أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

الصلاحيات والمسؤوليات تدوران معاً وجوداً وعدماً (اللواء 29 آب)

عودٌ على بدء، ولكن هذه العودة، كما هو حالنا على الدوام، ليس أحمداً ولا محموداً، عودٌ على بدء، في محاولة لاستمطار شآبيب الرحمة، على الدستور والحريات وحقوق الإنسان، وفي مقدمتها لقمة العيش التي يبحث البعض عنها في مستودعات النفايات.

عودٌ على بدء، لاستنهاض الكهنة في الكنائس، وأصحاب الفضيلة في المساجد، لرفع الصوت عالياً في وجوه الجوعى والفقراء والمساكين، لكي يتحلّوا بالصبر، ويربطوا بطونهم الخاوية بالأحزمة، لعل الله يُحدث على يد المسؤولين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية، فرجاً في الأيام أو الأسابيع أو الأشهر القادمة، فهو وهم يعتصرهم الألم على ما آلت إليه أوضاع البلاد، جرّاء هذا الانهيار غير المسبوق، اقتصادياً واجتماعياً، وبما لا تحمد عقباه، في ظل سقوط الليرة اللبنانية، والذي بات الأشدّ فتكاً ومضاضة على رقاب اللبنانيين والكابوس الذي لا يفارق رؤوسهم.
في هذه الأجواء الضنك والملبدة بالظلم والظلام، وفي عتمة هذا الاشتباك السياسي بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، وكلّه بغطاء دستوري، يكاد يتمزق على مذبح صلاحيات رئيس الجمهورية، التي باتت على كل منعطف واستحقاق وزاوية، كمسمار جحا.
نعم في هذه الأجواء، تتجه الأنظار والأبصار شاخصة، الى الساهر على احترام الدستور، والقابض على الزمام، والجالس على أريكة السلطة والحكم، والذي أعلن بأنه سيسلّم الأمانة إلى خلفه، ولبنان أفضل مما كان، وكيف لا، فهو بعد الله يرجع إليه الأمر كلّه، كيف لا وهو شديد الحرص على نجاح عهده، كيف لا، وعهده هو وليس سواه، من يحكم التاريخ له أو عليه، في سجله الذهبي، أو في هامش زواياه، في محاكاة تنسب إليه الفشل الذريع.
والسؤال الذي يطرح نفسه، وتضج به الألسنة والأقلام ومختلف القنوات: ما هي الفائدة وما الجدوى، من هذا الصراع، وهذه المناكفات، والناس تشتعل رؤوسها غضباً، وأصبحت في أعلى درجات انعدام الوزن، وانعدام الوزن هذا نتائجه وتداعياته، لا تحتاج إلى تحذير من علماء النفس، والوقوف في وجهها، ومحاولة التصدّي لها لا تحول دون حدوثها. الأبحاث الجارية على قدم وساق التي يتحفنا بها فقهاء العلم الدستوري، واجتهاداتهم، التي تصب النار على زيت الصلاحيات، وخلاصتها تحاكي جنس الملائكة، بينما الكل يشهد بأم العين، ويضع يده على قلبه خشية وقوع البلد في اضطرابات تكاد ملامحها ترى بالعين المجردة.
نحن لسنا من الداعين للافتئات على صلاحيات رئيس الجمهورية، فهو رأس الهرم في السلطة، ولكن على الفقهاء الذين ما انفكوا يطرحون نظرياتهم على رئيس الجمهورية حول الصلاحيات، على قاعدة التعامل مع الدستور بالقطعة وليس بالشمول، وذلك خلافاً لكل مبدأ يحفظه طلاب الحقوق، فهل هذا يجوز، هل يجوز هذا الترف في الاجتهاد، فنبرز نصاً دستورياً ونخفي آخر، ونأخذ بدلالة نص ونتجاوز دلالات النصوص الأخرى، بل نتجاوز صراحتها ووضوحها، ذلك ان الحديث عن الصلاحيات، يجب بالبداهة، أن يقترن بالحديث عن المسؤوليات.

ترى أين مسؤولية رئيس الجمهورية، عندما يمتنع عن تحديد موعد لإجراء المشاورات مع النواب لتسمية الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة؟ وأين مسؤوليته، عندما يجري المشاورات مع النواب والفعاليات، بحجة تسهيل التشكيلة الحكومية، وأخيراً أين مسؤوليته بفرض المعايير على الرئيس المكلف وتسمية الوزراء؟ لا أحد ينكر حق رئيس الجمهورية بالمشاركة، حيث مرسوم تشكيلها يصدر بتوقيعه مع رئيس الحكومة، ولكن هذه المشاركة حدودها المسؤولية، والمسؤولية يتحملها منفرداً رئيس الحكومة عندما لا تنال الثقة أو تسقط في البرلمان عند حجب الثقة عنها، فضلاً عن كل فشل يصيبها.
ان قفز الفقهاء، وما إدراك ما الفقهاء، وأكثرهم منافق وغبّ الطلب، ان قفزهم فوق الدستور وبطريقة مبسترة، فيها تجاهل لنص المادة 60 من الدستور التي تنص في فقرتها الأولى على ما يلي:
«لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى».
وهذا النص ومعه الفقرة الأولى من المادة 53 من الدستور التي تنص: «يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء دون أن يُشارك في التصويت».
وكلا النصين يحملان دلالة واحدة، هي في أن يكون الحَكم «بفتح الحاء» فلا يتحمّل المسؤولية، ولا ينسب إليه الفشل، ومن يدّعي خلاف ذلك يعطّل الدستور ويسحب من رئيس الجمهورية دور الحكم، ويساهم من حيث يريد أو لا يريد بمزيد من الانهيار لهذا الوطن.
وهذا كلّه بمنزلة الحفر والتنزيل على القاعدة القانونية «الصلاحيات والمسؤوليات يدوران معاً وجوداً وعدماً».
وفي الختام نتساءل: هل افتقدنا الحكماء في هذا الوطن؟ وهل غاب عن الفقهاء المبدأ الذي من الواجب اللجوء إليه في المحن والكوارث والملمّات Raison d`état، ترى إلى أين مصير لبنان والمآل؟ وماذا حل بشعار التغيير والإصلاح؟ وما التبرير الذي سيقوله العهد للمجتمع الدولي والأم الحنون والصناديق العربية والدولية؟

بواسطة
المحامي محمود حطب
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى