المستقبل للذهب في الصراع الجيوسياسي… هل الدولار الأميركي في خطر؟ (النهار 11 نيسان)

كتبت فرح نصور في “النهار”:
لطالما أدّى الذهب دوراً مهماً في التاريخ النقدي لقرون عدة. وعلى ما يبدو، إنّ الصراع عبر امتلاك كمّية أكبر من الذهب، سيطغى على المشهد العالمي، ولا سيما بعد النزاع في أوكرانيا. وفيما فرض الغرب عقوبات على روسيا، وبعد هبوط قيمة الروبل الروسي، اتّخذت روسيا إجراءين أساسيين للجم تدهور عملتها: تسديد ثمن الغاز بالروبل، وربط الروبل بالذهب. وأعلنت أنّها ستشتري الذهب بسعر ثابت 5000 روبل لغرام الذهب لمدة 3 أشهر في محاولة لإنشاء معيار ذهبي جديد، بالتزامن مع مطالبتها الدول التي تسعى لشراء الوقود الأحفوري من روسيا بالدفع إمّا بالروبل أو بالذهب.
وكما هو معلوم، فإنّ عدم الاستقرار السياسي والصراعات والحروب، قد تؤدّي إلى رفع أسعار الذهب. وهذا ما حصل أخيراً بعد النزاع في أوكرانيا، إذ ارتفعت أسعار سبائك الذهب بنسبة تزيد عن 12 في المئة هذا العام، لأنها تُعدّ استثماراً آمناً في أوقات التقلبات الجيوسياسية ومعدلات التضخم المرتفعة.
وفيما لا يتعلّق مستقبل الذهب والطلب عليه بالإجراءات الروسية، ولو أنّها الأبرز على المشهد العالمي الآن، نسأل: هل فعلاً المستقبل للذهب في الصراع الجيوسياسي؟ وإلى أيّ مدى الدولار الأميركي في خطر؟
تلجأ الدول إلى رفع احتياطاتها من الذهب لدعم عملاتها المحلية وتحصينها. وهذا ما لجأ إليه بوتين عندما طرح فكرة قيام الاقتصادات الغربية بإيداع الذهب لدى روسيا لشراء الروبل، الذي يمكن من خلاله شراء النفط والغاز. إجراءات قد تغيّر جذرياً عمل نظام التجارة العالمي، والعملة المعتمَدة للتبادل عالمياً، أي الدولار.
فربط الذهب بمدفوعات الطاقة هو الحدث الرئيسي. وإذا بدأت روسيا بقبول الذهب مباشرة كدفعة للنفط، فسيكون هذا بمثابة تحوّل نموذجي جديد لسعر الذهب لأنّه سيربط سعر النفط مباشرة بسعر الذهب. بذلك، بضربة واحدة، يمكن لجزء كبير من تجارة الطاقة العالمية الابتعاد عن الدولار.
ووفقاً لصحيفة “ذا تيليغراف” البريطانية، أصبحت روسيا تمتلك ذهباً تزيد قيمته عن قيمة ما لديها من احتياطي الدولار الأميركي في حزيران عام 2020، عندما شكّلت سبائك الذهب 23 في المئة من إجمالي الاحتياطيات الروسية. وتضيف الصحيفة أنّ الكرملين تمكّن من رفع احتياطي الذهب في البنك المركزي الروسي بمعدّل يزيد عن أربعة أضعاف منذ عام 2010، ليمتلك بذلك ما وصفته الصحيفة بـ”صندوق لتمويل الحرب من خلال مزيج من الواردات والاحتياطات المحلية الضخمة من الذهب، إذ تُعدّ روسيا ثالث أكبر منتِج لذلك المعدن النفيس في العالم”.
ما علاقة صعود الذهب بانهيار الدولار؟
ما تقدّم، هو عرض موجَز لجانب من أسباب احتلال الذهب مكان الملك في الصراع الجيوسياسي الراهن والمقبل. لكن بعد ما يقرب من 80 عاماً من هيمنة الدولار، قد تكون الولايات المتحدة في خطر فقدان مكانتها كعملة احتياطية عالمية.
في مقال لشبكة “CNN”، يستبعد الكاتب للغاية احتمال خسارة الولايات المتحدة امتيازها الباهظ المتمثِّل بحيازتها حوالي 60 في المئة من احتياطيات العملات العالمية البالغة 12،8 تريليون دولار، المحتفَظ بها حالياً بالدولار. وبحسب الشبكة، فإنّ البدائل من الدولار ليست رائعة. وكانت الصين تضغط على اليوان منذ سنوات، ويجري حوالي 3 في المئة فقط من المعاملات العالمية بالعملة، مقارنة بـ40 في المئة للدولار .
ولا تزال الولايات المتحدة أيضاً جاذبة إلى حدّ ما لبقيّة العالم، فسوق الأسهم الأميركية هي أكبر سوق للأوراق المالية وأكثرها سيولة في العالم، ويتدفق رأس المال الأجنبي إلى البلاد. ونمت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بنسبة 77 في المئة إلى ما يقدَّر بـ1،65 تريليون دولار في عام 2021، لكن الاستثمار في الولايات المتحدة ارتفع بنسبة 114 في المئة إلى 323 مليار دولار، وفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
لكنّ لِأستاذ الاقتصاد، البروفسور بيار الخوري، رأياً آخر في هذا الإطار. ففي حديثه لـ”النهار”، يرى أنّ “المستقبل هو للذهب، وهذا يرتبط بما هو أكبر من الإجراءات الروسية”، لأنّ وضع الاقتصاد العالمي لم يعد قادراً على أن يقوم على عملات تتحكّم بها المصارف المركزية، فالاقتصاد العالمي يتأذّى كثيراً من جراء سلطة هذه المصارف على طبع العملة.
وفي حديثه، يشرح الخوري أنّ الاحتياطي الفيديرالي الأميركي يعتمد على الاستيراد وعلى عجوزات الميزان الخارجي، ولا تلبّي حالياً هذه العجوزات إلّا من خلال طبع الدولار الأميركي، “ما يعني أنّ الدولار الأميركي هو عملة بدون غطاء، ما يفسّر بشكل أو بآخر صعود العملات المشفرة”.
وفيما هناك احتمال دخول العالم في أزمةِ نقدٍ موسَّعة، هناك شكوك كبيرة، وفق الخوري، في أنّ صلاحية تسليم المصارف المركزية حق طبع النقد بدون أيّ غطاء، سترتفع، وهناك دول ستتّجه إلى حماية نفسها وعملتها إلى عملة مغطاة بملاذ آمن كالذهب. لذلك، كل دولة، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، تبحث عن مورِّد يحمي سعر دولارها، فلا قيمة للدولار الأميركي في الأسواق العالمية دون العرض والطلب عليه، ولا يمكن شراء شيء بالدولار سوى القيم السوقية المعرَّضة للتضخّم. لذلك، “الذهب واحد من مستقبل صياغة القيم الداعمة للعملات، وكذلك المعادن والموارد الطبيعية لكل دولة”، وفق الخوري.
في هذا السياق، ومنذ 2019، تعمل الصين وروسيا على تكبير حيازتهما الذهب على حساب حيازتهما من العملات الأجنبية. وقد خفضت الصين حيازتها في سندات الخزينة الأميركية بنسبة 30 في المئة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهي نسبة هائلة. بالتالي، الجميع يبحث اليوم للخروج من العملة الورقية غير مدعومة بقيمة حقيقية. هذا ما يوضحه الخوري، مضيفاً أنّه إذا ما استطاعت روسيا التبادل بعملتها، فسيضعف ذلك من سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي، فقوة الولايات المتحدة الأميركية ليست باقتصادها، بل بسيطرة عملتها عالمياً، وبكونها عملة موحَّدة للتبادلات حول العالم.
الأفراد كما الدول، يتّجهون إلى الذهب
كلام الخوري يعني زيادة في الطلب على الذهب، وهو أمر يُطبَّق على الدول كما على الأفراد. ففي مقال نشرته وكالة “بلومبرغ”، يأتي الطلب المتزايد بعد عام قوي بالفعل لشراء المعادن، خصوصاً في الدول الغربية، فيما بلغ الطلب على السبائك والعملات 1124 طناً في عام 2021، وفقاً لمجلس الذهب العالمي، وهو الأعلى منذ ما يقرب العقد.
وارتفعت أقساط التأمين بنحو 25 في المئة في شركة Goldcore للسمسرة في السبائك المادية، ومن المتوقَّع أن ترتفع أكثر، وفقاً لرئيسها التنفيذي، ستيفن فلود. ومن وجهة نظره، الدافع الرئيسي هو القلق بشأن العقوبات المالية المفروضة على روسيا، التي عملت على “تسييس وتسليح” نظام المدفوعات.
وقال فلود: “إنها خطة احتياطية نهائية لجعل المعدن في متناول اليد، ويبحث الجميع عن المعادن الثمينة الآن”.
ولا يزال مشترو الذهب أكثر من البائعين الآن، وفقاً لآش كوندرا، الذي يدير شركة J Blundell & Sons في حي Hatton Garden التاريخي للمجوهرات في لندن. ويعزو ذلك إلى البيئة الأكثر خوفاً بين مستثمري التجزئة. ويورد: “أشتري حوالي 60 في المئة ممّا كنت عليه في 2020، والآن، أنا أبيع أكثر”.



