أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

مستوردات الذهب بلا ضرائب… ولبنان ببحث عن موارد من استهلاك البنزين!( النهار ٢٠ نيسان)

بعد خسارتهم ودائعهم ومدخراتهم وملاذهم المصرفي الآمن، وجد اللبنانيون في الأعوام الأخيرة ضالتهم في المعدن الأصفر الذي عرفوه وخبروه على مدى عقود، احتياطاً سيادياً موثوقاً محلياً ودولياً، ومصدر قوة دائماً لليرة، وركنًا أساسياً في موجودات مصرف لبنان والبناء المصرفي والمالي للبلاد.

وبينما تتجه الدولة، تحت ضغط تراجع الإيرادات بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان، ومتطلبات الإصلاح المرتبطة بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي، إلى توسيع قاعدتها الضريبية عبر رفع الضرائب غير المباشرة، تبرز مفارقة مالية وضريبية تشوب حركة استيراد الذهب، تتمثل في أن مستوردات الذهب إلى لبنان لا تخضع للضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد، وفق المرسوم 7338 الذي يحدد دقائق تطبيق أحكام القانون رقم 379 (الضريبة على القيمة المضافة) المتعلق بفرض الضريبة على عمليات تسليم المجوهرات.

وفي وقت أحال بعض المعنيين هذا الإعفاء إلى رغبة المشرّعين في دعم قطاع تصنيع المجوهرات وتعزيز الصادرات، استغرب آخرون أن تُفرض رسوم جديدة على البنزين تعادل 20%، وأن ترفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%، بما يفاقم الأعباء الاجتماعية والسياسية، فيما يمكن، برأيهم، إخضاع الذهب والمسبوكات الثمينة للضريبة على القيمة المضافة ورفد الخزينة بمئات ملايين الدولارات.استورد لبنان في الأعوام العشر الأخيرة، وفق إحصاءات الجمارك نحو 12.759 مليار دولار، كان يمكن إستيفاء نحو 1.4 مليار عنها، لمصلحة الخزينة، لو تم إخضاعها لـTVA، بينها 366 مليون دولار عن العام 2025 فقط، و246 مليون دولار عن العام 2024، و231 مليون دولار عن العام 2023، و114 مليون دولار عن العام 2022، و73 مليون دولار عن العام 2021.

وفيما يتضح عالمياً ومحلياً أن النمو في أسواق الذهب يتقدم، وقد يصل إلى مستويات قياسية، تجد الدولة في هذا القطاع ضالتها من العائدات الجديدة، فيما لو أخضعته للضريبة على القيمة المضافة. إذ وفق خبراء ومتابعين لحركة أسواق الذهب يمكن أن تحصّل الدولة نحو 400 مليون دولار تعادل بمفردها 50 % من قيمة الزيادة البالغة 800 مليون دولار، شريطة الاكتفاء برفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12 % فقط.

وعن الاعتراضات القطاعية التي يمكن أن تبرز بحجة “زيادة الكلفة على التصنيع”، أكد خبراء في القطاع أن غالبية المستوردات إما عبرت لبنان الى سوريا والعراق، أو لا تزال في خزائن وأدراج اللبنانيين، وأن مجموع الصادرات اللبنانية من المصاغ المشغول بلغت خلال 10 سنوات 217 مليون دولار فقط، في مقابل 5.621.494 مليون دولار من صادرات السبائك.

مدير عام وزارة المال جورج معراوي أكد لـ”النهار” أن فرض رسوم على الذهب ممكن من حيث المبدأ، كما هو الحال بالنسبة إلى النحاس والألمنيوم وسائر المعادن، غير أن للذهب مقاربة خاصة. فالذهب الخام يعامل عالمياً كأصل نقدي، ويفرق بينه وبين الذهب المصوغ. المشغول، أي المجوهرات، يخضع للضريبة عند بيعه في محال الصياغة، بينما السبائك لا تفرض عليها الضريبة حالياً. وإذا تقرر إخضاعها، فإن الأمر يتطلب تعديلاً قانونياً واضحاً. أما الذهب المصوغ المستورد، فمن المفترض أن يخضع للرسوم الجمركية عند الاستيراد، إلا في حال دخوله تهريباً”.

آلية إعادة إدخال المصوغات من الخارج تخضع بدورها لإجراءات قانونية. فالصاغة الذين يشاركون في معارض خارج البلاد يصرحون عن بضائعهم رسمياً، وينظمون معاملات تصدير أصولية، وعند إعادة إدخالها تعفى من الرسوم باعتبارها بضائع معاداً إدخالها، بينما تستوفى الرسوم على ما لم يعد منها”، وفق معراوي.

على الصعيد الدولي، تختلف السياسات بين دولة وأخرى، إذ ثمة دول تفرض ضريبة على استيراد الذهب، وأخرى تعفيه، لا سيما الذهب الخام والسبائك، بالنظر إلى اعتباره أداة ادخار وتحوط. الاتجاه الغالب تاريخياً كان يميل إلى الإعفاء، وإن كانت بعض النقاشات العالمية بدأت تطرح مراجعات محتملة في هذا المجال.

الخبير الاقتصادي زياد ناصر الدين يلفت إلى أن “الارتفاع الكبير في استيراد الذهب خلال الأعوام الماضية لم يقتصر على السبائك، بل شمل مواد أولية تدخل في التصنيع. هذه المواد لا تخضع عادة للضريبة لأنها موجهة إلى عملية إنتاجية، وعند تصنيعها وبيعها كمصوغات تفرض الرسوم، ما يعني أن الذهب المصنع في لبنان يخضع فعلياً للضريبة في مرحلته النهائية”.

أما السبائك، فتعد وسيلة تحوّط وادخار، بما يعني أن التعامل معها كسلعة استهلاكية بحتة يطرح إشكالية مفاهيمية، إذ أصبح الذهب يعامل عملياً كعملة. وإذا فرضت ضريبة على الذهب بوصفه أداة تحوط، يبرز سؤال منطقي حول إمكان إخضاع العملات الأجنبية للمنطق نفسه. الذهب بات ملاذاً آمناً لفئات واسعة، لا تقتصر على الميسورين، بل تشمل أيضاً شرائح صغيرة ومتوسطة تسعى إلى حماية قدرتها الشرائية عبر تجميع مدخراتها تدريجياً.

ويعتبر ناصر الدين أن “أي توجه لفرض ضريبة قد تصل إلى 12% مثلاً، سيجعل أسعار الذهب في لبنان أعلى من مثيلاتها في الدول المجاورة، بما يعزز احتمالات التهريب أو الشراء من الخارج، ويؤدي إلى تراجع النشاط المحلي. كما أن الإيرادات المتوقعة، حتى في أفضل السيناريوات، قد لا تكون كافية لمعالجة اختلالات مالية كبيرة كأزمة سلسلة الرتب والرواتب، ما يطرح علامات استفهام حول جدوى الإجراء مقارنة بكلفته الاقتصادية والاجتماعية”.

المقاربة الضريبية الرشيدة برأي ناصر الدين “تقتضي نظرة شاملة تأخذ في الاعتبار تأثير أي رسم جديد على الادخار، والقدرة الشرائية، وعدد العاملين في القطاع، ودور لبنان المحتمل كمركز إقليمي لتجارة الذهب.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى