مقاربات تقنية لقانون الكابيتال كونترول (اللواء ١٤ تشرين الثاني)

تكثر النقاشات والتحاليل حول أحقيّة وأهداف وشكل القانون الذي يتمّ مناقشته الآن في المجلس النيابي والذي يهدف الى وضع قيود على التحاويل والسحوبات المصرفية. وإيمانا منا بأهميّة تقديم قراءة علمية بعيدة عن الشعبوية لما يتم التداول به، مع الأخذ بعين الاعتبار خاصيّة المكوّن اللبناني، وضعنا هذا الملخّص لكي يتسنى للمواطن تكوين فكرة أفضل عن القانون المقترح، من منطلق علمي.
ان القيود على التحاويل والسحوبات تستحدث في بعض الدول، النامية إجمالاً، لأسباب عديدة منها، حماية حساب الخزينة الجاري، أو دعم ميزان مدفوعات ضعيف للحفاظ على مستوى احتياطي معيّن بالعملات الأجنبية، أو لإدارة الاقتصاد الكلي من خلال التحكًم بـــــ: نسبة العجز للناتج المحلي العام، أو سعر الصرف، أو مدى تطوّر الأسواق والمؤسسات المالية، أو حجم القطاع المصرفي نسبة للإيداعات، أو وجود/استحداث أسواق مستقبلية forwards and futures، أو النظام الضرائبي، أو غيرها من الخصائص الاقتصادية.
تبيّن الأبحاث التي أجريت على مرّ السنوات والتي شملت أكثر من 40 دولة اعتمدت هكذا قوانين، ان لهذه البلدان واحدة أو أكثر من هذه الخصائص:
• سعر صرف ثابت. تشكّل التحاويل والسحوبات المالية قوّة ضاغطة على سعر صرف العملات الأجنبية والوطنية من خلال خلق عرض وطلب لهذه العملات. تؤدي كثرة السحوبات والتحاويل الى الخارج الى عرض العملة الوطنية للبيع مقابل شراء عملات أجنبية مما يؤدي الى انخفاض بسعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأخرى. وبظل سعر صرف ثابت، يضطر المصرف المركزي الى التدخّل في الأسواق بائعاً عملات أجنبيّة من مخزون احتياطي العملات لديه لشراء العملة الوطنية ومنع تدنّي سعر صرفها.
• مدخول فردي متدنّي، low GDP per capita. تحمي القيود المالية والمصرفية القوة الشرائية للفرد من الانخفاض بنتيجة تقلبات سعر الصرف التي تنتج عن التحويلات والسحوبات المتكاثرة.
• الحد من المخاطر في الأسواق المالية والمحافظة على توازن هذه الأسواق، وخصوصا الأسواق الناشئة، التي لا يمكنها، تبعا لحجمها، إستيعاب المخاطر الناتجة عن تدفقات كبيرة من الأموال والرساميل. الحدّ من هذه التدفقات والسحوبات من شأنه أن يخفف من كميّة تداول الأدوات المالية في هذه الأسواق وبالتالي يؤمّن استقرار قيمة هذه الأدوات والعقود.
• الاقتصاد الصغير الذي لا يحتمل خسارة رؤوس أموال نتيجة السحوبات والتحاويل والتي، ان حصلت، يكون لها أثر كبير على كميّة الاستيراد والتصدير والاستثمارات، وبالتالي على الاقتصاد ككل.
• خصائص النظام الرقابي الذي يحتّم في بعض الأحيان التشدد في التحويلات، انسجاماً مع قيود رقابية أخرى مطبّقة مثل، حظر التعامل مع دول معيَنة.
• وغيرها من الخصائص الاجتماعية والاستراتيجية.
ولذلك، ونظراَ للوضع المالي والاقتصادي والنقدي الذي يعاني منه لبنان منذ فترة ليست بقصيرة، يتمّ ممارسة الحظر على السحوبات والتحاويل خلافاً لما أقرّه الدستور اللبناني لجهة الحريةّ الاقتصادية في حركة الأموال، وبناءً على ما تقدّم أعلاه، هناك حاجة لقوننة هذه الممارسات، ولو لحين. ولكن القراءة بالقانون المقترح تبيّن ان هذا القانون يحتاج لتعديلات جوهرية، لمعالجة المشاكل التالية الواردة فيه:
• إنشاء «لجنة» مؤلفة من خمسة أشخاص: حاكم مصرف لبنان، وزير المالية، خبيرين اقتصاديين وقاضٍ من الدرجة 18، وإعطائها صلاحيات واسعة واستثنائيّة من، تطبيق مواد القانون المذكور، وضع وإدارة الاستثناءات، مراقبة التحاويل، تقرير السياسات العائدة للصادرات المحولة بالتمويل الاستثنائي وغير الاستثنائي، إلزام لجنة الرقابة على المصارف رفع تقاريرها لها بما يتعلق بتطبيق هذا القانون، وغيرها من الصلاحيات والتي ممكن أن تتعدّى هذا القانون.
• غياب الفترة الزمنية التي تبدأ فيها مفاعيل هذا القانون والتي يجب أن تشمل أقلّه الفترة الزمنية التي بدأت بإقفال المصارف أبوابها أمام المودعين في تشرين الثاني 2019، وذلك لوجوب المساواة بين المودعين المقيمين وغير المقيمين الذين أقاموا أو لم يقيموا دعاوى في لبنان والخارج، والنافذين والقيّمين على السياسات المالية والنقدية والمصارف والمصرفيين الذين يمكن أن يكونوا على اضطلاع بالتطورات النقدية وبالتالي استفادوا من هذه المعلومات دون سواهم من المودعين.
• اعتبار الأموال المستعادة وفقا لقرار مصرف لبنان رقم 13262 تاريخ 27/8/2020، أي الأموال المحوّلة الى الخارج من تاريخ 1/7/2017، أموالا غير جديدة. ان اعتماد هكذا قرار، يحتّم اعتبار كل الأموال المحوّلة الى الخارج، والتي أريد بالقرار استرداد بعض منها، غير جديدة، من التاريخ المذكور في القرار، أو أقلّه من تاريخ إقفال المصارف في تشرين الأول 2019، وذلك انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل بين جميع المودعين.
• تمييز المؤسسات المالية الدولية والسفارات الأجنبية والهيئات الدبلوماسية والمنظمات الدولية والاقليمية والعربية. انّ القانون يستثني هذه الجهات من الحظر والقيود من دون تحديد الفترة الزمنية التي تخضع لها هذه الاستثناءات مما يشكّل تمييزاً واضحا لهذه الجهات مقارنة مع باقي المودعين.
• إستثناء المدفوعات العائدة الى الدولة من القيود من دون اشراط كونها مقرّة بقانون الموازنة العامّة، وذلك منعا للاستنسابية وزيادة في الشفافية وإحقاق العدل بين كافة الجهات التي ينطبق عليها هذا القانون.
• السماح بسحوبات من المصارف تبعاً لسقوف معيّنة بالعملة الأجنبية والمحلية من دون تحديد سعر الصرف الذي ممكن أن يتم على أساسه احتساب قيمة المبلغ المسموح سحبه بالعملة الوطنية.
• وجوب إضافة مواد قانونية تنظّم عمل منصّة «صيرفة» تضمن شفافية العمليات المالية والتحويلات، أساليب عمل المنصّة، المرجعية، وغيرها من الأمور، لما لهذه المنصة من أهمية على صعيد تحديد فعاليّة القانون.



