الذكاء الاصطناعي والمراهقون: من المساعدة إلى الاعتماد؟

يشهد العالم اليوم توسّعاً متسارعاً في حضور الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، بالتوازي مع تصاعد التساؤلات حول مدى تأثير هذه الأدوات في أفكار الأفراد ومشاعرهم وقراراتهم، وحدود الدور الذي باتت تؤدّيه في حياتهم اليومية.
في الآونة الأخيرة، أثارت قضية المراهق ماتياس حبيب، البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، اهتماماً واسعاً، بعدما أقام والداه دعوى قضائية ضد شركة “أوبن إيه آي” (OpenAI) وشركات مرتبطة بها ورئيسها التنفيذي، متّهمين إياهم بالإخفاق في توفير الحماية اللازمة لابنهما والإسهام في وفاته.
وبحسب رواية العائلة، كان ماتياس يستخدم تطبيق “تشات جي بي تي” (ChatGPT) للحصول على المعلومات والمساعدة في التعلّم، قبل أن تتّخذ محادثاته منحى مختلفاً، وتتوسّع إلى نقاشات فلسفية ووجودية تتناول معنى الحياة والموت. وتتهم العائلة التطبيق بتعزيز تصوّرات مؤذية لدى ابنها، بدلاً من التعامل مع تساؤلاته بما يراعي سنّه وحساسية الموضوعات المطروحة، معتبرةً أن بعض استجاباته أسهمت في تعميق شعوره باليأس. وفي 22 نيسان/ أبريل 2026، توفي ماتياس منتحراً. وفي أعقاب وفاته، أطلقت عائلته مبادرة تحمل اسمه، تهدف إلى التوعية بالمخاطر المحتملة لاستخدام الأطفال والمراهقين للذكاء الاصطناعي.
تتجاوز هذه القضية حدود المأساة الفردية، لتطرح تساؤلاً أوسع حول طبيعة العلاقة التي تتشكّل بين المستخدم وروبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي: إلى أيّ مدى يمكن أن تتحوّل هذه الأدوات من وسيلة تُيسّر التعلّم وتوفّر المعلومات إلى مرجع يؤثّر في الأفكار والمشاعر ويوجّه القرارات؟
مع انتشار روبوتات المحادثة وتعدّد تطبيقاتها وسهولة الوصول إليها، اتّسعت مجالات استخدامها، وتجاوزت الاستعانة بها حدود الدعم الأكاديمي إلى طلب النصائح والفضفضة والمشورة في شؤون الحياة اليومية. ويكتسب هذا التحوّل أهمية خاصة لدى المراهقين، نظراً إلى خصوصية مرحلتهم النمائية؛ إذ قد يشجّع توافر هذه الأدوات وطابع استجاباتها الشخصي بعضهم على التعامل معها كصديق افتراضي أو موجّه، ما يثير تساؤلات حول احتمال تطوّر هذه العلاقة، مع مرور الوقت وتكرار الاستخدام، إلى شكل من أشكال الاعتماد المفرط عليها.
من الدعم الأكاديمي إلى الرفقة والمساندة العاطفية
نظراً إلى حداثة الموضوع، نستعرض جوانب من تجارب المراهقين مع هذه الأدوات، ودوافع استخدامهم لها وطبيعة علاقتهم بها، استناداً إلى بعض المراجعات الأدبية والدراسات الميدانية المتاحة. ومن بينها دراسة نوعية لبرايان لو وزملائه، اعتمدت مقابلات ومجموعات نقاش مع مراهقين في تركيا والولايات المتحدة، وأُتيحت على منصة “ريسرش سكوير” (Research Square) عام 2026 في نسخة أولية، وتناولت آراء المشاركين وتجاربهم.
أشار بعض المشاركين إلى استخدام هذه الأدوات لفهم الدروس وإنجاز المهام، ورأى بعضهم أنها تؤدّي دوراً شبيهاً بالمعلّم الخصوصي. وعبّر آخرون عن شعور متزايد بالاعتماد عليها في التفكير وحلّ المشكلات. وأبدى أحد المشاركين قلقه من أنه بات يعتمد على الذكاء الاصطناعي أكثر من قدراته العقلية، وخشي أن يصبح اللجوء إليه استجابة تلقائية تسبق محاولة التفكير الذاتي. في المقابل، رأى آخرون أهمية ضبط الاستخدام والتعامل مع الأداة بوصفها وسيلة للفهم، لا بديلاً عن التفكير.
ولم تقتصر جاذبية هذه الأدوات على المساعدة الأكاديمية؛ فقد تحدّث بعض المشاركين عن استخدامها للدردشة والرفقة. ووصف أحدهم إمكانية تصميم صديق افتراضي بالشخصية التي يرغب فيها، مشيراً إلى صعوبة العثور على شخص بهذه المثالية في الواقع.
وتوقّف مشارك آخر عند ما وصفه بالتأييد المستمرّ، فرأى أن الأداة قد تتعامل مع المستخدم كما لو كان على حقّ، حتى حين يكون مخطئاً. ومع إقراره بأن “الدعم أمر جميل”، أشار إلى أن المختصّ النفسي قد يدعوه إلى مراجعة أفكاره.
تبرز هذه المقارنة فرقاً بين تأييد غير نقدي قد يزيد اقتناع المستخدم بأنه على صواب، بما قد يسهم في ترسيخ معتقدات وأفكار تعيق تعامله مع المواقف، وبين مساندة متخصّصة تساعده على فهم مشاعره وفحص أفكاره وتفسيراته للمواقف، وتنمية قدرته على المراجعة الذاتية.
ومن زاوية أخرى، تنقل مراجعة أدبية لسيموس وزملائه من جامعة أثينا في اليونان، نُشرت في مجلة مجلة “وورلد جورنال أوف أدفانسد ريسيرش أند ريفيوز” (World Journal of Advanced Research and Reviews).، عن دراسات سابقة أن بعض المراهقين أشاروا إلى شعورهم بوصمة اجتماعية أقل عند التفاعل مع هذه الأدوات مقارنةً باللجوء إلى المرشد المدرسي. فما تتيحه هذه الأدوات، في تصوّرهم، من إمكانية إخفاء الهوية والتحكّم في التفاعل قد يخفّف الحرج والخشية من أحكام الآخرين، ويشجّعهم على التواصل والتعبير عن مشكلاتهم ومشاعرهم.
نحو استخدام متوازن: فهم المخاطر وتحمّل المسؤوليات
يثير الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي، والرجوع إليها تلقائياً طلباً للإجابات والحلول، مخاوف من تقلّص فرص التعلّم من التجارب الحياتية المباشرة، حين يكتفي المراهق بالإجابات التي تقدّمها هذه الأدوات، بدلاً من تحليل الموقف وخوض التجربة والتعلّم منها.
فالتفاعل مع الآخرين ومناقشة وجهات النظر المختلفة يتيحان للمراهق تطوير أفكاره ومراجعتها، ويعزّزان قدرته على التفكير المستقلّ والنقدي. كما تسهم المواقف التي يعيشها يومياً، وما يتعلّمه من التعامل معها ومن أخطائه خلالها، في تنمية مهاراته الاجتماعية والانفعالية، بما يدعم نضجه وقدرته على التعامل مع المواقف الحياتية المختلفة.
ولا يُختزل التعامل مع المشكلات الحياتية وما تثيره من تساؤلات في الحصول على إجابات جاهزة؛ إذ تختلف احتياجات الأفراد وطرق استجابتهم باختلاف أعمارهم وخبراتهم وظروفهم النفسية والاجتماعية.
وتبرز أيضاً مخاوف من أن يحدّ الاعتماد المفرط على هذه الأدوات من فرص التواصل وتكوين الصداقات، ويعزّز الميل إلى العزلة. ويضاف إلى ذلك احتمال مجاملتها للمستخدم وتأييد أفكاره، وما قد يصاحب ذلك من شعور دائم بأنه على صواب، بما قد يضعف تقبّله للنقد ومراجعته لمواقفه. وتبقى هذه وغيرها من المخاطر المحتملة موضع رصد وتقييم، في ظلّ تطوّر هذه الأدوات واتّساع استخداماتها.
وانطلاقاً مما سبق، يمكننا طرح تساؤلات في ضوء واقعنا وتجاربنا مع أبنائنا، ولا سيما المراهقين منهم، لتقييم استخدامهم لهذه الأدوات. ويتجاوز هذا التقييم مدّة الاستخدام إلى دوافعه وأشكاله ومكانة هذه الأدوات في حياتهم: لماذا يلجأون إليها، وما الحاجات التي يسعون إلى تلبيتها؟ كيف يتغيّر استخدامها مع الوقت؟ وهل يتحقّقون من دقّة إجاباتها وملاءمتها لظروفهم؟ وإلى أيّ مدى يعتمدون عليها في التعلّم والتفكير وحلّ المشكلات؟ وهل أصبحت مرجعهم الأول عند الشعور بالضيق أو البحث عن إجابات أو اتخاذ القرارات؟
تتمثّل الغاية من هذا التقييم في فهم دوافع الاستخدام ودرجة الاعتماد على هذه الأدوات، وتوجيه استخدامها في ضوء فوائدها وحدودها، مع متابعة تطوّر أنماط الاستخدام وما قد يتكشّف من مخاطر، والتدخّل عند الحاجة. ويشمل ذلك الاستعانة بها للشرح والتبسيط والتوجيه، مع فحص إجاباتها والتحقّق من معلوماتها، وإبقاء مساحة للجهد والتفكير والمراجعة، والحفاظ على مكانة الدعم البشري واستقلالية القرار.
ويتطلّب ذلك تحقيق توازن يحفظ مساحة للجهد والتفكير والمراجعة والنقد، وللتفاعل مع الآخرين وخوض التجارب والتعلّم منها. ويستند هذا التوازن إلى مسؤولية مشتركة بين الجهات المطوّرة والمشغّلة، ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، والمتخصّصين، والمستخدمين أنفسهم، كلٌّ بحسب دوره وقدرته.
مسؤولية مشتركة بين الشركات والأسرة والمدرسة
تقع على الجهات المطوّرة والمشغّلة مسؤولية توفير تدابير حماية وتجارب استخدام تراعي أعمار المستخدمين، والتحقّق من العمر عند الضرورة، وحماية البيانات الشخصية، ورصد مؤشرات الخطر والاستجابة لها، وتيسير الوصول إلى دعم بشري متخصّص عند الحاجة. ويشمل ذلك إتاحة مراجعة بشرية للتفاعلات عالية الخطورة، وتقييد الإجابات التي قد تعرّض المستخدم للخطر، وإخضاع هذه التدابير للتقييم والتطوير المستمرّين.
وتتكامل هذه الجهود مع دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ولا سيما الأسرة والمدرسة، في متابعة أنماط الاستخدام وتقييم آثارها في التعلّم والعلاقات، مع تعزيز التواصل المنتظم بينهما لتنسيق التوجيه والمتابعة.
وللمدرسة، بحكم حضورها اليومي في حياة المراهقين، دور في تقديم توجيه منهجي ومستمرّ، وفتح مساحات للحوار مع الطلاب حول تجاربهم مع هذه الأدوات وما يشغلهم من تساؤلات وهواجس، فضلاً عن توفير مرجعية موثوقة للمشورة عند الحاجة.
ويشمل هذا الدور وضع قواعد واضحة تحدّد متى يُسمح بالاستعانة بهذه الأدوات، وكيفية الإفصاح عن استخدامها في الأعمال المدرسية، مع تشجيع الممارسات المسؤولة واعتماد إجراءات تربوية متدرّجة ومتناسبة عند مخالفة القواعد، بما يوجّه الطالب إلى استخدامها للمساندة في التعلّم، لا للاتّكال عليها.
الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان لا بديلاً عنه
تبقى الغاية تمكين الإنسان من الاستفادة من هذه الأدوات مع الحفاظ على استقلالية تفكيره، وعدم الاكتفاء بتلقّي الإجابات وقبولها من دون مراجعة. فهذه الأدوات، التي صنعها الإنسان ويواصل تطويرها، ينبغي أن تبقى في خدمة قدراته، وأن يخضع استخدامها لحدود وضوابط واضحة.
ومهما اتّسعت إمكاناتها، فإنّ قيمتها تكمن في توسيع آفاق الإنسان ودعم قدرته على التفكير، لا في الحلول محلّها. فالمطلوب ليس رفض الذكاء الاصطناعي أو الحدّ من الاستفادة منه، بل توظيفه بوعي ومسؤولية، بما يتيح للمراهقين الاستفادة من إمكاناته من دون أن يفقدوا قدرتهم على التفكير النقدي، أو مساحة التفاعل الإنساني، أو استقلالية القرار.



