مسؤولية مفوّض الحكومة والمجلس المركزي عن سياسات الحاكم النقدية
إنّ الأزمة النقدية التي يشهدها لبنان قد سلّطت الضوء على إخفاقات سياسات حاكم مصرف لبنان والحكومات المتعاقبة. وبعد مطالبة رئيس الحكومة الحالي من الحاكم جردة بموجودات المصرف المركزي وحساباته، قوبل هذا الطلب بسلسلة قرارات أحادية اتخذها الحاكم من شأنها اعتماد سياسة نقدية جديدة تؤدي إلى احتكار تثبيت سعر صرف الليرة بالعملات الأجنبية. ولمّا لم يتمّ التجاوب من قبل الحاكم على قدر المستوى المطلوب مع طلبات مجلس الوزراء، قرّرت الحكومة تكليف شركتين أجنبيتين التدقيق بحسابات مصرف لبنان. وإزاء المطالبة بمحاسبة الحاكم، لجأ الأخير إلى حقّ الردّ عبر مؤتمر صحفي بتاريخ 29 نيسان 2020 لتبرير صوابيّة سياساته النقدية موجهاً اللوم إلى الحكومات المتعاقبة وسياساتها المالية متنصّلاً من المسؤولية عبر الاختباء خلف المجلس المركزي لمصرف لبنان.
إنّ التلميح إلى تقاسم المسؤولية مع المجلس المركزي للمصرف المركزي يستدعي مراجعة صلاحيات هذا المجلس في ضوء قانون النقد والتسليف، واكتشاف دوره الفعلي حسب الممارسة الحالية.
أولاً في الشكل، من الظاهر أنّ دور المجلس ثانوي، حيث لم يتم تشريكه بالمؤتمر الصحفي الأخير لسعادة الحاكم، فلو أنّ المجلس معنيٌّ بسياسات الحاكم أو داعم لها لجلس معه على الطاولة نفسها كما تقتضي الأصول، وظهر الحاكم على رأس المجلس كجسم واحد يدير المصرف. يُشهَد للحاكم أنّه كان واقعياً، ولم يُقحِم أعضاء المجلس الحضور للدفاع عن قرارات لم يتخذوها، فمسألة تهميش حضورهم عكس صورة إدارة المصرف الحقيقية.
أمّا في القانون، تقتضي الإشارة إلى تركيبة المجلس المركزي وصلاحياته. حسب قانون النقد والتسليف، يتألف المجلس من الحاكم، رئيساً، نواب الحاكم، مدير وزارة المالية العام، مدير وزارة الاقتصاد الوطني العام. لا يمكن للمجلس المركزي أن يجتمع لا في غياب الحاكم أو من ينوب عنه ولا في غياب مدير المالية العام أو مدير الاقتصاد الوطني العام. وتتخذ القرارات بأكثرية أصوات الأعضاء الحاضرين. وفي حال تعادل الأصوات يكون صوت الحاكم مرجحاً. إضافةً إلى أنّه ليس لمدير وزارة المالية العام ومدير وزارة الاقتصاد الوطني العام أن يتصرفا في المجلس كمندوبين عن الحكومة، وهما لا يمارسان لدى المصرف سوى المهام الملتصقة بصفتهما عضوين في المجلس المركزي، إذ أنّ هناك مفوض للحكومة لدى المصرف المركزي (موظف برتبة مدير عام).
أمّا لناحية صلاحيات المجلس المركزي، نذكر أهمّها: تحديد سياسة المصرف النقدية والتسليفية، تحديد معدّل الحسم ومعدل فوائد تسليفات المصرف على ضوء الأوضاع الاقتصادية، والمذاكرة في جميع التدابير المتعلقة بالمصارف، وفي طلبات القروض المقدمة في القطاع العام، وضع سائر الأنظمة المتعلقة بعمليات المصرف، إقرار المجلس موازنة نفقات المصرف ويدخل عليها، خلال السنة، التعديلات اللازمة، ويقطع أيضاً حسابات السنة المالية، ويمارس غيرها من الصلاحيات المنصوص عنها في المادة 33 من قانون النقد والتسليف.
وبالتالي، لا يدخل من ضمن صلاحيات المجلس المركزي لا إجازة الإنفاق ولا إدارة المصرف. وبالتالي إنّ هاتين الصلاحيتين تمارسان من قبل الحاكم فقط ومنفرداً وفقاً لقانون النقد والتسليف، خلافاً لما صرّح به سعادة الحاكم أنّ الإنفاق فوق مبلغ المائة وخمسون مليون ليرة لبنانيّة يحتاج لإجازة من المجلس المركزي.
في الواقع، إنّ المجلس يمارس صلاحيات كلاسيكية، وإنّ الحاكم يمارس صلاحياته المنصوص عنها وصلاحيات أخرى غير منصوص عنها في القانون، إذ إنّ المادة 26 من قانون النقد والتسليف، تنصّ على أنّ الحاكم “يتمتع بأوسع الصلاحيات لإدارة المصرف العامة وتسيير أعماله”، إضافة إلى صلاحيات أخرى عددتها هذه المادة والتي ليس لها الطابع الحصري، فللحاكم أن يمارس إذن صلاحيات لم يجرِ تعدادها في القانون. وهذا ما يؤكده الهيكل التنظيمي المنشور على الموقع الالكتروني لمصرف لبنان (المرفق ربطاً بهذا المقال).
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هل إنّ المجلس هو الذي يرسم السياسات النقدية وعلى أساسها يصدر الحاكم التعاميم والقرارات المناسبة؟
إنّ عمليّة الحوكمة في مصرف لبنان، يطغى عليها نظام الحوكمة الأحادية، إذ أنّ حاكم المصرف المركزي هو ممثّل المصرف الشرعي، وهو الذي يوقّع باسم المصرف جميع الصكوك والعقود والاتفاقات وهو يُنظّم دوائر المصرف ويحدّد مهامها، ويُعيّن ويُقيل موظفي المصرف من جميع الرتب، وبإمكانه أن يتعاقد مع من يشاء. وفي الواقع، ليس من شريك للحاكم في حوكمة المصرف المركزي وليس لباقي أعضاء المجلس أيّة صلاحيات تذكر غير حضور اجتماعات دورية للبتّ بالأمور الروتينية للمصرف.
والمشكلة أنّ ولاية نوّاب الحاكم قد انتهت ولايتهم العام الماضي في 31 آذار 2019 من دون تعيين البديل، فتمّ تفويض كامل صلاحياتهم للحاكم. وعليه، وبعد التدقيق، تبيّن أنّ عمليات الهندسة المالية قد أقرّها حاكم مصرف لبنان منفرداً من دون المجلس المركزي وحتّى من دون علمه، ولم يعلم أحد من أعضاء المجلس بها على حدّ تأكيد أبرز أعضاء جمعيّة المصارف. ويقتضي التنويه أنّ الحاكم ومنذ انتهاء ولاية نوابه وتفويضه الصلاحيات، فهو يصدر التعاميم منفرداً من دون الرجوع إلى نوّابه أو إلى أعضاء المجلس المركزي ومن دون التشاور مع الحكومة.
أمّا العضوين الآخرين غير المتفرغين، مدير وزارة المالية العام ومدير وزارة الاقتصاد الوطني العام، لا يتمتعان بدور رقابي إذ لا يمثلان الحكومة، وليس لهما أيّة صلاحيات خاصّة محدّدة في قانون النقد والتسليف. وفي الممارسة، هما لا يمكنهما الاطّلاع إلّا على المواضيع النقدية الموضوعة فقط على جدول الأعمال. يمكنهما، أسوةً بنواب الحاكم الطلب من المجلس تعليق تنفيذ قرارٍ ما ثلاثة أيام على الأكثر، إذا ما اعتبر المجلس هذا الطلب معللاً تعليلاً كافياً، وتجري في المهلة المحددة مذاكرة جديدة حول المسألة المُعَلّقة. وفي الممارسة، إنّ الأكثرية التي اتخذت القرار ستعود وتتمسك بقرارها خلال المذاكرة الجديدة، وحسب العرف المتّبع، إنّ نواب الحاكم يصوتون دوماً لجانبه، وبالتالي إنّ صوتيّ مُديريّ المالية العامة والاقتصاد غير مرجّحان.
وتجدر الإشارة، إلى أنّ مداولات اجتماعات مجلس المصرف المركزي سريّة، وبالتالي إنّ محاضر اجتماعاتها تبقى سريّة ولا يجوز نشرها للعموم. وبالتالي، إنّ استنتاج أنّ قرارات المجلس تُتَّخذ بالإجماع دون أيّ اعتراض ليس بمحلّه، حيث لا يمكن معرفة من وافق ومن اعترض إلّا عبر الرجوع إلى المحاضر.
إنّ الدور الرقابي الفعلي على قرارات الحاكم هو لوزير المالية عبر مفوّض الحكومة. حسب القانون، إنّ قرارات المجلس يجب أن تُبلّغ فوراً إلى مفوض الحكومة، الذي له – خلال اليومين التاليين للتبليغ – بعد مراجعة وزير المالية أن يطلب من الحاكم تعليق كل قرار يراه مخالفاً للقانون وللأنظمة بهذا الصدد. وبالتالي، ليس لمدير المالية العام أن يبلغ وزير المالية بقرارات المجلس المركزي أو أن يتكلّم باسم وزير المالية في المجلس.
أمّا في الممارسة وسَرياً على التقليد، لا يُبلّغ مفوّض الحكومة إلّا قرارات المجلس الروتينية وطبعاً ليس بشكلٍ فوريّ، فهو لا يُسأل ولا يُستشار قبل اتخاذ أيّ قرار من قبل الحاكم. ففي الواقع إنّ علاقة الحاكم مع وزارة المالية لا تمرّ لا عبر مفوّض الحكومة ولا عبر مدير المالية العام، بل تحكمها العلاقة المباشرة ما بين الحاكم وشخص وزير المال الذي يعطي للحاكم الغطاء السياسي. ولذلك، لا يَسَع أيّ مفوضٍ للحكومة أن يمارس صلاحياته بالمطلق من دون موافقة وزيره وإشرافه؛ فتخيلوا أن يطلب مفوّض الحكومة وفقاً للمادة 44 من قانون النقد والتسليف الاطلاع على جميع سجلات المصرف المركزي ومستنداته الحسابية أو أن يقوم بالتدقيق في صناديق المصرف المركزي وموجوداته خلافاً /أو من دون توجيه وزير المالية التي تخضع له مفوضية الحكومة بموجب المادة 41 من قانون النقد والتسليف.
فمن الواضح أنّ المجلس المركزي لمصرف لبنان لا يتحمّل مسؤولية سياسات الحاكم النقدية، وإنّ تقاذف المسؤوليات ليس من شيم رجال الدولة، وإنّ الاختباء وراء قصور رملٍ وهميّة لا ينفع أمام رأي عام متابع ومراقب. أمام حالة الفقر التي بدأ يعيشها السواد الأعظم من اللبنانيين، ليت القضاء يتدخّل ليحسم الجدل البيزنطي ويصدر الأحكام لتوزيع المسؤوليات قبل أن يمارس المواطنون استيفاء الحقّ بالذات كحقّ شرعيّ بغياب العدالة.



