أخبار لبنانإقتصاد

كهرباء لبنان تهدّد «الدولة» بقطع التيار عن مرافقها والحجة نقطة حق في بحر باطل (الجمهورية 21 آب)

قبل أن تهدأ أصداء موجة الأخبار عن سرقة أطنان النحاس بملايين الدولارات من مستودعاتها، طالعتنا كهرباء لبنان ببيان تهدّد فيه الدولة بقطع التيار عن إداراتها ومؤسساتها ومرافقها الخدماتية، وتزيّنه بمسحة أخلاقية باستثنائها المستشفيات الحكومية رأفة بالمرضى وحفاظاً على حياتهم. وقبل أن يجفّ حبر هذا البيان، نقلت وسائل الإعلام أخباراً عن وصول باخرة محروقات، وتغريم المؤسسة كالعادة بعشرات آلاف الدولارات يومياً بسبب عدم فتح الاعتماد اللازم لتسديد ثمن الشحنة التي تحملها قبل وصولها؛ ليفضح الخبران، السابق والتالي لصدور البيان، حجم الفوضى والإهمال وسوء الإدارة والتقدير والارتقاب، وما يترتب عن كل ذلك من هدر وضرر يلحق بالمصلحة العامة وبالمال العام ويستنزف قدراتها المالية.

مَن يتمعن في قراءة ما بين سطور البيان يكتشف قدر جهود المؤسسة المبذولة في صياغة بيانها لإظهار الأمور على غير حقيقتها؛ ومن ذلك على سبيل المثال عدم التمييز بين تأخّر الجباية الذي يشمل فواتير الإدارات والمؤسسات العامة، وبين الفوترة، بحدّ ذاتها، وتجاوز نسبتها الـ50% من إجمالي الطاقة التي تنتجها المؤسسة من محروقاتها السيّئة، وتضيّع هدراً نتيجة التعليق والاستمداد غير الشرعي للتيار خارج عدادات المشتركين من شبكات المؤسسة العاجزة عن السيطرة على تلك الشبكات وحمايتها.

ويضيف البيان، بأنّ ارتفاع أسعار طن الغاز أويل هو الذي اضطرها لإصدار هذا البيان، مع أنّ تعرفة مبيع كهربائها التي أُقرّت بموجب خطة الطوارئ الوطنية لقطاع الكهرباء أواخر العام 2022، واستندت في تحديدها إلى سعر 110 دولارات لبرميل برنت، إذ حققت ولا تزال تحقق فائضاً في إيراداتها، نتيجة سريان تعرفتها حتى اليوم على ارتفاعها من دون تعديل، على رغم من تراجع سعر برميل برنت تدريجياً خلال السنوات الماضية، ليصل إلى حدود الـ70 دولاراً، واليوم حوالى الـ80 دولاراً، من دون وفاء المؤسسة بالتزامها بإعادة النظر بالتعرفة كل شهر أو شهرَين وفق تغيّر أسعار النفط؛ وعلى العكس، فإنّ التذرُّع بتقدير أسعار المحروقات في موازنة المؤسسة عن العام 2026 بأقل مما هي عليه اليوم، يطرح السؤال حول مصير الربح الذي حققته وما زالت تحققه المؤسسة من خلال فارق أسعار المحروقات، بين تلك التي بُنِيت على أساسها التعرفة والسعر الفعلي الذي تحمّلته خلال السنوات الماضية حتى تاريخ البيان، والتي ستتحمّلها لقاء تأمين حاجتها من المحروقات خلال ما تبقّى من عمر موازنة 2026، المصدَّقة «خلسةً وحكماً»؛ والتي انقضى منها ما يقارب الثمانية أشهر. وكذلك نتساءل عن الغبن المترتب عن استيفاء المؤسسة رسوم اشتراك ثابتة من الإدارات والمؤسسات والمواطنين يُفترض أن تكون على مدار الوقت، لا بل إنّها تستوفيها حتى دون توفير أي ساعة تغذية.

تزعم المؤسسة في بيانها بأنّها مقبلة على القيام بحملات نزع التعدّيات المزمنة على شبكاتها، ليبدو التعليق وكأنّه أمر مستجّد، فتوهم الرأي العام بقدرتها على ذلك أولاً، وبجدّية حرصها على حقوقها وأموالها ثانياً، ولتوحي لغير العارفين وكأنّ علّة عجزها المالي تكمن في تقصير الدولة عن تسديد فواتيرها، وليس في ضبط التعدّيات على شبكاتها، وفي استمرار الهدر المستشري في خياراتها السيئة، وفي المخالفات التي تشوب عقودها وتعتري تلزيماتها ومعظم نفقاتها، لعلّها تخفي فشل قيادتها وسوء إدارتها المزمن والثابت من تكرار تهديداتها بالعتمة، لابتزاز الحكومة والمسؤولين، توسلاً لستر عيوبها وفضائحها تحت عنوان درء الخطر على الاستثمار!

لقد عاشت كهرباء لبنان لعقود على سلف الخزينة التي تراكمت لتبلغ عشرات مليارات الدولارات، وبقيت حتى اليوم من دون تسديد، على رغم من تضمين قانون موازنة 2018 مادة أوجبت وضع آلية تحدّد كيفية تسديد هذه السلفة، بالإضافة إلى جدولة الديون المتراكمة على المؤسسة، خلال مهلة أقصاها 6 أشهر من تاريخ صدور هذا القانون؛ غير أنّ هذه المادة بقيت حبراً على ورق، على رغم من تأكيدها في قوانين موازنات لاحقة.

وفيما باشرت الخزينة بإقفال كامل قيمة الفواتير المتأخّرة على إدارات الدولة بحساب كهرباء لبنان المدين بقيمة سندات الخزينة المعطاة لها، استجابت الحكومة مؤخّراً لطلب المؤسسة الاكتفاء باقتصار الاقتطاع من قيمة الفواتير على 20% وتحويل الباقي إلى حساب المؤسسة، توفيراً للسيولة التي تحتاجها لشراء المحروقات.

إنّ تهويل مؤسسة كهرباء لبنان بقطع الكهرباء عن إدارات الدولة ومرافقها الخدماتية الحيوية، ليس جديداً، كما هو حال التهديد المتكرّر بوصول البلد إلى العتمة الشاملة بسبب شح المحروقات، لتغطية الفوضى المالية التي تعيشها وعجزها عن الإيفاء بوعودها والتزاماتها.

ولجلاء خلفية البيان الصادر بهذا الشأن والجداول المرفقة به، لا بدّ من التذكير بأنّه يأتي بعد مسار طويل ومحاولات إنقاذ وخطط إنقاذية عديدة، وبعد نفاد مكرمة العراق النفطية، وفشل خطة الطوارئ الوطنية لإنقاذ القطاع، والتي شملت رفعاً عشوائياً ومتسرّعاً للتعرفة اعتباراً من أواخر العام 2022، على وعد بتأمين التوازن المالي للمؤسسة، ومعه رفع التغذية إلى ما بين 8 و10 ساعات تغذية يومياً، والتي لم تنفع في «تجليس» أوضاع مؤسسة كهرباء المالية حتى اليوم. وكذلك على رغم من تحميل الحكومة للدولة أعباء تسديد ثمن النفط العراقي من دون استصدار قانون من مجلس النواب يجيزه، وعلى رغم من السماح للمؤسسة باستيفاء فواتيرها بالدولار؛ ناهيك عن تعيين مجلس إدارة جديد للمؤسسة من دون تغيير رئيسه، وتعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وموافقة مجلس الوزراء على تسهيل تفريغ شحنات المحروقات المستوردة لصالح كهرباء لبنان خلال 3 أشهر قادمة قبل إجراء فحص عينات منها يسبق التفريغ، وذلك من باب التحسب لأي طارئ قد يضع البلد على شفير العتمة الشاملة.

وعلى رغم من إعطاء تراخيص إنتاج بين 120 و180 ميغاواط في مختلف المناطق اللبنانية، وافقت الحكومة على منحها لعدد من تجمّعات الشركات، بناءً على استدراج نوايا كان أجراه الوزير سيزار أبي خليل خلال العام 2016، وذلك بتارخ 12/5/2022، خارج صلاحية القانون رقم 129 المنتهية تاريخ 30 نيسان 2022، وبقيت من دون تنفيذ على مدى سنوات، كما هو حال تلزيم إنتاج الطاقة من الرياح ومشروع تأهيل خزانات المنشآت وتوسعتها، وعلى رغم من إقرار قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء.

نعم، على رغم من كل ما تحقق لصالح المؤسسة من بحر الإيجابيات الآنفة الذكر، وكان يفترض أن تبعث شيئاً من الأمل في حلحلة أزمة الكهرباء وإحداث تغيير جدّي ملموس على أرض الواقع، لطالما طالب به مبعوث الاتحاد الأوروبي، في إطار محاولته المساهمة في مساعدة لبنان على الخروج من أزمته هذه، وعلى رغم من الأفكار المطروحة منذ سنين أيضاً لاستجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن ومؤخّراً من قبرص، ها هي الأمور تستمر على حالها، وأزمة الكهرباء تتحوَّل إلى معضلة، وتعود كهرباء لبنان إلى التهديد بقطع الكهرباء عن الإدارات والمؤسسات والمرافق العامة ما لم تُسدَّد المتأخّرات المتوجّبة عليها، في محاولة لإيهام الرأي العام بأنّ أسباب عجز المؤسسة عن توفير التغذية الموعودة بعشر ساعات تكمن هناك.

فما هي الحقيقة وماذا وراء التهديد بالمخاطر على الاستثمار المعلَّقة على عدم الاستجابة لمطالب وشروط إدارة مؤسسة كهرباء لبنان؟!

لا شك ولا جدال حول توجب الفواتير على الإدارات والمؤسسات العامة، ووجوب أن تُدفع للمؤسسة أو تسويتها وفقاً لأحكام قوانين الموازنة العامة ذات العلاقة؛ لكن هناك ملاحظات ومآخذ وأسئلة تبقى مطروحة في هذا الإطار، وهي تتعلق بما يلي:

– وجوب التمييز بين الإدارات والمؤسسات العامة كمشتركين لدى كهرباء لبنان. وعلى هذه الأخيرة أن تتعامل مع كل منها بشكل مباشر، وليس عبر أي جهة وسيطة أخرى، إذ لكل واحدة من الإدارات باب خاص بها في الموازنة العامة، يحدّد سقوف الاعتمادات المخصّصة لمختلف نفقاتها، بما فيه فواتير الكهرباء؛ ولكل مؤسسة عامة موازنتها الخاصة وشخصيتها المعنوية.

– هناك تأخّر في صدور الفواتير عن كهرباء لبنان، الأمر الذي شكَّل وما زال يشكّل إرباكاً للموازنة العامة كما لموازنة المؤسسات، لناحيتي تقدير الاعتمادات اللازمة لتغطية فواتير الكهرباء ضمنها، كما لصرف فواتير سنوات سابقة من اعتمادات السنة الجارية غير الكافية لتغطيتها، فتؤدي معالجتها إلى استنزاف احتياطي الموازنة بنتيجة النقل منه لتغطيتها، هذا فضلاً عن أنّ تقدير الحاجة إلى هذه الفئة من الاعتمادات خلال سنة مقبلة، يستوجب توفّر معلومات عن حجم فواتير سنة كاملة سابقة على الأقل، ومعرفة عدد ساعات التغذية التي تنوي المؤسسة توفيرها، ليُبنى على أساسها تقدير تكلفة حاجتها للاستعانة بالمولدات.

إنّ قطع الكهرباء عن الإدارات العامة سيفاقم من عرقلة أداء هذه الإدارات المترتبة عن عدم استقرار التغذية على ندرتها، وينعكس سلباً على خدمة المواطنين وعلى قيام المكلّفين بالضريبة منهم بموجباتهم تجاه الإدارة، بما فيه تسديد المتوجب عليهم من ضرائب ورسوم، ورفد الخزينة بالتدفقات المالية في مواقيتها المرتقبة.

ولنفترض أنّه بسحر ساحر تحققت معجزة توفير التمويل اللازم لتسديد كامل قيمة الفواتير التي تطالب المؤسسة بتسديدها، وتهدّد بقطع التيار في حال عدم الاستجابة لإنذارها، فهل إنّ أزمة الكهرباء ومشاكلها ستنفرج وتجد لها حلاً؟

الجواب قطعاً لا، ذلك أنّ أساس أزمة الكهرباء أعمق من مشكلة المتأخّرات، ويستحيل حلّها بهذه الطريقة ما لم تُعالج أسبابها الحقيقية القائمة والمتجذرة في الهدر على شبكات المؤسسة وفي معظم عقودها، وفي سوء إدارتها وسوء خياراتها الفنية والتقنية وسبل التزود بالمحروقات.

إنّ مقدمة المعالجة الجدّية لأزمة الكهرباء المزمنة لا بد أن تبدأ، بعد الخروج من مركزية الانتاج والتوزيع إلى نظام لا مركزي، تتنوَّع فيه مصادر إنتاج الطاقة، لتبلغ حصة قطاع الطاقة الشمسية والمتجدّدة منها مستوى الانتفاع الأمثل من الشمس المتوفرة من دون مقابل على مدى 300 يوم من السنة، فيصدر التشريع اللازم للإجازة للبلديات الكبرى بالتعاقد مع القطاع الخاص، لإنشاء مزارع الطاقة الشمسية بتمويل داخلي وعلى عقارات تملكها الدولة أو البلديات واتحاداتها، فتكون تكلفة الكيلوات في أدنى مستوى لها، ويتوفر الأمن الطاقوي إلى حدّ يعفي الدولة والمجتمع من تكرار التهديد بالعتمة الشاملة، ومن انعكاس التوترات السياسية والأمنية الإقليمية التي يمكن أن تترتب عن استيراد غاز يمكن أن تتبدّل جنسيّته بين دولة وأخرى، أو استجرار الكهرباء من الأردن أو قبرص.

وأخيراً، فلنشكر الله على أنّ التوصية باتجاه اعتماد لا مركزية الانتاج والتوزيع قد صدرت مؤخّراً عن المراجع المختصة، وأُعلن عنها بتأييد من البنك الدولي ومباركته!

بواسطة
غسان بيضون
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى