خاص – المبادرات النسائية.. كِحْل الخير ولا عمى الفقر

كتبت هلا صغبيني:
لم تحُل الأزمة الإقتصادية والإجتماعية التي يمر بها لبنان، نساءه من أن يكون لهنّ بصمتهنّ الخاصة في خدمة المجتمع. بل على العكس. كانت فرصةً للكثير منهن لإظهار أنفسهن بأنهنّ قادرات على الوقوف في الصفوف الأمامية في وقت المحن والتصدي لهذه الأزمة الاستثنائية، انطلاقاً من قناعتهنّ بأنهنّ إذا لم يتدخلن فسيكون لما يواجهه اللبنانيون آثارٌ كارثية على المجتمع والأسرة وعلى طموح الشباب وأحلامهم بغد أفضل.
من هذا المنطلق، نشطت الساحات بمبادرات نسائية، الكثير منها انطلق قبل تفجر الأزمة الاقتصادية المركبة من حوالي العامين والتي تسببت بإفقار معظم اللبنانيين وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية في العيش بكرامة. فأثبتت نجاحها وكانت علامة فارقة في حياة النساء في هذه الأيام.
“جار ثريا” هي واحدة من مبادرات كثيرة ناجحة. هي عبارة عن منصة الكترونية انطلقت عام 2019 قبل اندلاع الازمة وروّجت لها الشابة مارتين زعرور المنخرطة في مشروع مع برنامج القادة الشباب والأمم المتحدة لتصبح من بين المبادرات المهمة الداعمة للنساء اللواتي يعشن في القرى الريفية والتي تستهدف الحفاظ على التراث المحلي من خلال الطعام.
كانت زعرور مصممة على تمكين النساء المحليات ومساعدتهن على الاستقلال مادياً. تنقلت بين القرى لتجد نساء موهوبات قادرات على تزويدها بالمنتجات التقليدية، فالتزمت بمساعدتهن في تسويق سلعهن وتوسيع قاعدة عملائهن.
تقول زعرور لـ”Leb Economy” إن مبادرتها تستهدف المرأة الريفية التي تعمل في الزراعة وتلك التي تملك مهارات عالية في الطهو في جميع القرى اللبنانية من دون استثناء، وتدعمها كي يصبح لها علامتها التجارية الخاصة بها وتبيع منتجاتها الخاصة بإسمها. وهي تقوم على ثلاث ركائز أساسية: الشمولية، والتمكين، والاستدامة.
وقد ألهمت النساء التي تعمل معهنّ زعرور لنقل “جار ثريا” إلى آفاق جديدة. فلدى هذه الشابة المندفعة خطط كبيرة للتوسع وبيع أنواع مختلفة من المنتجات، وبدء البيع على المنصات عبر الإنترنت في جميع أنحاء العالم.
ومن هذا المنطلق، تتواجد “جار ثريا” اليوم عبر حوالي خمسة أصناف من المنتجات الزراعية التقليدية التي حضّرتها نساء من قرى عدة، في “إكسبو 2020” في دبي. “هناك إقبال لافت على العبوات التي حضّرناها والصديقة للبيئة بنسبة 100 في المئة التزاماً مع أجندة الأمم المتحدة 2030″، تقول مارتين. وهناك تحضيرات جارية على قدم وساق لتصدير منتجات سيدات “جار ثريا” الى الولايات المتحدة قريباً جداً.
ومؤخراً، حصلت “جار ثريا” على الجائزة الاولى في مسابقة ريادة الأعمال للشركات الناشئة Startup Roadshow-Wired والتي كانت من تنظيم منظمة “جسور” ومؤسسة “سبارك” العالمية.

التمكين أولاً
جهود كثيرة بذلت سابقاً، ولا تزال، من أجل العمل على تمكين المرأة اقتصادياً وبناء مشاركتها في سوق العمل والاقتصاد، وجعلها متأهبة لحماية نفسها وعائلتها في أي ظرف من الظروف. لكن هذا المسار طويل جداً ولا يزال في بدايته على رغم التقدم المحرز، ويفترض أن يستمر خصوصاً وأننا على أبواب انتخابات نيابية يجب أن يكون للمرأة دورها التغييري في المجتمع.
“التغيير لن يحصل إلا إذا حصلت المرأة على حقها وتم توفير الفرص لشبابنا لكي يكونوا قياديين في عملية التغيير”، تقول عضو الرابطة اللبنانية لسيدات الأعمال أسمهان الزين لـ”Leb Economy”، وهي عضو في اللجنة التوجيهية للميثاق العالمي للأمم المتحدة في لبنان وأحد الرؤساء المشاركين في مشروع “إطار التعافي الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار” الذي أطلقه الاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي عقب انفجار مرفأ بيروت.
والرابطة التي تأسست عام 2006، هي جمعية اجتماعية واقتصادية تضم حالياً 470 عضواً من النساء والرجال أيضاً، وتوفر للنساء المشاركات – لاسيما رياديات الأعمال – منصة لتبادل الخبرات وتنمية الكفاءات والمهارات والوصول إلى التمويل.
تعتبر الزين أن المرأة في لبنان محظور عليها العمل السياسي كما يجب لأنها تفتقر إلى القدرات المادية الكافية لخوض هذا المعترك. هذا عدا عن أن معظم النساء لا ينتمين الى أحزاب سياسية، مما يتسبب بحرمانهن من العمل السياسي. وفي سوق العمل، هناك تمييز دائم بينها وبين الرجل على صعيد الرواتب والرتب وبحجج واهية. أما تلك العاملة في القطاع العام، فهي الأساس، و”اذا ما تركت النساء لوحدهن لاجراء عملية تنظيف شاملة للقطاع، فسنحصل على أهم قطاع عام”.
وكانت الرابطة عملت عام 2019 على إعداد مشروع أرسل إلى الوزيرة السابقة عناية عن المرأة في القطاع العام، كجزء من مشروع “توظيف المرأة في القطاع العام: نحو التمكين والتمثيل”. وكشفت النتائج عن المعوقات والتحديات التي تواجهها المرأة على مستوى الترقية داخل القطاع العام والتي تدور حول الافتقار إلى آليات الترقية القائمة على الجدارة، والافتقار إلى آليات معالجة التحرش داخل مكان العمل، ونقص الوعي حول النوع الاجتماعي.
كما أنجزت الرابطة مشروعاً عن أهمية وجود المرأة في مجالس الادارات (women on boards)، حيث تتشارك مع القطاعين الخاص والعام وكذلك مع المنظمات الدولية في عملية الضغط لصالح أن تكون نسبة 30 في المئة من النساء في مجالس الإدارة بحلول عام 2025. بالاضافة إلى مشاريع لتنمية قدرات الطالبات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والرياضيات بعدما أدركت الرابطة أن نسبة الطالبات اللواتي ينخرطن في هذه الاختصاصات متدنية جداً، على رغم أنها مجالات يجب اكتسابها في الأعمال التجارية. فقد بينت الدراسات التي أجرتها الرابطة قبل أزمة العام 2019، أن 51 في المئة من النساء يتخرجن من الجامعات في لبنان في مقابل توجه 23 في المئة منهنّ فقط الى سوق العمل. ومرد هذا التفاوت الى سببين؛ الأول مرتبط بالعقلية السائدة في المجتمع وفي ثقافة الرجل اللبناني، والثاني توجه الفتيات الى دراسات لا تؤهلهنّ الحصول على وظائف في قطاع العمل الحالي والمستقبلي. بدليل أنه عندما تفشى فيروس كورونا وتدهور سعر صرف العملة المحلية، تخلى العديد من النساء عن وظائفهن وقررن المكوث في منازلهن لأنهن لا يملكن المهارات الكافية للعمل عبر الانترنت من المنزل وكسب المال أو حتى التعلم عن بعد.
وتذكّر الزين أن الرابطة كانت أول مؤسسة بدأت بما يسمى بـ”Lebanese Women Angel Fund”، بالتعاون مع “IM Capital” التابعة لـ”Berytech”، حيث نجح الصندوق في جمع استثمار بقيمة 1.2 مليون دولار مخصص خصيصًا للاستثمار في الشركات الناشئة التي تقودها النساء في لبنان وحتى الرجال.
كما تقوم الرابطة حاليا بتنفيذ مشروع يتمحور حول كيفية ادارة المرأة للازمات. وهو يهدف إلى تزويد سيدات الأعمال حول الأدوات والأطر اللازمة لفهم تأثير الأزمة على أعمالهن، ومساعدتهن على وضع خطط مناسبة للتغلب على تداعيات الأزمات الحالية وضمان استمرار أعمالهن.
“لقد كان لتفشي فيروس كرورونا والازمة الاقتصادية انعكاساتهما السلبية الحادة على وضع المرأة العاملة” تقول الزين. وهي شرحت خلال مناقشة أجريت أخيراً مع البنك الدولي حول انعكاسات كورونا على المرأة في لبنان، أنّ الكثير من النساء اللواتي تركن عملهنّ كنّ يعملن في وظائف يمكن الاستغناء عنها. واقترحت حلين لمعالجة هذا الموضوع؛ الأول أن يوفر البنك الدولي مدراس لصقل مهارات هذه الفئة من النساء ورفع قدراتهن على استخدام التكنولوجيا؛ والثاني توفير هذه المهارات الكترونياً لأؤلئك غير القادرات على الخروج من المنزل.
التعاونيات الزراعية لدعم المرأة
“التمكين الاقتصادي هو خطوة مهمة للنساء اللواتي يعتبرن من الفئات المهمشة في المجتمع، وخصوصاً ربات المنازل اللواتي يعتمدن على أزواجهن في الحصول على المصروف ويتعرضن أحياناً كثيرة لأنواع من العنف اللفظي والجسدي”، تقول نوال مدللي وهي رئيسة جمعية “سوا” للتنمية (منظمة غير حكومية تركز على تمكين المرأة وبناء قدرات الشباب في إدارة النفايات وتغير المناخ وحقوق الإنسان). “من هنا، أهمية المبادرات التي تتم حالياً من أجل تدريب النساء على الاعتماد على أنفسهن في مجالات عديدة منها التصنيع الغذائي وتصنيع الملابس وريادة الاعمال بالاضافة الى التعاونيات الزراعية الغذائية”.
وتشرح مدللي لـ لـ”Leb Economy” إن التعاونيات الزراعية الغذائية تلعب دورا كبيراً في مساعدة النساء، حيث يشاركن في معارض لتسويق منتجاتهن لكسب مصروفهن”. من هنا، أتت الورشة التدريبية التي نظمتها اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا) بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO)، وبلدية قب الياس، والمعهد الفني للصناعات الغذائية – قب الياس، و”جمعية سوا للتنمية” من أجل تدريب نساء التعاونيات الزراعية في البقاع على استخدام الطاقة الخضراء للتصنيع الغذائي. وقد انتهت الورشة بتوزيع شهادات عالمية على المشاركات تؤهلهن على تصدير منتجاتهن الى الخارج. كما تمت خلال الورشة دعوة عدد من المصدّرين ورجال الاعمال المعنيين بتصدير المنتجات الزراعية الى الخارج للتعارف وخلق أرضية من العلاقات تساعد النساء في عملهن التصديري.
وتختم قائلة “إن تمكين المرأة يجعل منها، ليس مشاركاً ولاعباً أساسياً في المجتمع فحسب، إنما محركاً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن شأن زيادة مساهمتها في النشاطات الاقتصادية أن يؤدي إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي، وهو ما يساهم بالتالي في زيادة فرص العمل”.
في هذه الأيام العصيبة، لا بد من تحية المرأة المدعوة إلى تقديم المزيد من النجاحات والإنجازات، على أمل على امل الاستمرار بتمكينها. فمن دون تمكين جدّي يتيح لها فرصة تحقيق ذاتها، وتحرير طاقاتها ودعم مشاركتها في الحياة الاقتصادية بلا معوقات، لا يكتمل أي جهد تنموي ولا ينجح في تحقيق أهدافه.



