عون: لا شيء مستحيلاً في قاموسنا… تفاهم واشنطن وطهران يترنّح والمواجهة مفتوحة (الجمهورية 9 تموز)

عادت المنطقة لتتربّع على منصّة القلق من جديد، إذ إنّ الجبهة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تتدحرج بعيداً من مذكّرة التفاهم المعقودة بين الجانبَين، نحو ساحة مفتوحة على شتى الاحتمالات. على أنّ نار المواجهات التي عادت إلى الاشتعال في الساعات الأخيرة عبر الغارات الجوية الأميركية على إيران، والقصف الإيراني على ما يدّعون أنّه «المصالح الأميركية» في بعض دول الخليج، لا تبدو، مع نبرة التهديدات والإستعدادات المتبادلة، أنّها جولة حربية محدودة على غرار ما حصل أواخر الشهر الماضي، بل تؤشر إلى انعطاف واشنطن وطهران عن مذكرة التفاهم المعقودة بينهما، نحو صفحة جديدة من الحرب.
غليان ميداني
هذه التطوُّرات أفرزت حالاً من الغليان الميداني، ونثرت علامات استفهام حول مذكرة التفاهم، وما إذا كانت لا تزال على قيد الحياة، أو أنّها قد مُزِّقت ودُفِنت نهائياً، ربطاً بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أنّ مذكّرة التفاهم قد انتهت ووصفه الإيرانيّين بالسرطان الذي يجب استئصاله، واعتباره المفاوضات معهم هدراً للوقت، ما أكّد عليه الإيرانيّون في موازاة ذلك حول هشاشة التفاهم، وأنّ الاعتراف اللفظي بإلغاء مذكرة التفاهم يقع على عاتق الرئيس الأميركي، وأنّ التحرُّكات الأميركية ستدفع المنطقة نحو النار. وربطاً أيضاً بالأخبار التي يسرِّبها الإعلام العبري عن مباحثات أمنية يجريها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول التطوُّرات في إيران، تزامنها استعدادات عسكرية إسرائيلية لجولة جديدة ووشيكة من الحرب مع إيران، ما يرسم في أجواء المنطقة سؤالاً كبيراً حول مدى هذه الحرب ونطاقها وحجم أطرافها، ومساحة تداعياتها وتأثيراتها على امتداد المنطقة، ولاسيما على جبهة لبنان، التي تبدو منذ وقف إطلاق النار المعلن، مضبوطة على عقارب التصعيد، وتتراكم فيها، على مدار الساعة، عوامل القلق والخوف من الانزلاق مجدّداً نحو الاشتعال على نطاق واسع.
جولة مفاوضات جديدة! السياسة
ما يعزّز القلق على جبهة لبنان، هو أنّ وقف إطلاق النار المعلن، أثبت التصعيد المتواصل على امتداد المنطقة الجنوبية، والذي تُرجِم في الساعات الأخيرة باعتداءات وغارات إسرائيلية مكثفة، ولاسيما في منطقة النبطية وتلة علي الطاهر، أنّه لا يعدو أكثر من إجراء وهمي لا فعالية له على أرض الواقع، بالإضافة إلى تعطيل إسرائيل لمندرجات صيغة الإطار، وامتناعها عن تنفيذ الخطوة الأولى المتعلقة بالانسحاب من المناطق التجريبية، على رغم من الاتصالات المكثفة التي جرت على أكثر من مستوى رسمي مع الراعي الأميركي لصيغة الإطار للضغط على إسرائيل للانسحاب.
وسط هذه الأجواء، يبرز الحديث عن جولة جديدة من المفاوضات خلال الأيام القليلة المقبلة، وأنّ صيغة الإطار ستكون بنداً أساسياً فيها، ولاسيما لجهة التعقيدات المانعة تنفيذها حتى الآن. وفي هذا الإطار، كشفت مصادر واسعة الإطلاع لـ»الجمهورية»، بأنّ لبنان أبلغ واشنطن اعتراضاً شديداً على التعامل الإسرائيلي مع صيغة الإطار، مشدِّداً على أنّ هذا المنحى، الذي تنتهجه إسرائيل ومماطلتها في الانسحاب من المناطق التجريبية، لا يعني فقط الإضرار بصورة صيغة التفاهم، بل تهدِّد بنسفها من أساسها، وأنّ واشنطن متفهّمة للموقف اللبناني. تاريخ
وعلى رغم من الإعلان عن جولة جديدة من المفاوضات تُعقد على مدى يومَين في روما، بدل واشنطن، فلا تأكيد لبنانياً رسمياً على هذا الأمر، ما خلا تسريبات إعلامية تفيد عن نقل مكان المفاوضات من واشنطن إلى روما بطلب من إسرائيل، وأنّ مشاركة لبنان فيها أكيدة ممثلاً بالسفير سيمون كرم وسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض، وذلك، بعدما تمّ التأكيد على أن تكون المفاوضات ثلاثية بمشاركة واشنطن، كما كان عليه الحال في مفاوضات واشنطن، وليست ثنائية تقتصر على لبنان وإسرائيل، وهو الأمر الذي رفضه لبنان.
على أنّ اللافت في هذا السياق، ما نقلته وكالة «فرانس برس» عن مصدر ديبلوماسي مواكب للمفاوضات، بأنّ لبنان يشترط انسحاب إسرائيل من منطقتَين تجريبيّتَين تطبيقاً لمضمون صيغة الإطار الموقّعة من لبنان وإسرائيل في واشنطن، للمشاركة في جولة التفاوض التي أعلنت إيطاليا وإسرائيل أنّها ستُعقد في 15 و16 تموز في روما، مشيراً إلى أنّ لبنان لم يعلن موقفه الرسمي منها بعد. سياسة
التعويل على واشنطن
إلى ذلك، قال مصدر رسمي لـ«الجمهورية»: «إنّ الهاجس الأساس لدى لبنان، والذي يضعه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في رأس قائمة أولوياته هو أن تدخل صيغة الإطار حيّز التطبيق السريع، بدايةً عبر تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية».
وبحسب المصدر الرسمي عينه، فإنّه «على رغم من توقيع إسرائيل على صيغة الإطار، إلّا أنّها لم تُبدِ أي إشارة إيجابية حيالها حتى الآن، بالتالي فإنّ التعويل يبقى على دور فاعل للولايات المتحدة، وهو ما ننتظره في المدى القريب».
واستغرب المصدر ما وصفها المقولة السائدة باستحالة تنفيذ صيغة الإطار، مدرجاً هذا الكلام «في سياق المزايدة والاستفزاز من قِبل جهات محترفة بالتخوين والتهويل، والقرار اللبناني حُسِم لناحية الوصول إلى صيغة الإطار، التي نعتبرها أفضل الممكن، ومطمئنّون إلى الرعاية الأميركية المباشرة لهذه الصيغة، وواثقون بالتزامها بتوفير عوامل إنجاحها وحسن تنفيذها».
وحول موقف «حزب الله» أوضح: «خيارنا إنهاء الحرب وعدم العودة إليها، والشريحة الواسعة من اللبنانيّين من الطوائف والفئات ترفض خيار الحرب، فيما «حزب الله» منعزل عن الواقع، وماضٍ في خياراته التي عبّر عنها في الإسنادات التي قام بها، وفق أجندة خارجية معروفة، جرّت على اللبنانيّين، والجنوبيّين خصوصاً، أثماناً تدميرية هائلة في قراهم وممتلكاتهم، ونزوحاً لعشرات الآلاف من أبناء الجنوب، والآلاف من الضحايا الذين سقطوا جرّاء حرب لا تعني اللبنانيّين من قريب أو بعيد. حالة النكران التي يعتمدها لا تغيّر في حقيقة المأساة التي جرّها على لبنان. نحن اخترنا مسار الحل وإنهاء الحرب، وهو اختار مسار التعطيل، وخياره هذا لن يُثنينا عن المضي قدماً في الخط الذي انتهجناه لاستعادة الدولة وحصر السلاح ووقف الحرب بصورة نهائية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي».
قلق أوروبي
إلى ذلك، تخوَّف مصدر ديبلوماسي أوروبي من انحدار الأمور إلى تصعيد، وأوضح رداً على سؤال لـ«الجمهورية»: «لا نلاحظ وقفاً لإطلاق النار، وهذا يبعث على القلق».
وأكّد المصدر أنّ «من مصلحة كل الأطراف عدم الانجراف نحو تجدُّد التصعيد، مشدِّداً على التزام جميع الأطراف بصيغة الإطار التي يرسم مساراً لإنهاء حالة الحرب القائمة، وإشاعة مناخ آمن، وتوفّر الحماية الحقيقية للمدنيّين في الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وكذلك حفظ سيادة لبنان وسلامة أراضيه».
وثمَّن المصدر الديبلوماسي «جهود الدولة اللبنانية برئاسة الرئيس عون لحصر السلاح واستعادة سلطة الدولة وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وفرض سيادتها بقواها الشرعية دون غيرها، على كامل الأراضي اللبنانية»، مشدِّداً في الوقت عينه على أنّ من الضروري تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من المناطق اللبنانية حتى الحدود الدولية، لافتاً إلى «أنّ نزع سلاح «حزب الله» الذي تنص عليه صيغة الإطار، يشكّل الخطوة الأولى الأكثر ضرورة وإلحاحاً، التي من شأنها أن تعجّل بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية».
ورداً على سؤال أوضح: «صيغة الإطار بين لبنان واسرائيل، كما هو واضح، مؤيّدة بقوّة من كل المجتمع الدولي، التي يراها فرصة لإحلال الأمن والسلام بين لبنان وإسرائيل، وتمكين المدنيّين اللبنانيّين من العودة إلى مناطقهم، ما يوجب التزام كل الأطراف بما وُقِّع عليه والإيفاء بالتزاماتهم. بالتالي يجب التمسك بهذه الفرصة واغتنامها بما يحقق الهدف المرجو منها. وتبعاً لذلك، لا نرى مصلحة لأيّ من الأطراف في مواصلة الأعمال العدائية، التي لا نرى ما يستدعي الاستمرار فيها، فهذا المنحى خطير، من شأن المضي فيه، أن تتأتى عنه تداعيات سلبية وربما تعقيدات ووقائع غير محسوبة تُخرج صيغة الإطار عن مسارها التنفيذي المتفق عليه».
زيارة واشنطن
في هذه الأجواء، أعلنت السفارة اللبنانية في واشنطن أنّ البيت الأبيض وجّه دعوة رسمية إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لزيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 21 تموز 2026.
ولفتت السفارة إلى أنّ «هذه الدعوة تعكس الشراكة الراسخة بين لبنان والولايات المتحدة، وتشكّل فرصة للرئيسَين للبحث في القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك العلاقات الثنائية، والأمن الإقليمي، واستمرار الدعم الأميركي لسيادة لبنان واستقراره ووحدة أراضيه ومؤسساته الرسمية». السياسة(التيار اليميني)
وقالت: «هذه الزيارة تأتي بعد فترة مكثفة من الجهود الديبلوماسية التي بذلتها السفارة اللبنانية في واشنطن، بالتنسيق الوثيق مع رئاسة الجمهورية اللبنانية وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، بهدف تعزيز الحوار الثنائي على أعلى المستويات واستكمال الترتيبات التي أفضت إلى هذه الزيارة الرسمية». وأشارت إلى «أنّها تنسق جميع جوانب زيارة رئيس الجمهورية بالتعاون الوثيق مع رئاسة الجمهورية والبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية، بما يضمن نجاح اللقاء الثنائي».
عون
وقد توقّع الرئيس عون «أن تحمل زيارتي المرتقبة إلى واشنطن ولقائي مع الرئيس ترامب إيجابيات للبنان، لأنّها تترجم الاهتمام الأميركي غير المسبوق بلبنان، ودعم الولايات المتحدة لمسار إيجاد حل دائم لسلسلة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية على بلدنا، وتحقيق الاستقرار في كامل منطقة الشرق الأوسط». تاريخ
وأضاف عون، أمام زواره أمس: «اخترت المفاوضات لأنّه لا يمكنني أن أقف متفرّجاً على وطني وهو يُقاد إلى الهاوية خدمة لمصالح بلد آخر، وكان عليَّ أن أقوم بخطوة بإمكانها وقف آلة الدمار والإبادة الإسرائيلية، والحدّ من الخسائر في الأرواح والقرى، وإزالة الاحتلال في نهاية المطاف».
ولفت إلى أنّ «هذه الخطوة تلقى دعم غالبية اللبنانيّين وبينهم من الطائفة الشيعية، التي دفعت الثمن الأكبر للحروب في الجنوب. نحن مستمرّون في القرار الذي اتخذناه، وأدعو اللبنانيّين إلى الحفاظ على إيمانهم بلبنان، لأنّني على يقين أنّ الأمور تتّجه باتجاه الأفضل، على رغم من العراقيل والصعوبات، ولا شيء مستحيلاً في قاموسنا».
من جهة ثانية، وفي تصريح له، أدان عون الاعتداء على البحرين والكويت، معتبراً أنّه «يمثل خرقاً صارخاً لسيادة البلدَين وسلامة أراضيهما، وانتهاكاً فاضحاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة»، وأكّد تضامن لبنان الكامل مع مملكة البحرين ودولة الكويت ودول الخليج العربي عموماً، مؤكّداً أنّ «أمن هذه الدول جزء لا يتجزّأ من الأمن العربي والإقليمي»، ودعا إلى «ضبط النفس ونبذ التصعيد، وإلى تغليب لغة الحوار والديبلوماسية حرصاً على أمن المنطقة واستقرارها وسلامة شعوبها».
مع سلام
والتقى الرئيس عون في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، رئيس الحكومة نواف سلام، وأعلنت رئاسة الجمهورية أنّه «تمّ عرض الأوضاع العامة في البلاد والتطوُّرات في الجنوب، وتمّ التركيز على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار والإسراع في بدء الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية، كما تناول البحث الاستعدادات التي تقوم بها الحكومة لتأمين ما يلزم من فتح طرق وإزالة الردم والعمل على تأهيل البنى التحتية، لتسهيل عودة السكان إلى المناطق المتضرّرة التي يمكن العودة اليها حالياً، وبعد الانسحاب الإسرائيلي منها».



