أبعاد الإصلاحات المطلوبة دولياً ستُطيح بنظام «النيوباتريمونالية» القائم… هل من استجابة رسمية؟ (الديار 4 تشرين الأول)

يكثر الحديث عن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وما تحمله هذه المفاوضات من إصلاحات مطلوبة لكي يموّل صندوق النقد الدولي خزينة الدولة. هذه المفاوضات تحوي على الكثير من الخطوات التي تعدّل سياسات القطاع العام وحتى الخاص من خلال قوانين وحوكمة رشيدة تؤثر إيجابًا على سلوك النخبة السياسية والمواطن.
من حيث الشكل، النظام اللبناني هو نظام ديموقراطي برلماني ليبيرالي، يتمتع فيه الفرد بحرية المبادرة التي تُعتبر أُسسّ النمو الإقتصادي والإنمائي. عمليًا يظهر النظام اللبناني بعيدًا كل البعد عن نصّ الدستور، إذ أن التوصيف الحقيقي للنظام اللبناني الحالي لا سيما في خضم هذه الأزمة مشابهته الى حد بعيد نظام الـ «نيوباتريموناليًا» (Neopatrimonialism) وهو من الأنظمة التي كانت قائمة في الدول الأفريقية بين ستينات وتسعينات القرن الماضي.
قبل التعريف بنظام النيوباتريمونالي يجدر بنا التعريف بنظام الباتريمونالي أو ما يُعرف بالميراث التقليدي. فبحسب «ماكس ويبر» هذا النظام هو عبارة عن نظام حوكمة قائم على السيطرة التقليدية، القائمة بحدّ ذاتها على مفهوم عدم الفصل بين العام والخاص، وبالتالي تأتي كل السلطات من الزعيم. ويُمكن وصف هذا النظام بنظام مركب بين متغيرات عشوائية وتقاليد تعكس سيطرة الزعيم إلى حدود أبعد من القرابة، وتشمل عادة أنظمة أوتوقراطية أو أوليغارشية تستثني من الحكم الطبقات الإجتماعية الفقيرة والمتوسطة. وفي ظل هذه الأنظمة، يكون ولاء القوى العسكرية للزعيم وليس للأمة.
يفرض مفهوم «عدم الفصل بين العام والخاص» في النظام الباتريمونالي تداعيات على عمل النظام نذكر منها: الفساد الإقتصادي، الفساد المرتبط بالتبادل الإجتماعي، الزبائنية، المحسوبية، الأبوية، الأحقية في مداخيل الدولة… كل هذه المفاهيم تدخل ضمن مفهوم الباتريمونالية.
النظام النيوباتريمونالي أو ما يُسمّى بالميراث الجديد هو نظام هجين يدمج البانريمونال مع المؤسسات القانونية والعقلانية المُستعارة من مفهوم الدولة الحديثة. بتعبير أبسط، هو نظام من تسلسلي هرمي إجتماعي يستخدم فيه المستفيدون موارد الدولة لتأمين ولاء الأفراد من عامة الشعب، وتعتبر هذه العلاقة علاقة غير رسمية بين الراعي (الأب) والمواطن (الإبن) ويمكن أن تمتد من مستوى عالٍ جدًا في هياكل الدولة إلى مستوى الأفراد في القرى.
ويرى الباحث كريستوفر كلافام في كتابه «طبيعة دولة العالم الثالث»، أن النظام النيوباتريمونالي هو «شكل من أشكال التنظيم الذي تسود فيه العلاقات ذات النوع الباتريمونالي الواسع في نظام سياسي وإداري مبني رسميًا على خطوط عقلانية قانونية» وتُستخدم فيه السلطة من أجل المكاسب الشخصية بدلاً من الفصل القاطع بين المجال الخاص والمجال العام.
الاستقرار الديمقراطي والنيوباتريمونالي
مما لا شكّ فيه أن الزبائنية السياسية هي المحرك الأساسي للحكم في لبنان والعمود الفقري للثقافة السياسية اللبنانية. فترسيخ الدولة بشكل جيد فرض على السلطة السياسية توقيع عقد إستقرار إجتماعي مبني على تجارة الولاء السياسي من خلال تبادل الأشياء التي تعود بالفائدة على طرفي الإتفاق. وتتعدد مظاهر هذه الظاهرة بقدر ما هي معقدة.
رافقت الزبائنية عملية ترسيخ الديمقراطية وساهمت في الاستقرار السياسي، وهو ما نراه في قدرة السلطة على إدارة الأحداث التي ترافق تبادل السلطة (تغيير حكومي أو رئاسي). لكن بالتوازي كان هناك عملية تحفيز لتكوين مجموعات وإثرائها بحيث تكون قادرة على المساومة وعلى مشاركتها في دوام إعادة إنتاج النظام الاجتماعي والسياسي القائم. هذه الممارسات النيوباتريمونالية القائمة على الاستخدام الخاص لموارد الدولة، والتعايش بين القواعد الرسمية وغير الرسمية لممارسة السلطة، والخطوط غير الواضحة بين المجالين العام والخاص وهياكل الهيمنة واحتكار الثروة، لا تفضي عمومًا إلى التنمية وتطور المجتمع!



