أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

النقابات في لبنان: كيف تبدَّل الدور من قوّة ضغط إلى واقع متشظٍّ؟( النهار ٢٩ نيسان)

هل ما تزال النقابات في لبنان تُعبّر عن نبض الشارع العمالي، أم أنها تأثرت بالتوازنات السياسية التي تحكم الحياة العامة؟ سؤال يفرض نفسه في بلدٍ تقوم بنيته على المحاصصة، وقد انعكس ذلك، على الحركة النقابية التي انتقلت تدريجيا من موقع المواجهة إلى موقع أكثر تداخلا مع الواقع السياسي.

أما الاتحاد العمالي العام فيبدو متأثرا كسواه من المؤسسات، بهذه التوازنات، ما يطرح تحديات أمام دوره التمثيلي. فبين السعي إلى المحافظة على موقع جامع لمختلف المكونات، ومحاولة الدفاع عن الحقوق الاجتماعية، يجد نفسه أمام معادلة دقيقة، حيث تتداخل الاعتبارات النقابية مع الحسابات السياسية، وتضبط التحركات أحيانا وفق هذا التوازن.

يشير الواقع الميداني إلى وجود فجوة بين النقابات وقاعدتها، إذ لا تمثل سوى نسبة محدودة من القوى العاملة، في ظل تضخم ملحوظ في عدد الاتحادات والنقابات، لا يعكس دائما حاجة تنظيمية فعلية بقدر ما يعكس واقعا مفروضا من السلطة. كما يساهم الإطار القانوني القائم، الذي يمنح السلطة دورا في الترخيص والتنظيم، في الحد من استقلالية العمل النقابي، ويجعل تطويره أكثر تعقيدا.

دور الوصاية السورية في تفتيت النقابات؟

هذا الواقع لم يكن دائما على حاله. يستعيد النقابي أديب أبو حبيب مرحلة مفصلية من تاريخ العمل النقابي، حين كانت النقابات قادرة على تجاوز الانقسامات السياسية والطائفية. ففي عام 1987، خرج نحو 300 ألف متظاهر من العمال من مختلف المناطق، والتقوا عند المتحف، في مشهد رمزي أسقط الحواجز بين “الشرقية” و”الغربية”، رافعين شعارات وطنية واجتماعية جامعة، من وقف الحرب إلى بسط سلطة الدولة ومنح العمال حقوقهم. كانت تلك اللحظة تعبيرا صريحا عن قوة الحركة النقابية وقدرتها على تمثيل الشارع.

لكن هذا المسار، بحسب أبو حبيب، تعرض لانقلاب تدريجي بعد اتفاق الطائف، مع فرض وزير العمل السابق عبدالله الامين (بتوجيه من الوصاية السورية)، تعديلات بنيوية على الهيكلية النقابية سمحت بتوسيع عدد الاتحادات والنقابات بشكل غير طبيعي. فبعد أن كان عددها 22 اتحادا و225 نقابة، ارتفع إلى 67 اتحادا و675 نقابة، في تضخم لا يعكس نموا حقيقيا بقدر ما يعكس تفتيتا مقصودا. الأخطر، وفق ما يقول، هو “إنشاء نقابات على أساس الولاءات السياسية والطائفية، ما أفقدها وظيفتها الأصلية وحولها إلى أدوات نفوذ”.

ويذهب النقابي أبو حبيب إلى تحميل جزء أساسي من مسؤولية تفتيت الحركة النقابية للتدخلات السياسية الخارجية، ولا سيما الوصاية السورية في تلك المرحلة. ويستعيد في هذا السياق حادثة يراها مفصلية، حين زار وفد نقابي لبناني دمشق برئاسة أنطوان بشارة، حيث كان من المفترض عقد لقاء مع النقابات السورية. إلا أن اللقاء تحول، وفق روايته، إلى رسالة سياسية واضحة، إذ أبلغهم نائب الرئيس السوري آنذاك عبد الحليم خدام بأن السلطات السورية تعارض الإضرابات والتظاهرات لأنها “تهدد الأمن القومي”.

ويشير أبو حبيب إلى أن الرد الذي تلقاه الوفد كان صادما عندما قال أحد اعضائه حبيب زيدان أن “الرسالة وصلت”، فقال له خدام: “في حال اردنا توجيه رسالة فستكون “عبر الجيش”، ما يعكس، برأي ابو حبيب “توجها واضحا لتفتيت العمل النقابي ومنعه من التحول إلى قوة ضغط مستقلة”. ويخلص إلى أن “هذه المقاربة، إلى جانب سياسات داخلية لاحقة، ساهمت في إضعاف الحركة النقابية وتفتيتها، وصولا إلى واقعها الحالي الذي يتسم بالتشظي وفقدان التأثير”.

هل يُمثّل الاتحاد العمالي اللبنانيين؟

في المقابل، يقدم رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر قراءة مختلفة، إذ يؤكد أن الاتحاد لا يزال الإطار الأكثر تمثيلا وجمعا للبنانيين، ويضم مختلف التيارات السياسية. ويرى أن هذا التنوع، رغم ما يفرضه من تحديات، يشكل عنصر قوة إذا ما أحسن إدارته.

ويعتبر أن الاتحاد العمالي “لا يزال الهيئة الأكثر تمثيلا وجمعا للبنانيين. فرغم كل التحديات، يضم الاتحاد مختلف القوى والتيارات. ونبذل جهدا للمحافظة على وحدة هذا الاتحاد، كي لا يتفرق”.

ولا ينفي ابو حبيب أثر الأحزاب والسياسيين على الحركة النقابية “لكننا نسعى جاهدين لتحييد العمل النقابي عن الصراعات السياسية. وقد نجحنا في بعض المحطات، مثل إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، رغم وجود اعتراضات من بعض القوى السياسية.”

في المحصلة يبدو واضحا أن الحركة النقابية في لبنان تواجه أزمة ثقة حقيقية، حيث ابتعد العمال عنها بعدما فقدوا الإحساس بقدرتها على تمثيلهم. وهذا ما يفسر التراجع الكبير في المشاركة في التحركات، مقارنة بمراحل سابقة كانت فيها النقابات قادرة على حشد عشرات الآلاف.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى