موازنة ٢٠٢١ اجتماعية متواضعة ولكن… ماذا عن مساهمة المصارف وكبار المودعين؟

كتبت سابين عويس في “النهار “:
“على أبواب عام يتصف بعدم اليقين، نتقدم بمشروع قانون الموازنة لسنة ٢٠٢١، عنوانها التضامن الاجتماعي، تحرص على الحفاظ على العدالة الاجتماعية وعدم وضع أعباء جديدة على الطبقات الضعيفة والهشّة، وعلى تأمين شبكة الأمان الاجتماعية والرعاية الصحية، تهدف إلى حماية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتحفيز النمو للحد من تفاقم أزمتَي البطالة والفقر، وترمي إلى ضبط المالية العامة وترشيد النفقات لِلَجْم ارتفاع العجز للناتج المحلي”. إلى هذه الفقرة المقتضبة خلصت فذلكة موازنة ٢٠٢١ التي رفعها وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني إلى رئاسة الحكومة قبل بضعة أيام، متمماً واجبه الدستوري في تقديم المشروع، ولو بعد انقضاء المهلة بسبب استقالة الحكومة.
هل هي الحكومة المستقيلة التي فرضت إعداد مشروع متواضع الطموحات والأهداف والرؤية، أو هو حجم الأزمة الكارثي المتعدد الأطراف الذي يصّعب تحديد الاولويات او الموازنة في ما بينها، أو هو غياب القرار السياسي والرؤية الموحدة للمقاربة المطلوبة في مواجهة الكارثة، أو هو الإدراك المسبق أن المشروع لن يحظى بفرصة إبصار النور في ظل حكومة تصريف أعمال يرفض رئيسها حتى الساعة الانصياع لمطلب فريق رئيس الجمهورية تجاوُز مفهوم التصريف الضيق، وعقد جلسة حكومية لدرس المشروع؟
هي هذه الأسباب مجتمعة، التي بمجرد النظر إليها، يمكن تبيّن عمق الأزمة وفداحتها وخطورتها في ظل الآفاق المسدودة لمعالجتها. وربما هو السبب الذي دفع المجلس النيابي إلى عدم توقع العجائب فاستغلّ فرصة انعقاده بهيئته التشريعية ليقرّ قانون الإنفاق على أساس القاعدة الإثني عشرية.
ما بين استقالة الحكومة وانفجار مرفأ بيروت وخروج وباء كورونا عن السيطرة، أعادت وزارة المال النظر بأولويات مشروعها في سياق السؤال: هل تكتفي بإعداد موازنة محاسبية فقط طالما أن الحكومة مستقيلة، وأي حكومة جديدة ستبادر إلى إعداد مشروع جديد يعكس برنامجها وتوجهاتها الاقتصادية والمالية والاستثمارية والاجتماعية، أو تتعامل مع الظروف القائمة بواقعية، فلا تذهب بعيداً بطموحاتها وتوقعاتها، بل تتعامل حصراً مع الجوانب التي ترى فيها أولوية على حساب جوانب لا تقل أهمية وخطورة، وإنما قرارها ليس في الواقع في يد هذه الحكومة أو هذه الوزارة؟
ما يعكسه مشروع القانون وفذلكته يؤكد أن وزارة المال قررت الإضاءة على الأزمة بكل تحدياتها واستحقاقاتها، واضعة إياها برسم المسؤولين والرأي العام، من دون أن تقدم رؤيتها أو مقاربتها للحلول. وارتأت أن تذهب في معالجاتها في اتجاهين اعتبرتهما أولوية: الوضع الاجتماعي والصحي، ووضع مؤسسات القطاع الخاص. من هنا لحظت زيادة في اعتمادات الاحتياطي بقيمة ٦٥٠ مليار ليرة خصصت منها ٢٠٠ مليار لمواجهة جائحة كورونا، و١٥٠ ملياراً للأسر المحتاجة و١٠٠ مليار لتعويض متضرري انفجار المرفأ و٣٠٠ مليار لتغطية فروقات أسعار الصرف.
وهذا ما يجعل منها موازنة اجتماعية تحفيزية للقطاع الخاص، كما يصفها الوزير وزني الذي يكشف أن الاعفاءات المقترحة تهدف إلى دعم المؤسسات الاقتصادية من أجل إعطائها الحوافز للخروج من أزمتها والتعافي. فلا ضرائب جديدة من شأنها كبح الاقتصاد بل حوافز وإعفاءات.
إلى التوصيف الاجتماعي للمشروع، يرفض وزني اعتبارها محاسبية، فهي إصلاحية أيضاً في بعض المكامن التي يمكن المسّ بها من دون أن يكون لها تأثير سلبي على المكلفين والمؤسسات في هذه الظروف. مثل زيادة تعرفة الكهرباء أو إجراءات إصلاحية تستهدف القطاع العام والنظام التقاعدي.
لم تلحظ الموازنة أي إجراءات ضريبية تطاول المكلفين، ولكنها وجدت مطارح تحقق لها الإيرادات الجديدة المطلوبة لتغطية العجز والموازنة مع النفقات العامة. فذهبت إلى المكان الذي لا يجد اعتراضاً شعبياً، وإنما مصرفياً بما انه يستهدف القطاع المصرفي.
ففي المادة ٣٦ يخضع المشروع فوائد وعائدات وإيرادات الحسابات الدائنة لدى المصارف بما فيها حسابات التوفير، وفوائد وعائدات الودائع لغير المقيمين وحسابات الائتمان وإدارة الاموال وشهادات الإيداع وسندات الدين وسندات الخزينة لضريبة ٣٠ في المئة على الجزء الذي يتجاوز ٣ في المئة للحسابات بالعملة الاجنبية و٥ في المئة للحسابات بالليرة.
اما المادة ٣٧ فذهبت إلى إجراء “هيركات” تحت عنوان التضامن الوطني، ففرضت ضريبة استثنائية لمرة واحدة على قيمة كل حساب دائن مفتوح لدى المصارف كما في ٣١/١٠/٢٠٢٠ بنسبة ١ في المئة على كل حساب تبلغ قيمته مليون دولار ولا تتجاوز ٢٠ مليوناً او ما يعادلها بالعملات الاجنبية الاخرى. و١،٥ في المئة عن القسم من الحساب الذي يزيد عن عشرين مليوناً ولا يتجاوز الخمسين مليوناً و٢ في المئة عن الحساب الذي يتجاوز الخمسين مليوناً. و١ في المئة للحسابات التي تبلغ قيمتها مليار وخمسمئة مليون ليرة ولا تتجاوز الثلاثين ملياراً و١،٥ في المئة لما يزيد عن ثلاثين ملياراً حتى ٧٥ ملياراً و٢ في المئة عن القسم من الحساب الذي يزيد عن ٧٥ ملياراً، على أن تقوم المصارف باقتطاع الضريبة وتأديتها للخزينة ضمن مهلة أقصاها شهران من تاريخ نشر القانون بذات عملة الحساب.
لم تناقش الوزارة هاتين المادتين مع المصارف التي ينتظر ألا تتلقفهما بارتياح. لكن وزير المال يبرر الضريبتين بأنهما يأتيان في إطار التضامن الوطني، سيما وأن المصارف توقفت منذ عام تقريباً عن دفع الفوائد على الحسابات المصرفية، فيما هي تحصّل ما يستحق لها من فوائد على توظيفاتها لدى مصرف لبنان وفي سندات الخزينة وشهادات الإيداع والتي تتراوح بين ٧ و٩ في المئة سنوياً. تجدر الاشارة هنا إلى أن مجموع الفوائد المحققة عام ٢٠١٩ بلغ ١٢ مليار دولار.
كانت هذه بعضاً من مكامن القوة التي يجهر بها وزير المال. ولكن ماذا عن مكامن الضعف؟



