عنايات الأطفال: لا أطباء ولا تجهيزات (الأخبار 22 آذار)

كتبت راجانا حمية في” الأخبار”:
في كلّ مرة يموت فيها طفل داخل مستشفى، يعود السؤال عن غرف العناية الفائقة المخصّصة للأطفال إلى الواجهة. اليوم، يوجد في 127 مستشفى خاصاً و32 مستشفى حكومياً، 72 سريراً للعناية الفائقة للأطفال تتركّز في غالبيتها في بيروت وجبل لبنان، وجزء كبير منها متوقّف عن العمل بسبب عدم القدرة على تأمين أقلّ الاحتياجات.
العناية في 11 مستشفى
بهذه الأرقام، يُصنّف القطاع الطبي ضمن خانة «ما تحت الأسوأ»، خصوصاً إذا ما كان الأسوأ يفترض بأن يكون هناك سرير أو سريران في كل مستشفى. هذا المعيار، على سوئه، غير متوفر حالياً في مستشفيات لبنان، حيث تتركز أسرّة العناية في أحد عشر مستشفى فقط، 5 منها مستشفيات جامعية تتوزّع ما بين بيروت وجبل لبنان (الجامعة الأميركية في بيروت وأوتيل ديو والروم ورفيق الحريري الجامعي والكرنتينا الحكومي) واثنان في البقاع (دار الأمل ومستشفى البقاع) واثنان في الجنوب (صيدا الحكومي وحمود الجامعي) وواحد في طرابلس (طرابلس الحكومي).
هذه القسمة غير عادلة طبياً، على ما يقول رئيس دائرة طب الأطفال في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، الدكتور عماد شكر، فعدا كون معظم الأسرّة محصورة في المركز، وهو ما يؤشر إلى سوء التوزيع، إلا أن ثمة جانباً آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالجهوزية في المناطق. عملياً، «هناك غرف موجودة في بعض المناطق، ولكن مين قادر يشتغل ويعطي؟»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «المستشفيات المهيأة فعلياً للحالات الطارئة والحادّة للأطفال لا تتعدى الأربعة مستشفيات، وهي غالباً موجودة في بيروت». بالنسبة إلى شكر، الأزمة تكمن في الإمكانات «إذ إن حالة الطفل سريعة التطوّر، وقد يتطلب الأمر التدخل خلال دقائق وإلا يحدث ما لا تُحمد عقباه”. خوف شكر من فوات الأوان نابع من واقع يعيشه منذ سنوات طويلة، حيث تواجه «غرف المناطق ضعفاً في التجهيز، كما في الكادر الطبي والتمريضي أكثر بكثير من هنا». يقول ذلك، وهو يُخرج من إحدى الغرف التي يشرف عليها في مستشفى الحريري الجامعي «طفلة من عكار».
أما في محافظة الشمال فلا خيار أمام المرضى سوى غرف مستشفى طرابلس الخمس أو بيروت. وهو ما ينسحب أيضاً على الجنوب، حيث تختصر أسرّة غرف العناية بالأطفال في مستشفيات أقرب إلى بيروت منها إلى الجنوب.
أزمة طواقم طبية
برغم تلك «السوداوية»، كما يصف مدير العناية الطبية في وزارة الصحة العامة، الدكتور جوزف حلو الواقع، إلا أن «الأزمة في العنايات الفائقة للأطفال ليست أزمة غرف بقدر ما هي أزمة طواقم طبية وتمريضية متخصّصة في مجال العناية الفائقة بالأطفال ومستلزمات طبية وأدوية». يضيف حلو: «من السهل بناء الجدران، أما الصعب فهو تأمين الأطباء والممرضين، وهم في الأصل أقلية إذ لم يكن يتعدى عددهم الـ15 طبيباً»، متخوّفاً في الوقت نفسه من الهجرة التي يمكن أن تكون الأزمة الأخيرة قد أحدثتها. وفي هذا السياق، يستبعد نقيب الأطباء في بيروت شرف أبو شرف، أن يكون الرقم على حاله «المؤكد أن العدد خفّ مع هجرة عدد لا بأس به منهم، وخصوصاً من يملكون الخبرة الأكبر في هذا المجال». ولذلك، يُجمع عدد من الأطباء، ومنهم أبو شرف، على أن يكون العدد اليوم ما بين 8 أو 10 أطباء. وهو ما يشكّك فيه البعض، مستندين إلى مجموعة من الأمثلة، منها أن «آخر طبيب مختص بالعناية بالأطفال في منطقة البقاع الشرقي هاجر قبل ستة أشهرٍ وحلّ مكانه اليوم في غرفة العناية في المستشفى طبيب مختص بالعناية بالخدج»، على ما يقول المدير العام لمستشفى دار الأمل الجامعي. في المقابل، يوجد طبيب واحد في مستشفى تعنايل في البقاع الأوسط وآخر في مستشفى رياق واثنان في الجنوب، على ما يؤكد حلو.
تحدّيات مضاعفة في المناطق
ثمّة عوامل كثيرة تسهم في نقص بالأطباء، منها عامل «الاستقطاب»، على ما يقول طبيب الأطفال في مستشفى الهرمل الحكومي، الدكتور عماد مخ. الأزمة في هذه المنطقة متشعّبة مادياً ومعنوياً. في الشق المادي، يتحدث مخ عن بدلاتٍ لا تشجّع الأطباء على الانخراط في ذلك القطاع، إن كان لناحية بدل المعاينة أو ما يسترده الطبيب من الجهات الضامنة والذي لم يعد يساوي شيئاً اليوم. ويسأل مخ «كيف لي أن أستقطب طبيباً مختصاً إلى الهرمل لقاء بدل معاينة 100 ألف قد يستردها بعد أشهر». ويضيف مخ إلى الحوافز المادية الغائبة، أيضاً تلك المعنوية التي لا ينالها الطبيب أيضاً، لناحية ما يتعرض له من عائلات المرضى ذاكراً على سبيل المثال أن طبيباً اختصاصياً في العناية التحق بأحد مستشفيات منطقة البقاع، ولم يصمد أكثر من عام «تعرّض خلالها للضرب مرتين ورُفعت عليه دعوى».
لكل هذه الأسباب، يخسر الأطفال في كثير من الأحيان معركتهم مع الحياة، خصوصاً عندما يصل «قطاع» العنايات الفائقة «لياكل من حالو»، يختم مخ. وهذه أزمة ليست حكراً اليوم على مستشفى دون آخر.



