القصة الكاملة لجداول بعبدا المفخخة!
علمت صحيفة “الشرق الأوسط” أن اجتماعاً عُقد في بعبدا سبق إرسال الجداول إلى الرئيس المكلف سعد الحريري بواسطة دراج في قوى الأمن الداخلي بعد اتصال تلقّاه الأخير من المديرية العامة لرئاسة الجمهورية من دون أن يبادر رئيس الجمهورية ميشال عون للاتصال به حسب الأصول المعتمدة للتخاطب بين أركان الدولة، ضم إضافة إلى عون، رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، ولم يتأكد ما إذا كان المستشار الرئاسي الوزير السابق سليم جريصاتي بين المشاركين فيه.
وبحسب المعلومات فإن إبراهيم حضر إلى بعبدا أثناء التداول بالجداول المزمع إرسالها إلى عون، ونصح بعد اطلاعه عليها بصرف النظر عنها، ليس لأنها تتضمن تخصيص عون بالثلث الضامن فحسب، وإنما لأنها تؤدي إلى تسميم الأجواء مع استعداد الحريري للتوجُّه للقاء عون في اجتماع جديد للبحث بتشكيل الحكومة، وبالتالي لا مصلحة لرئيس الجمهورية في إرسال هذه الجداول.
وأشارت مصادر سياسية واسعة الاطلاع الى أن عون أبدى للوهلة الأولى تفهُّما لوجهة نظر إبراهيم وطلب صرف النظر عنها، لكن المفاجأة كانت بتراجع عون عن موقفه واستجاب لطلب باسيل وقرر بعد انتهاء الاجتماع إرسال الجداول “المفخّخة” إلى بيت الوسط بخلاف ما تعهد به.
ولفتت المصادر نفسها إلى أن إبراهيم فوجئ لاحقاً بتفاصيل ما تضمنته هذه الجداول التي كانت وراء تسميم الأجواء بين عون والحريري، وقالت إن رئاسة الجمهورية قررت عن سابق تصوّر وتصميم تبنّي وجهة نظر باسيل، وإلا لماذا أحجمت عن تكليف اللواء إبراهيم بمهمة التوسُّط بين بعبدا وبيت الوسط، مع أن عون كان يراهن على نجاحه في مهمته ليلقي اللوم على الحريري بذريعة عدم التجاوب مع وساطته؟
وأكدت أن اللواء إبراهيم، الذي يوصف بـ«وسيط الجمهورية» ليس من الذين يُطلب منهم تسليم جداول لا يطّلع عليها سلفاً ويبدي رأيه فيها، وقالت إن الرئاسة الأولى أخطأت في تقدير رد فعل الحريري وكانت تراهن على أنه سيمتنع عن التوجُّه إلى بعبدا للقاء عون، لكن الحريري بادر إلى تعطيل الأفخاخ بإعادة «كرة النار» إلى مرسلها.
وكشفت أن الحريري بادر فور تسلُّمه الجداول للاتصال برئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أوفد معاونه السياسي النائب علي حسن خليل في محاولة لتهدئته ونصحه بعدم الرد، وقالت إن الأخير فوجئ برد فعل الحريري الذي بقي تحت سقف التوجُّه إلى بعبدا ليس لحشر عون فقط وإنما لتبيان الأفخاخ التي زرعها في الجداول المرسلة إليه.
وقالت إن بري لم يكتفِ بالتضامن مع الحريري، وإنما عبّر عنه بموقف لافت تمثّل في البيان الذي صدر عن اجتماع قيادة حركة «أمل» وفيه التأييد الكامل لموقف الرئيس المكلّف حيال تشكيل الحكومة، واعتبرت أنه جاء في الوقت المناسب لقطع الطريق على إقحام الشارعين السنّي والشيعي في دورة من الاحتقان على خلفية موقف «حزب الله» الداعم لعون والذي لم يفلح المعاون السياسي لأمينه العام حسين خليل في إقناع الحريري بأن نصر الله لم يستهدفه في خطابه الأخير.
ورأت أن إصرار عون على تفخيخ مشاورات التأليف يكمن في الضغط على الحريري للاعتذار عن تشكيل الحكومة، وصولاً للإطاحة باتفاق الطائف والأصول الدستورية المتبعة في تأليف الحكومة، وقالت إن ذلك يأتي في سياق «تمرير» مشاريع عون الانقلابية بإلغاء من يخالفه في الموقف، مستفيداً من دعم «حزب الله» الذي أنعشه وأعاد الاعتبار لباسيل.
وقالت إن «حزب الله» أتاح لعون تحسين شروطه في التسوية السياسية، لكنه فوجئ باستغلال عون لطروحات نصر الله في محاولة لكسر الحريري، وهذا ما أدى إلى إرباكه، خصوصاً أن الحزب وإن كان يملك فائض القوة، فإنه ليس مرتاحاً لأن خصومه يتعاملون معه على أنه يربط تشكيل الحكومة بمصير المفاوضات الأميركية – الإيرانية إفساحاً في المجال أمام طهران لجني الأرباح السياسية، مع أن عدداً من السفراء الأوروبيين يؤكدون أمام زوارهم بأن لا قدرة لبلد يتهاوى على دفع الأثمان لإيران.
ورأت أن باسيل انتعش من الخطاب الأخير لنصر الله، وقالت إنه على تنسيق دائم مع الحزب وهو كان وراء إصراره على المعادلة التي طرحها عون في كلمته إلى اللبنانيين، إما أن يشكل الحريري الحكومة بشروطه وإما يعتذر إفساحاً في المجال أمام شخص قادر على تشكيلها، مشيرة في نفس الوقت إلى أن عون يسعى لتوظيف لقائه برئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط في إطار الضغط على الرئيس المكلّف مع أن «التقدّمي» بحسب مصادره ليس في هذا الوارد، علماً بأن الحريري حرص قبل أن يتوجه للقاء عون على التواصل مع البطريرك الماروني بشارة الراعي عبر موفده إلى بكركي الذي وضع الراعي في أجواء الموقف الذي سيتخذه رداً على الجداول التي تسلّمها من عون.



