزمة إغلاق مضيق هرمز إلى فرصة تجارية.

لقد تضررت الصين من تراجع تدفقات الطاقة عبر هرمز، وتراجعت وارداتها من الطاقة في نيسان/أبريل بسبب الاختناق في الممر البحري بحسب “بلومبرغ”، كما أن تقديرات بحثية سابقة تشير إلى أن نحو 45 إلى 50% من واردات الصين النفطية تمر بمضيق هرمز، ما يجعل بكين مكشوفة على الخطر الخليجي رغم امتلاكها مخزونات استراتيجية.

لذلك، أي تعهد صيني بشراء طاقة أميركية يخدم ترامب في هدفين: تقليص العجز التجاري مع الصين، وإظهار الولايات المتحدة كمورّد طاقة بديل في لحظة اختناق الشرق الأوسط. لكن مرة أخرى، التفاصيل غير حاسمة، والبيانات الصينية الرسمية لم تبدُ متحمسة لتأكيد كل ما أعلنه الجانب الأميركي.

وماذا ربحت الصين؟

1. الصين اشترت الهدوء… لا الطائرات فقط

لم يحضر شي جينبينغ هذه القمة كي يتنازل لترامب. كان يريد شيئاً أهم: إدارة الحرب الاقتصادية لا إنهاءها بشروط أميركية. بكين تريد تخفيف خطر التعرفات، إطالة الهدنة التجارية، منع انفجار قيود التكنولوجيا، والحفاظ على الاستثمارات وسلاسل الإمداد في لحظة عالمية مضطربة.

قبل القمة، كانت التوقعات تشير إلى أن واشنطن وبكين قد تمددان الهدنة التجارية وتؤسسان آليات حوار اقتصادي مثل مجلس للتجارة أو الاستثمار، لكن من دون اختراق شامل، وفقاً لوكالة “أسوشيتد برس”، وهذا بالضبط ما يخدم الصين: تجميد مؤقت للتصعيد، لا اتفاق سلام اقتصادي.

بالنسبة إلى بكين، شراء 200 طائرة أو جزء من المحاصيل الأميركية ثمن مقبول في مقابل تهدئة التعرفات وتأجيل قيود أشد على التكنولوجيا والاستثمار.

2. الصين كسبت اعترافاً عملياً بأنها ندّ لأميركا

المشهد بذاته كان مكسباً للصين: رئيس أميركي يأتي إلى بكين، وسط أزمة عالمية، ومعه وفد اقتصادي ضخم، طالباً تعاون الصين في التجارة والطاقة وإيران والذكاء الاصطناعي. هذه صورة ثمينة لبكين لأنها تقول للعالم إن حلّ الأزمات الكبرى لا يمر من واشنطن وحدها.

وتنسب “ذا تايمز” إلى مسؤولين قولهم إن الصين لم تظهر طرفاً يتلقى أوامر أميركية في ملف إيران ومضيق هرمز، بل ظهرت قوة لا يمكن تجاوزها. وأشارت تقارير عدة إلى أن الطرفين اتفقا على أهمية إبقاء هرمز مفتوحاً ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكن من دون اختراق حقيقي أو التزام صيني واضح بالضغط الحاسم على طهران. بعبارة أوضح: ترامب احتاج الصين لإدارة أزمة هرمز، وهذا وحده مكسب صيني.

3. الصين لم تدفع ثمن تايوان

من أبرز المكاسب الصينية أن جينبينغ وضع تايوان في قلب اللقاء، بحسب “رويترز”، شدد شي على أن سوء التعامل مع ملف تايوان قد يقود العلاقات الأميركية الصينية إلى “مكان بالغ الخطورة”. وهذا ليس تفصيلاً سياسياً. ففي الاقتصاد العالمي، تايوان تعني أشباه الموصلات والرقائق وسلاسل التكنولوجيا العالمية. إذا نجحت الصين في جعل واشنطن أشد حذراً في ملف تايوان مقابل وعود تجارية، فتكون قد حققت مكسباً استراتيجياً غير مباشر: تقليل احتمال صدمة عسكرية أو تكنولوجية تضرب الاقتصاد الصيني.

من ربح؟ ومن خسر؟

الرابح الأول إعلامياً هو ترامب، إذ حصل على عناوين كبيرة: بوينغ، مزارعون، طاقة، “صفقات رائعة” كما قال. هذا النوع من المكاسب يناسب أسلوبه السياسي لأنه قابل للتبسيط أمام الجمهور: الصين تشتري من أميركا، إذاً أميركا ربحت. لكن المشكلة أن جزءاً من هذه المكاسب لا يزال إعلانياً لا تنفيذياً. لا توجد بعد كل التفاصيل الملزمة حول التواريخ، الأسعار، التمويل، نوع الطائرات، حجم الزراعة، أو الطاقة. لذلك، يمكن القول إن ترامب عاد بـشيكات سياسية كبيرة، لكن بعضها لم يتحول بعد إلى تحويلات مصرفية اقتصادية.

الرابح الثاني استراتيجياً هو الصين التي خرجت بمكسب أهدأ: لم تظهر كمهزومة، لم تؤكد كل الرواية الأميركية، لم تقدم تنازلات كبرى في التكنولوجيا أو تايوان، وحصلت على فرصة لخفض التوتر في وقت يحتاج اقتصادها إلى استقرار. الأهم أنها استخدمت السوق الصينية كسلاح تفاوضي: تشتري طائرات ومحاصيل عندما يخدمها ذلك، لكنها لا تعود إلى الاعتماد القديم الكامل على الولايات المتحدة.

الخاسر الأول هو من كان ينتظر اتفاقاً تجارياً شاملاً. فالشركات والأسواق التي كانت تنتظر نهاية واضحة للحرب التجارية لم تحصل على ذلك. القمة أنتجت تهدئة ووعوداً، ولم تنتج نظاماً تجارياً جديداً. لذلك، بقيت حالة عدم اليقين قائمة حول التعرفات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد… وتايوان. وتقول شبكة “سي بي نيوز” إن القمة لم تحقق اختراقات كبيرة للولايات المتحدة خارج الإعلانات التجارية.

الخاسر الثاني هو أوروبا وآسيا المستوردة للطاقة إذا تحولت الصين إلى شراء مزيد من الطاقة الأميركية، وإذا بقي هرمز مضطرباً، فإن المنافسة على الشحنات البديلة ستشتد. هذا يعني أسعار طاقة أعلى للدول المستوردة، ولا سيما في آسيا وأوروبا. وهكذا، قمة بكين لم تحل الأزمة، بل أدارتها مؤقتاً.

الخاسر الثالث هو النظام التجاري العالمي، بعدما تأكد الجميع أن التجارة العالمية تُدار اليوم وفقاً لصفقات زعماء ووعود الشراء والمقايضات بين الطائرات والزراعة والطاقة وتايوان وإيران. هذا يضع الاستثمار العالمي رهينة للمزاج السياسي.

بواسطة
مهى كنج
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى