سرقات “غريبة” تعكس واقع لبنان المزري

لا يمر يوم على اللبناني إلا ويقرأ فيه عن حوادث سرقة في مختلف المناطق والمدن، وقد يأتي وقت ويكون هو الضحية الذي يُختصر اسمه بحرفين في نشرات الأخبار والصحف.
السّارقون كثر، ولائحة المسروقات تطول، وازدياد حالات السرقة ما هو إلّا النتيجة المتوقعة والطبيعية للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، إضافة إلى ارتفاع كبير في نسبة الفقر والعاطلين عن العمل مقابل ارتفاع موازٍ في كافة تكاليف الحياة.
لكن ما هو غير متوقع، حالات السرقة الغريبة التي يشهدها لبنان مؤخرًا والتي تُعبّر عن الواقع المزري للشعب اللبناني، وعلى رغم بساطة بعضها، إلّا أنّها باتت تمثل أزمة حقيقية في البلاد.
طريقة جديدة لسرقة البنزين “الغالي”
قد تكون المحروقات على رأس لائحة المسروقات المطلوبة بسبب ارتفاع أسعارها بشكل جنوني وعدم قدرة المواطنين على دفع ثمنها.
وفي الآونة الأخيرة، تمّ تسجيل عدد كبير من عمليّات سرقة البنزين في مناطق مختلفة، إذ لم تردع السيارات الحديثة التي لا تسمح بسحب البنزين عبر ما يُعرف بطريقة “الشفط” من خلال الانابيب المطاطيّة السارقين، الذين اعتمدوا طريقة جديدة و”مبتكرة”، تتمثّل بثقب خزّان البنزين في أسفل السيارة وإفراغ المادة في عبوات، ما شكّل صدمة للعديد من الأشخاص الذين لم يجدوا أيّ آثار للخلع والكسر، بل بكل بساطة وجدوا سيّاراتهم فارغة تماماً من البنزين مع وجود آثار للمادّة تحت السيّارات المركونة.
سيارات بلا دواليب
استيقظ أهالي السعديات – الناعمة منذ أيام ليجدوا سياراتهم في مكانِها، لكنها بلا إطارات، وقبلها شهدت العديد من مناطق الشمال هذا النوع من السرقات كزغرتا والبترون.
ورغم أنّ هذا النوع من السرقة يتطلّب وقتًا نسبيًّا، إلّا أن السّارقين يقومون وبراحة تامّة، بفكّ الإطارات خلال ساعات اللّيل، تاركين المركبات مرفوعة على أحجار من الباطون.
وانتشار هذه السّرقة في الأيام الماضية سببه ارتفاع أسعار إطارات السّيّارات، إذ بات يبلغ نحو مليون ليرة لبنانيّة بسبب ارتفاع سعر صرف الدّولار في السّوق الموازية، كما أنّ السّرقة تشمل أيضا “الجنط” الّذي يختلف سعره بحسب نوعه.
هذه الظاهرة التي باتت الأنشط في ما يخص السيارات، سبقتها ظاهرة سرقة القطع الغالية منها، لا سيما المرايا والبطاريات والمسّاحات والراديوهات والوقود وعلامات ماركات السيارات والكاتاليزور والمصابيح.
كما انتشرت في السابق أيضًا ظاهرة سرقة “ديبو البيئة” الذي يقع بين المحرك والعادم ومهمته حماية البيئة من انبعاثات أول أكسيد الكربون، وذلك لاحتواء “الديبو” على معادن ثمينة، إذ بات عدد من التجار يعملون على إعادة تصدير هذه القطع إلى شركات في الخارج تدفع ثمنها مضاعفاً وبالدولار.
وكل ذلك إلى جانب إستمرار السارقين في سرقة السيارات على امتداد المناطق، وهي السرقة “التقليدية” التي اعتدنا عليها.
سرقة “الريغارات” وشبكة الكهرباء أصبحت روتينية
تنتشر منذ العام الماضي ظاهرة سرقة “الريغارات” في مختلف المناطق اللبنانية، حيث يستولي السارقون عليها بهدف بيعها لبؤر الحديد.
ويتراوح سعر بيعها بين 10 و20 دولارا بحسب وزنها. ويقوم أصحاب بعض بؤر الخردة بشراء هذه المسروقات رغم علمهم بأنها مسروقة من الشوارع، ويقومون بضغطها وتغيير أشكالها لكي يخفوها عن أعين الدولة والبلديات، ويستفيدون من بيعها وتصديرها للخارج بالـ “فريش دولار”.
شأنها شأن الأسلاك الكهربائية التي باتت سرقتها من روتين المناطق اللبنانية كافة، تتكرر بشكل يومي وتتنقل ثم تعود تستهدف الإصلاحات التي تقوم بها شركة الكهرباء.
ويستفيد السارقون من حالة التقنين في التيار الكهربائي فيستغلون أوقات الانقطاع الطويلة لتفكيك وتقطيع التمديدات ليصار إلى تذويبها وسحب النحاس منها من أجل بيعه لتجار المعادن.
هذا لجهة الأملاك العامّة، أمّا في ما يخصّ الأملاك الخاصّة، فكل ما هو خارج جدران المنزل هو هدف للسرقة في لبنان، كماكينات الإنترنت، محولات الكهرباء، مضخات المياه، كومبراسورات المكيفات، حاويات النفايات الحديدية، وغيرها…
سرقة حقول الزيتون
اكتشف عدد من أصحاب حقول الزيتون في عدة قرى، خلال موسم القطاف هذا العام، أنّ هناك من سبقهم إلى الارض وقام بقطاف الزيتون قبل أوانه.
وذلك للإستفادة من بيع زيت الزيتون الذي يصل سعر “التنكة” منه إلى المئة دولار أي أكثر من مليونين ليرة لبنانية، وهو مبلغ يفوق معاشات شهرية لشريحة واسعة من المواطنين.
دور العبادة والمدافن.. لم تسلم أيضًا
خلال العام المنصرم تفاجأ اللبنانيون بانتشار ظاهرة سرقات دور العبادة والمدافن، وهي سرقة غريبة لم تكن تخطر في البال سابقًا.
ويقدم السارقون على سرقة الأبواب الحديدية التابعة لمدافن بلدات عديدة بواسطة الكسر والخلع.
وبواسطة الكسر والخلع أيضاً، يقوم السارقون بسرقة أغراض من الكنائس والمساجد، مثل معدات الصوت وصناديق التبرعات والنذورات.
حليب وحفاضات ومواد غذائية
أكثر الظواهر ألمًا وتعبيرا عن الواقع المزري للشعب اللبناني كان هذا النوع من السرقات.
إذ شهدت محال عدة في مناطق لبنانية مختلفة عمليات سرقة لمواد غذائية وسلع استهلاكية ودخان ومعسل نرجيلة.. وصحارتي حامض وكيس بصل!
أما أشهر الحوادث التي ضجت في لبنان فكانت عملية سطو مسلح على صيدلية قام بها أحد المواطنين اللبنانيين حيث دخل إلى الصيدلية شاهراً سلاحه ليحصل على علبة حليب وحفاضات أطفال، وتلتها حالات مشابهة دخل فيها زبائن للحصول على حليب وحفاضات ثم فرّوا من الصيدلية بعد حصولهم عليها دون دفع الحساب.
هكذا أصبحنا نعيش في زمنٍ صعب، لا أمان فيه ولا أمن.. في وقت “يلي بروح ما فيك ترجع تجيب متلو”..
أصبحنا نمشي وعيوننا إلى الخلف، نصعد إلى سياراتنا ونغلقها على الفور، نقف أمام المصرف الآلي بذعر، نرجع إلى بيوتنا ونوصد الأبواب بإحكام.. هي إجراءات نقوم بها لعلّها تقينا شرّ جريمة سرقة أو حتّى قتل.. لأن “يلي فينا بيكفينا”…
هكذا نعيش في خطرٍ دائم وخوف وقلق مستمرين، من سرقات يُنفذها مجرمون صغار بعدما سرقنا الكبار منهم..



