أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

المدارس مراكز نزوح: طقوس خاصة للأطفال في «منزلنا» (الأخبار 16 أيار)

تنكسر هيبة المدرسة كصرح تعليمي في نظر الأطفال النازحين إليها، وتغدو أقرب إلى مسكن، يتقاسمونه مع أفراد العائلة الممتدّة، أو أبناء القرية، أو غرباء لا تجمعهم بهم سوى ويلات الحرب وواقع النزوح. هكذا تؤشّر قمر، الطفلة النازحة من الضاحية الجنوبية، إلى غرفة نزوحها في مدرسة «الجيل الجديد» الرسمية في النويري، وتسمّيها «بيتنا»، الذي تلجأ إليه كلما أحسّت بالحاجة إلى الهدوء. وللتسلية، تزور قمر «بيت الجيران» برفقة والدتها، وتقصد النازحين في الغرفة المجاورة لغرفتها في «الصف الثالث».

في النزوح، الأطفال داخل مبنى المدرسة ليسوا طلاباً. يتجوّلون، بلا زي مدرسي، ليلَ نهارَ بين الغرف وفي الطوابق بسلاسة، وينزلون إلى الملعب متى شاؤوا، من دون أن تلاحقهم الناظرة. يستخدمون المراحيض للاستحمام، ولا يربطون رقم الغرفة بأبناء الصف الواحد، وإنما بأبناء العائلة الواحدة.

ويتداخل مشهد الإيواء بصورة سوريالية مع معالم الدراسة، فبينما الألواح ما زالت مُعلّقة على الحائط، ونشاطات التلامذة ولائحة المتفوّقين كذلك، أُلصقت منشورات الصليب الأحمر للحفاظ على النظافة العامة والشخصية في فترة النزوح. كما وُضعت المقاعد جانباً، وفُرِشت الفرش على الأرض، وانتشرت أمتعة النازحين في الأرجاء، وعُلّق غسيلهم على النوافذ أو على مناشر استُحدثت في الملاعب.

مباراة كرة القدم
يوماً بعد يوم يتراجع ثقل النزوح مع تراجع الصدمة، فتخلق العائلات النازحة روتينها الخاص، ويكاد الأطفال يكونون أكثر قدرة على التعايش، حتى صارت لهم طقوس خاصة بالنزوح. مثلاً، يجتمع الصبيان من أعمار متقاربة في ملعب مدرسة «الجيل الجديد»، بانتظار حلول الساعة الواحدة بعد الظهر، حيث تبدأ مبارة كرة القدم، وفق تعليمات المسؤولة عن المركز التي تسمح للأطفال بساعة لعب واحدة يومياً. وبين الجموع، يستوقفك عصام، طفل قصير القامة، نحيل الجسم، ذو بشرة سمراء وشعر أسود ناعم، وهو يحمل الكرة بيد، و«يشبّر» بالثانية للأولاد. ورغم أنه الأصغر سناً بينهم لكنه، كرجل جنوبي في هيئة طفل، يوزّع الأدوار والمراكز على الفريق، بصوت عالٍ ولهجة جنوبية مُحتدّة.

يشكو الأطفال في مراكز الإيواء من عدم حرية الحركة، وتوقيت النوم، واختيار الطعام الذي يشتهونه

وتجد الطفلات وسائل أخرى للتسلية، إحداهن تقضي أغلب وقتها في غرفتها بين الألعاب الإلكترونية والتواصل مع صديقاتها، بعدما وفّرت العائلة خدمة «الواي فاي». بينما تساعد ألما، التي جاءت من المخيم الفلسطيني في صور، والدتها في بعض الأعمال وتلاعب أختها الصغرى، و«عندما أكون حزينة أجلس وحدي وأصفن»، كما تقول.

أقوى المشاعر: الشوق
ويشارك أغلب الأطفال بالنشاطات التي تنظّمها الجميعات، من بينها الهيئة الصحية الإسلامية، من أجل التسلية والدعم النفسي. عصام الذي جاء من الأوزاعي يزيد في عمره ليشارك في هذه النشاطات. ورداً عن سؤالنا حول عمره، يجيبنا بصوت خافت: «عمري سبع سنوات، لكن ضعي لي ثماني سنوات». في إحدى جلسات التفريغ النفسي التي حضرتها «الأخبار» كانت المتخصّصة النفسية في الهيئة الصحية، تساعد الأطفال في إخراج المشاعر السلبية عن طريق رمي الطابة عشوائياً، وتوجيه الأسئلة ذات الصلة لمن يلتقطها. وظهرت مشاعر مختلفة بين العصبية والخوف والحزن والشعور بقرب الأجل، ومنهم من تحدّث بشكل متناقض عن سعادته.

وكثيرا ما عبّر الأطفال ببراءة عن شوقهم، إلى الأب، أو الأخ، أو أحد الأقارب والأصحاب الذين نزحوا إلى مكان بعيد عنهم. يشتاق قيس، مثلاً، إلى أصدقائه في المدرسة وإلى بلده سوريا، رغم أنه في لبنان منذ زمن طويل قبل الحرب، لكن، «عندما بدأت الحرب، وخرجت من منزلي شعرت برغبة قوية بزيارة بلدي». وتشتاق سارة إلى أصحابها في المدرسة، و«ليس إلى المدرسة نفسها»، تصوّب ضاحكة.
والجميع أجمعوا على شوقهم إلى منازلهم، كفتاة صغيرة أشارت إلى أنه «لا ينقصني شيء هنا، لكنني أشتاق إلى البيت، فهناك أرتاح أكثر». ولا سيما أبناء الجنوب، الذين غادروا منزلاً مستقلاً في كنف الطبيعة مع حديقة مجاورة، ووجدوا أنفسهم داخل زحمة المدينة، بل حبيسي جدران المدرسة، يُفرض عليهم نظام حياة، يشبه إلى حدّ بعيد النظام المدرسي، وضعه المسؤولون عن المركز أو اتفقت عليه العائلات لإدارة السكن المشترك.

نظام للحركة والنوم والأكل
فمن جهة، تُقفل بوابة المدرسة للحفاظ على أمن العائلات، فيشعر الأطفال بقيود على حركتهم. ومن جهة ثانية، يُطلب منهم التوجه إلى الغرف عند الساعة التاسعة مساء، للنوم، وإفساحاً للمجال لالتقاء الكبار في ساحة المدرسة. غير أن الاستيقاظ من النوم «ليس على خاطرنا أيضاً»، كما يشكو علي، الذي يضطر إلى النهوض عند السابعة والنصف صباحاً عندما يبدأ الضجيج في الطابق. بالإضافة إلى عدم حرية الأطفال في اختيار الطعام الذي يشتهونه، والقبول بالوجبات التي تصلحهم، بينما يجد باسل مثلاً أنّ «أكل الماما أطيب بكتير»، ويذهب أحياناً إلى الدكان ليشتري السكاكر والسندويش لكن، «حسب قدرتنا»، كما يلفت.

ورغم تعليقاتهم على بعض التفاصيل في حياة النزوح، إلا أنها لا تستوقفهم، فالمهم بالنسبة إليهم «أننا وجدنا غرفة بعد أسبوع من خروجنا من منزلنا والتشرّد في الطرقات»، كما يلفت علي النازح من تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية. وكما يدركون جيداً واقع النزوح، يعي الأطفال، رغم نعومة أظْفارهم، سبب وجودهم هنا، فيعرفون جيداً أن إسرائيل هي من هجّرتهم، وأنّ هناك في الجبهة مقاومين سيعيدونهم إلى ديارهم، ولو بعد حين.

 

بواسطة
زينب حمود
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى