خاص – في ظل تراجعه المتواصل .. مجموعة نقاط إيجابيه تصبّ في صالح احتياطي المركزي (2)

أثار تراجع احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية خلال الشهرين الماضيين موجة من القلق في الأوساط الاقتصادية والمالية، لا سيما أنّ هذا التراجع يأتي في ظل استمرار تداعيات الحرب والضغوط الأمنية والاقتصادية التي يعيشها لبنان. كما أنّه، مع كل انخفاض في الاحتياطي، تتزايد المخاوف من انعكاسات ذلك على الاستقرار النقدي، وقدرة المصرف المركزي على الاستمرار في ضبط سوق القطع وتمويل التزاماته الأساسية، وسط تراجع التدفقات المالية وتباطؤ الحركة الاقتصادية والسياحية.
ويقرأ موقع Leb Economy تطورات الاحتياطي، ويستعرض أسبابها وسبل تعزيزها مع كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس، نسيب غبريل، وذلك في مقالين منفصلين، ُنشر الأول يوم الجمعة الماضي تحت عنوان: “تراجع احتياطي مصرف لبنان.. كيف نقرأه؟ وما أسبابه؟” https://lebeconomy.com/503309/، ويُنشر الثاني اليوم تحت عنوان: ” في ظل تراجعه المتواصل .. مجموعة نقاط إيجابيه تصبّ في صالح احتياطي المركزي (2)”.
إدارة الكتلة النقدية وضبط حجمها
أشار كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس نسيب غبريل إلى أنّه يجب أخذ واقع المالية العامة والنفقات العامة بعين الاعتبار عند مراقبة مسار احتياطي مصرف لبنان، لأنّ النفقات العامة المفرطة قد تؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية في السوق، ما يرفع الطلب على الدولار، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تراجع احتياطي مصرف لبنان.
وأشار إلى أنّ المالية العامة حققت فائضاً في عام 2024 بلغ 5.4% من الناتج المحلي، كما حققت فائضاً في عام 2025 بلغ 3.3% من الناتج المحلي، ما يعني أنّ الفائض الإجمالي يقارب ملياري دولار تقريباً.
ولفت غبريل إلى أنّ موازنة 2026، التي ستتغير أرقامها بطبيعة الحال بسبب الحرب، كان هدفها ألّا يكون هناك عجز، بحيث تتساوى الإيرادات مع النفقات.

وأضاف أنّه منذ نحو سنة، يعمل مصرف لبنان على إدارة الكتلة النقدية بالليرة بشكل صارم، وقد ضبط حجم هذه الكتلة التي بلغت 62 ألفاً و300 مليار ليرة في نهاية نيسان، ما شكّل تراجعاً بنسبة 22%.
وأوضح أنّ سبب ضبط الكتلة النقدية بالليرة هو التنسيق والتواصل الدائم بين السلطتين النقدية والتنفيذية، أي بين مصرف لبنان ووزارة المال تحديداً.
وقال غبريل إنّ المهم اليوم هو إدارة الكتلة النقدية وضبط حجمها، وعدم خضوع وزارة المال للضغوط السياسية والشعبوية لزيادة النفقات بشكل مفرط ومفاجئ، ما يؤدي إلى انفلاش الكتلة النقدية وبالتالي ارتفاع الطلب على الدولار، الذي يؤدي بدوره إلى انخفاض احتياطي مصرف لبنان.
الحاكم لن يفرّط بالإحتياطي
وأشار غبريل إلى أنّ هناك نقطة إضافية تصبّ في صالح احتياطي مصرف لبنان، وهي أنّ الحاكم كريم سعيد، ومنذ اليوم الأول لتسلّمه الحاكمية، وفي خطاب تسلمه السلطة في مصرف لبنان، حدّد أنّ إحدى أولويات المصرف المركزي هي الحفاظ على أموال المودعين وردّها تدريجياً ضمن الإمكانيات المتاحة.
وأضاف أنّ مصرف لبنان والمجلس المركزي والحاكم يعلمون أنّ معظم الاحتياطي لدى المصرف، أي الـ11 ملياراً و400 مليون دولار، هو احتياطي إلزامي يأتي من أموال المودعين، ولذلك لن يفرّط مصرف لبنان بهذه الأموال إذا حصل ضغط لزيادة النفقات العامة، ومن هنا تأتي أهمية التنسيق والتواصل بين مصرف لبنان ووزارة المالية.
مصادر القطاع الخاص لتمويل فاتورة الاستيراد
وتطرق غبريل الى حجم الاستيراد، وقال إنّ فاتورة الاستيراد في عام 2025 بلغت 21 مليار دولار، وهي أعلى فاتورة استيراد في تاريخ لبنان، متسائلاً: كيف مُوّلت هذه الفاتورة من قبل الشركات المستوردة إلى لبنان؟
وشدد على أنّ ذلك لم يحصل بالتأكيد من خلال القطاع المصرفي اللبناني، بل إنّ لدى القطاع الخاص اللبناني مصادر لتمويل فاتورة الاستيراد، سواء من النقد الموضوع في المصارف في الخارج أو من خلال القروض التي يحصلون عليها من مصارف عربية وأجنبية، بمعنى آخرلم تعتمد الشركات اللبنانية على احتياطي مصرف لبنان لتمويل فاتورة الاستيراد الضخمة.
تمويل سريع من المؤسسات الدولية
كما لفت غبريل ما طلبه الوفد اللبناني الذي شارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، حيث جرت محاولة لطلب تمويل سريع بعدما أعلن صندوق النقد عن 30 مليار دولار لدعم البلدان المتضررة من الحرب القائمة في الشرق الأوسط، كما أعلن البنك الدولي عن حزمة تقارب 25 مليار دولار.
وأشار إلى أنّ الوفد اللبناني حاول طلب تمويل سريع من هذه الأموال المخصصة، لكن لم تتم الاستجابة بسبب موضوع استدامة الدين العام المرتبط بتعثّر تسديد سندات اليوروبوندز في آذار 2020، إذ حتى اليوم لم تبدأ المفاوضات مع حملة سندات اليوروبوندز، ولم يتم التوصل إلى حل معهم لإعادة هيكلة السندات وتحقيق استدامة الدين العام.
واذ شدد غبريل على أنّ لبنان لا يزال يرزح تحت ضغوط الحرب ويدفع ثمن القرار الخاطئ بالتعثر عن تسديد سندات اليوروبوندز في آذار 2020، والمماطلة وعدم إيجاد حل لهذا الملف حتى اليوم، كشف عن أنّ حاكم مصرف لبنان نشر مقالة في صحيفة “فاينانشال تايمزط مطلع الأسبوع الماضي، يشرح فيها الوضع في لبنان، حيث اشار إلى أنّ أصدقاء لبنان والمجتمع الدولي والدول والمؤسسات الدولية يقدّمون مساعدات تقنية ونصائح مالية واقتصادية، ولديهم نية لدعم لبنان، لكنهم يقولون للبنان: قوموا بالإصلاحات أولاً ثم تأتي المساعدات المالية والاستثمارات. وقال الحاكم في المقالة إنّ هذا الأمر يحصل في الظروف الطبيعية، لكن لبنان ليس في ظرف طبيعي، وإذا بقي من دون مساعدة مالية حالياً، فحتى الإصلاحات سيكون من الصعب تطبيقها، كما أنّ إمكانيات تطبيقها من قبل المؤسسات العامة ستكون صعبة أيضاً.
ووفقاً لغبريل “إذا استجابت المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، قد يمُر هذا التمويل عبر مصرف لبنان، بغض النظر عن حجمه، ما ينعكس دعماً لاحتياطي المصرف المركزي”، معتبراً أنّ هذا احتمال لا يزال غير واضح المعالم.
وأشار إلى أنّ الجواب الرسمي في واشنطن كان أنّ لبنان لا يتأهل لهذا التمويل السريع، لكن إذا نجحت السلطات اللبنانية في إقناع المؤسسات الدولية بمنح هذا التمويل بسبب وضع لبنان كونه البلد الأكثر تأثراً بالحرب الدائرة في المنطقة، فإنّ ذلك سيساعد في دعم الاحتياطي.
لا مبررات للخوف
وأكد غبريل أنّه لا يوجد أي مبرر لتخويف الناس من أنّ احتياطي مصرف لبنان وصل إلى مستويات مخيفة أو أنّه تراجع بشكل كبير، مشيراً إلى أنّ الأرقام تُظهر تراجعاً بقيمة 446.3 مليون دولار خلال الشهرين الأخيرين، من ضمنها تسجيل ارتفاع بقيمة 143 مليون دولار في الأسبوعين الأولين من نيسان.
وقال: لننتظر أولاً التطورات الإقليمية، وثانياً ميزانيات مصرف لبنان التي تصدر أسبوعياً، لنرى كيف سيكون منحى الاحتياطي، من دون تكهنات أو تهويل أو نظريات غير مبنية على الأرقام والوقائع.
ولفت إلى أنّه إذا جرى إيقاف الحرب الإقليمية بشكل نهائي ومستدام في المنطقة ولبنان، فسنشهد بلا شك انعكاساً على سوق القطع، كما حصل تماماً في نهاية تشرين الثاني وكانون الأول عام 2024، حيث حصل عرض كبير للدولار في السوق مقابل طلب كبير على الليرة اللبنانية.
واضاف: “اذا تحقق سيناريو وقف إطلاق النار في المنطقة ولبنان، يجب أن يستمر التنسيق والتعاون بين مصرف لبنان ووزارة المالية، كما يجب الاستمرار بضبط النفقات العامة واعتماد الحكومة على إيراداتها الذاتية، لأنها غير قادرة على الاستدانة من أي مصدر محلي أو خارجي قبل إعادة هيكلة سندات اليوروبوند”.
وشدد غبريل على أنه “يجب الاستمرار بضبط النفقات ومحاولة تحقيق فائض في المالية العامة، والأهم الاستمرار بضبط الكتلة النقدية وإدارتها بشكل سليم، تماماً كما يفعل مصرف لبنان”.
ورأى أنه “في حال استمرار الحرب في المنطقة ولبنان، وهذا للأسف احتمال قائم، يجب انتظار البيانات الصادرة عن مصرف لبنان لمراقبة كيفية تحرك هذه الاحتياطات، وعدم استباق الأمور أو نشر أرقام غير دقيقة أو شائعات غير مبنية على وقائع أو معطيات صحيحة”.
ولفت إلى أن «أهم ما في الامر هو أن الإجراءات التقنية التي يقوم بها المصرف المركزي ووزارة المالية لا يجب أن تحصل في فراغ، بل يجب أن يكون لها إطار مساعد ومناخ داعم، أي استقرار أمني وسياسي وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، كما يجب أن تكون هناك ثقة كاملة بحيث يتم حصر السلاح بيد الدولة بحيث تحتكر قرار الحرب والسلم”.
وقال غبريل: “هذه الإجراءات تؤدي إلى صدمة إيجابية واستعادة الثقة والاستقرار، وبالتالي إلى تدفق رؤوس الأموال. ولا بد ان تتزامن هذه الإجراءات مع خطوات مرتبطة بالحوكمة والإدارة الرشيدة، واحترام مبدأ فصل السلطات، واحترام المهل الدستورية، ودعم استقلالية القضاء، ومكافحة اقتصاد الظل، وإزالة اسم لبنان عن اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وكذلك عن لائحة الاتحاد الأوروبي للبلدان مرتفعة المخاطر”.



