لنزع تفسير الدستور من مجلس النواب (النهار ١٢ تشرين الثاني)

بعد ايام من المهرجان الاستذكاري لاتفاق الطائف في قصر الاونيسكو، تتوجه الانظار مجددا الى المسرحية الهزلية التي تتكرر في مجلس النواب اسبوعيا، والتي تستوجب اعادة النظر في تفسير المواد الدستورية لجهة النصاب والحضور والاقتراع وعقد الجلسات، ولا يجوز ان يبقى المجلس “السيد نفسه” محتكرا الفوضى القائمة من دون رادع.
ولعل المطالعة القانونية التي قدمها النائب ملحم خلف تستحق البحث بدل الاستهزاء واضاعة فرص تحسين الاداء والتزام الدستور فعلا لا قولا فقط، والمزايدة في هذا الشأن. حتى ان سؤال رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل يستوجب الاجابة في الحد الادنى، بالنظام، وبالاحترام ايضا.
لا ضرورة لتعديل الدستور، والتلويح، بل التخويف بنتائجه كلما طرح فريق الفكرة، بل تكمن الضرورة في اعتماد تفسير دقيق لمواده، ثم المباشرة بتطبيقها. والحال ان اتفاق الطائف، الذي يتنافس الافرقاء على التمسك ببنوده، اعطى المجلس الدستوري حق تفسير مواد الدستور، ليفسح في المجال امام الحد من “احتكار” مجلس النواب صلاحية التفسير والتطبيق كما يحلو له. لكن المجلس تنبه الى هذا الامر، فرفضه وتمسك بالتفسير الذي يبقي كل المواد المبهمة عالقة.
وفي هذا المجال يمكن العودة الى الوزير السابق والخبير القانوني بهيج طبارة في “كتابات في دولة القانون” اذ يقول:
إن وثيقة الوفاق الوطني قدّمت حلاً بأن أولت مهمة تفسير الدستور الى هيئة قضائية مستقلة في المجلس الدستوري الذي لحظت إنشاءه. الا أن النواب أنفسهم الذين سبق لهم في الطائف أن أقروا صلاحية تفسير الدستور للمجلس الدستوري عادوا فانتزعوا منه هذه الصلاحية لدى اقرار نظامه. وقد اعتبر النواب بما يشبه الاجماع بأن حق تفسير الدستور يعود للمجلس النيابي وحده ولا يجوز التنازل عن هذا لحق الى أي مرجع آخر.
كأن المجلس الدستوري لا يعمد الى تفسير الدستور في كل مرة يمارس فيها صلاحية مراقبة دستورية قانون معين لمعرفة ما اذا كان مطابقاً لنص معيّن في الدستور وفق مفهوم المجلس الدستوري وتفسيره للنص المزعوم مخالفته!
ان مجلس النواب الذي احتفظ لنفسه بحق تفسير الدستور منذ أكثر من 23 سنة لم يقم طيلة هذه الفترة بتوضيح أي من المواد المتنازع على تفسيرها، مكتفياً بقرارات يتخذها مكتب المجلس من حين الى آخر. الا أن هذه القرارات التي تعالج آنياً بعض الاشكالات التي تعترض عمل المجلس تبقى قابلة للرجوع عنه وهي – اذ تعبّر عن توافق سياسي توصل اليه النواب في ظرف معيّن – لا تقوم مقام تفسير الدستور، ولا تزيل الغموض الذي يكمن في بعض أحكامه، بصورة نهائية.
فلا نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية، ولا دور مجلس النواب عند شغور منصب الرئاسة ولا امتناع النائب عن حضور جلسة الانتخاب ولا أيضاً الاستقالة المسبقة للترشح في حال تعذّر انتخاب رئيس الدولة ضمن المهل الدستورية – وجدت جواباً حاسماً لها عن طريق مجلس النواب، مقبولاً من الجميع.
لذلك يمكن، في رأيي، إعطاء المجلس الدستوري، بالاضافة الى صلاحية مراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات الناشئة عن الانتخابات، صلاحية استشارية، هي إبداء الرأي في تفسير مادة من مواد الدستور تثير الالتباس أو يكتنفها الغموض.
ويُعطى حق مراجعة المجلس الدستوري لغرض التفسير الى كل من الرؤساء الثلاثة بالإضافة الى عشرة نواب، كما هو الحال اليوم بالنسبة للطعن في عدم دستورية قانون معيّن. وان الرأي الذي يصدر عن المجلس الدستوري ضمن مهلة معقولة يُتلى في أول جلسة تلي صدوره من جلسات مجلس النواب ويُنشر في الجريدة الرسمية.



