حرب إيران تشعل فتيل أزمة غذاء عالمية

لم تعد الحرب الدائرة حول إيران شأناً جيوسياسياً أو نفطياً فحسب، بل باتت تهديداً مباشراً للأمن الغذائي العالمي، مع مؤشرات متزايدة على موجة جوع ومجاعة قد تطال ملايين البشر، خصوصاً في الدول الأكثر هشاشة، بحسب تقرير تحليلي مطول لصحيفة “فاينانشال تايمز”.
آثار الصراع لا تتوقف عند أسعار الطاقة، بل تمتد عميقاً داخل منظومة إنتاج الغذاء، من الأسمدة والكيماويات، إلى الممرات اللوجستية والتمويل، في عالم أعادت “الثورة الخضراء” ربط غذائه بالوقود الأحفوري منذ عقود.
منذ خمسينيات القرن الماضي، أحدثت الثورة الخضراء تحولاً جذرياً في إنتاج الغذاء، مع إدخال بذور عالية الإنتاجية، واستخدام واسع للأسمدة الصناعية والمبيدات والري المكثف. وقد أسهم ذلك في مضاعفة إنتاج محاصيل أساسية مثل القمح والأرز، لا سيما في الهند وآسيا وأميركا اللاتينية.
غير أن هذا التقدم الزراعي حمل في طياته كلفة باهظة، أبرزها تحويل الزراعة إلى نشاط شديد الاعتماد على الطاقة. فالأصناف الجديدة لم تعد قادرة على تحقيق إنتاجيتها إلا عبر استخدام مكثف للأسمدة النيتروجينية المشتقة أساساً من الغاز الطبيعي، ما جعل الغذاء العالمي رهينة لتقلبات أسواق النفط والغاز.
ومع تصاعد أسعار الطاقة بسبب الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وتوقف جزء مؤثر من تجارة الأسمدة، بات هذا الارتباط مصدر خطر مباشر يهدد الغذاء في عشرات الدول.
صدمة الأسعار.. مؤشرات مبكرة لأزمة ممتدة
تعكس بيانات المؤسسات الدولية عمق الترابط بين الطاقة والغذاء. ففي مارس، قفز مؤشر أسعار الطاقة لدى البنك الدولي بنسبة 41.6%، مدفوعاً بارتفاع حاد في أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي وخام برنت. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الأسمدة بأكثر من 26%، بينما حذرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) من متوسط ارتفاع قد يتراوح بين 15 و20% خلال النصف الأول من 2026 إذا استمر الصراع.
ورغم مقارنات الأزمة الحالية بصدمات الغذاء في 2007–2008 و2022، فإن اللحظة الراهنة تختلف جوهرياً بسبب الدور المركزي الذي باتت تلعبه دول الخليج في منظومة الغذاء العالمية.
الخليج.. من النفط إلى صلب النظام الغذائي
لم تعد دول الخليج مجرد مصدري نفط وغاز، بل أصبحت لاعباً محورياً في إنتاج الغذاء عالمياً. فالأمونيا، المادة الأساسية لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، تأتي نحو 30% من صادراتها العالمية من الشرق الأوسط، فيما تعد السعودية ثاني أكبر مصدر عالمي، وعمان سادس أكبر مصدر في 2024.
وتكمن خطورة هذا الاعتماد في طبيعة الأسواق المستوردة. ففي عام واحد، وفرت السعودية وعمان وقطر أكثر من 75% من واردات الهند من الأمونيا، ونحو 30% من واردات المغرب، ما يجعل الأمن الغذائي في جنوب آسيا وشمال أفريقيا مرتبطاً مباشرة بتدفقات النيتروجين القادمة من الخليج.
ولا يقل الكبريت أهمية، إذ يمر نحو نصف تجارة الكبريت المنقولة بحراً عبر مضيق هرمز، وتنتجه شركات الطاقة الخليجية الكبرى. ويعتمد المغرب، صاحب أكبر صناعة فوسفات في العالم، على الخليج في نحو ثلاثة أرباع وارداته من الكبريت، ما يزيد حساسية سوق الغذاء العالمية لأي اضطراب في المنطقة.
من المواد الخام إلى السيطرة الصناعية
تحولت دول الخليج أيضاً إلى مركز لصناعة الأسمدة الجاهزة. فهي تسيطر على نحو 35% من تجارة اليوريا العالمية، مع تصدر السعودية قائمة المصدرين في 2024، تليها سلطنة عمان. كما تشكل الدول الواقعة أعلى مضيق هرمز قرابة 18% من تجارة أسمدة الفوسفات الأساسية (MAP وDAP).
وإلى جانب الإنتاج، باتت دول الخليج منخرطة بعمق في ملكية شركات الأسمدة في المنطقة. وتعد مصر مثالاً واضحاً، إذ تخضع حصة كبيرة من طاقتها التصديرية لشركة “فيرتغلوب”، التي تمتلك أدنوك الإماراتية حصة مسيطرة فيها، وتعد من أكبر مصدري اليوريا والأمونيا بحراً عالمياً.
الموانئ والممرات.. حيث يكتمل النفوذ
لا يكتمل الأمن الغذائي دون اللوجستيات. وهنا، تبرز الإمارات كلاعب عالمي، بعد تحولها إلى أحد أكبر مراكز إعادة التصدير في العالم. وزارة الزراعة الأميركية أشارت إلى أن مركزية الإمارات مكنتها من لعب دور رئيسي في تدفقات الغذاء إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
ويشكل ميناء “جبل علي” القلب النابض لهذه المنظومة، بوصفه أكبر ميناء صناعي من صنع الإنسان، مرتبطاً بأكثر من 150 ميناء عالمياً. ولا يقتصر دوره على التجارة، بل يمتد إلى الإغاثة الإنسانية والعمليات العسكرية، ما يمنحه ثقلاً جيوسياسياً فريداً في حركة الغذاء العالمية.
ضغوط الديون الخانقة على الجنوب العالمي
تتزامن هذه الصدمات مع أزمة ديون غير مسبوقة في الجنوب العالمي. فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يعزز التضخم، ويدفع أسعار الفائدة صعوداً، بينما يهرب رأس المال نحو الدولار. وبحسب “الأونكتاد”، دفعت الدول النامية فوائد قياسية بلغت 921 مليار دولار في 2024، فيما يعيش 3.4 مليار شخص في دول تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفق على الصحة أو التعليم.
تكشف هذه الأزمة الحاجة الملحة لفك ارتباط الغذاء بالهيدروكربونات، عبر نماذج زراعية أكثر استدامة، تشمل تنويع المحاصيل، وتحسين صحة التربة، واستخدام الأسمدة الطبيعية. فهذه البدائل لا تخفض الانبعاثات فقط، بل تقلل أيضاً التبعية لمدخلات تتأثر بالحروب وتقلبات الطاقة.
لكن الحلول طويلة الأجل لا تغني عن التحرك الفوري. فالمطلوب اليوم ليس فقط إنهاء الحرب، بل توفير مساعدات عاجلة، وإعفاءات غير مشروطة من الديون، وتمويل طارئ يضمن تدفق الغذاء. فالمجاعة وانعدام الأمن الغذائي ليسا سيناريوهات محتملة، بل نتائج متوقعة لصراع ينظر إليه عالمياً من زاوية النفط فقط، بينما تتكشف آثاره الحقيقية في بطون الفقراء.



