أخبار لبنانابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدوليتقارير وإحصاءات

تقرير- لبنان بين الدول الأكثر هشاشة أمام صدمات الطاقة… وتحذير من وكالة الطاقة الدولية

في وقت تتصاعد فيه تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على أسواق النفط والغاز، يبرز لبنان بين الدول الأكثر هشاشة أمام صدمات أسعار الطاقة، مع اعتماده على الاستيراد لتأمين نحو 95% من احتياجاته من الطاقة، واستمرار اعتماد شريحة واسعة من السكان على المولدات الخاصة، التي تصل تكلفة الاشتراك فيها لبعض الأسر إلى نحو 300 دولار شهرياً.

وفي تقرير يكشف حجم الضغوط التي تواجهها الاقتصادات العربية غير النفطية، حذّرت وكالة الطاقة الدولية من تفاقم الأعباء المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود واضطراب الإمدادات، مشيرةً إلى أن لبنان يأتي في مقدمة الدول التي قد تواجه تداعيات شديدة نتيجة ضعف البنية التحتية والأزمات المتراكمة، إلى جانب اليمن وقطاع غزة.

لبنان أمام أزمة طاقة مضاعفة

بحسب وكالة الطاقة الدولية، يستورد لبنان نحو 95% من احتياجاته من الطاقة على شكل وقود، ما يجعله شديد التأثر بتقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد.

وتزداد هشاشة الوضع اللبناني مع استمرار أزمة الكهرباء، إذ قدّرت الوكالة أن المولدات الخاصة كانت تؤمّن نحو نصف الكهرباء في البلاد مطلع عام 2026، في ظل اعتماد قطاع واسع من السكان عليها لتعويض انقطاع التغذية الكهربائية العامة.

ولفتت إلى أن تكلفة الاشتراك بالمولدات تصل لدى بعض الأسر اللبنانية إلى نحو 300 دولار شهرياً، في مؤشر إلى الأعباء التي تتحملها الأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية من الكهرباء.

وتضع هذه المعطيات لبنان أمام تحديات متزايدة، لا تقتصر على ارتفاع فاتورة استيراد الوقود، بل تمتد إلى انعكاس تكاليف الطاقة على القدرة الشرائية للأسر وكلفة تشغيل المؤسسات والشركات.

فاتورة واردات الوقود تقفز 66% في أربع دول عربية بينها لبنان

وفي مؤشر إلى حجم الصدمة التي تواجهها الدول المستوردة للطاقة، كشفت وكالة الطاقة الدولية أن إجمالي الإنفاق الشهري على واردات النفط الخام والمشتقات النفطية والغاز الطبيعي في أربع دول عربية، هي لبنان ومصر والمغرب وتونس، ارتفع إلى 4.6 مليارات دولار في آذار 2026، بزيادة تقارب 60% مقارنةً بكانون الثاني من العام نفسه.

ولم يتوقف الارتفاع عند هذا الحد، إذ وصلت الفاتورة الإجمالية للدول الأربع إلى 4.8 مليارات دولار في حزيران، مسجلةً زيادة تقارب 66% عن بداية العام.

واستحوذت المشتقات النفطية على الحصة الأكبر من الزيادة، فيما تضاعفت فاتورة الغاز الطبيعي خلال الفترة نفسها، مدفوعةً بصورة رئيسية بارتفاع واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال.

وحذّرت الوكالة من أن ارتفاع تكاليف الاستيراد يحدّ من قدرة الحكومات على دعم الأسر والشركات، ويقلّص الموارد المتاحة لتمويل أولويات اقتصادية أخرى، في ظل الضغوط المتزايدة على الموازنات العامة.

مصر تضاعف فاتورة الوقود وترفع أسعار الكهرباء

ولم تكن الضغوط محصورة بلبنان، إذ أشارت الوكالة إلى أن تكلفة واردات الوقود المصرية تضاعفت تقريباً خلال النصف الأول من عام 2026، ما زاد الأعباء على المالية العامة.

ودفعت هذه التطورات السلطات المصرية إلى رفع معظم تعريفات الكهرباء المنزلية بمتوسط 12% خلال تموز الماضي، مع الإبقاء على إجراءات لحماية المستهلكين الأقل دخلاً.

وبحسب الوكالة، تبلغ قيمة دعم الكهرباء في مصر نحو 1.9 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعكس حجم الأعباء المالية المرتبطة باستمرار دعم الطاقة، وحدود قدرة الحكومات على امتصاص الصدمات السعرية.

ارتفاع أسعار النفط لم ينقذ الدول المنتجة

ولم تقتصر تداعيات الحرب على الدول المستوردة للطاقة، إذ أوضحت وكالة الطاقة الدولية أن ارتفاع الأسعار العالمية لم ينعكس بالضرورة زيادةً في إيرادات الدول المنتجة للنفط والغاز.

فاضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وتعرّض منشآت الطاقة للهجمات أدّيا إلى تراجع صادرات عدد من المنتجين، رغم ارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية.

وفي العراق، تسبّب تراجع صادرات النفط وإغلاق بعض حقول الإنتاج بانخفاض إنتاج الغاز المصاحب بنحو 15.6 مليون متر مكعب يومياً بحلول أيار الماضي، أي بتراجع نسبته 60% مقارنةً بمستويات ما قبل الحرب.

وتزامنت هذه التطورات مع فقدان واردات الغاز الإيراني، ما فاقم أزمة الكهرباء العراقية، وسط عجز يُقدّر بنحو 35 غيغاواط خلال ذروة الطلب الصيفي.

كما واجه العراق نقصاً في البنزين بلغ نحو 6 ملايين ليتر يومياً، نتيجة محدودية الإنتاج المحلي واضطراب الواردات.

أما ليبيا، فرغم امتلاكها أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، فإن إنتاجها المحلي من الوقود لا يغطي سوى نحو ثلث احتياجاتها الاستهلاكية، ما يضطرها إلى الاعتماد على الاستيراد لتأمين الكميات المتبقية، بكلفة تقارب مليار دولار شهرياً.

250 مليار دولار سنوياً لدعم الوقود الأحفوري

وفي موازاة الضغوط الناتجة عن الحرب، كشفت بيانات وكالة الطاقة الدولية عن حجم الأعباء التاريخية لدعم الطاقة في المنطقة.

فقد أنفقت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في المتوسط، نحو 250 مليار دولار سنوياً على دعم الوقود الأحفوري خلال العقد الماضي، فيما تجاوز دعم الكهرباء وحده 80 مليار دولار عام 2023.

وأشارت الوكالة إلى أن أنظمة الدعم الواسعة ساهمت في إضعاف الحوافز لترشيد استهلاك الطاقة، بالتزامن مع تزايد الأعباء المالية على الحكومات.

واعتبرت أن استمرار ارتفاع الأسعار يكشف محدودية قدرة الدول على مواصلة دعم الطاقة بالآليات التقليدية، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه ضغوطاً مالية متزايدة.

لبنان واليمن وغزة… التداعيات الأكثر قسوة

وخصّت وكالة الطاقة الدولية الاقتصادات الهشة والمتأثرة بالنزاعات بتحذيرات إضافية، مشيرةً إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يترك تداعيات أشد في لبنان واليمن وقطاع غزة، نتيجة ضعف البنية التحتية وصعوبة ضمان استمرارية الإمدادات.

ففي لبنان، يزيد الاعتماد الكبير على الوقود المستورد والمولدات الخاصة من حساسية الأسر والشركات تجاه أي ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة.

أما في اليمن، فتتزامن أزمة الوقود مع انقطاعات متكررة للكهرباء، في وقت يبلغ فيه متوسط استهلاك الفرد نحو 243 كيلوواط/ساعة سنوياً، وهو من أدنى المستويات المسجلة عالمياً.

وتعكس هذه الحالات اختلاف طبيعة أزمة الطاقة بين الدول، إذ لا تتعلق المشكلة بالأسعار وحدها، بل تشمل القدرة على تأمين الوقود والكهرباء بصورة منتظمة وبكلفة يمكن تحمّلها.

وكالة الطاقة الدولية تدعو إلى تغيير مفهوم أمن الطاقة

وأمام هذه التطورات، دعت وكالة الطاقة الدولية إلى إعادة صياغة مفهوم أمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحيث لا يقتصر على امتلاك احتياطيات النفط والغاز، بل يشمل أيضاً ضمان وصول الإمدادات إلى المستهلكين بأسعار معقولة.

وشدّدت على أهمية تنويع مسارات تصدير النفط والغاز، وتوسيع مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي، وزيادة الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وتعزيز قدرة الدول على مواجهة الأزمات.

كما أوصت بإعادة توجيه الدعم نحو الأسر الأكثر احتياجاً، بدلاً من الاعتماد على الدعم العام للأسعار، بما يخفف الضغوط على الموازنات العامة ويحافظ على القدرة الشرائية للفئات الضعيفة.

وخلصت الوكالة إلى أن الأزمة كشفت تفاوت تحديات أمن الطاقة في المنطقة، ففي حين تواجه الدول المنتجة مخاطر تعطّل الصادرات وانخفاض الإيرادات، تتحمّل الدول المستوردة فواتير متزايدة، بينما تعاني الاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها لبنان، صعوبات إضافية في ضمان الحصول على الكهرباء والوقود بأسعار مقبولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى