كتاب نهوض لبنان (12): بنية القوى العاملة وخصائصها في لبنان

في ظل الضياع الذي يسود البلاد جراء الاختلاف على خطة الانقاذ المالي، والانتقادات التي وجهت اليها من قبل الكثير من القوى السياسية والجهات الاقتصادية لتضمنها الكثير من الاجراءات والافكار التي تتعارض مع الدستور وتضرب النظام الاقتصادي الحر، فضلاً عن عدم تضمنها برنامجاً واضحاً للنهوض بالاقتصاد الوطني،
تبرز الحاجة الملحة الى الكتاب الذي عمل على وضعه واعداده رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السابق روجيه نسناس، حين كان لا يزال يشغل هذا المنصب في العام 2016، تحت عنوان: نهوض لبنان، نحو دولة الانماء، لكونه يقدم حلولاً عملية وعلمية لمشكلات لبنان الاقتصادية ولكونه يقدم سلسلة متكاملة من الاقتراحات والسياسات والتدابير التي تسمح بإعادة وضع الاقتصاد الوطني في مسار التعافي والنهوض وحماية قوته البشرية.
إنطلاقاً من هذه الاعتبارات فإن موقع leb economy files سيقوم بنشر محاور الكتاب التي يتضمنها بشكل متلاحق،
في حلقة اليوم (12) ننشر الفصل الثاني عشر تحت عنوان “بنية القوى العاملة وخصائصها في لبنان”
_____________________
بنية القوى العاملة وخصائصها في لبنان
1- مقدمات حول الإطار العام الإقتصادي المؤثّر في واقع القوى العاملة وتطورها:
يتناول هذا البحث تحليل بنية وخصائص القوى العاملة في لبنان، التي تضم – لجهة تعريفها الإحصائي – جميع العاملين في القطاعات وفروع النشاط الإقتصادي كافة، إضافة الى المتعطلين عن العمل. وتشكل القوى العاملة الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي والاجتماعي، وتؤثّر خصائصها الى حدّ كبير في تقرير نسق تطور الإقتصاد الوطني، كما أن هذه الخصائص تتأثر، بدورها، بالمنحى العام الذي يرتديه هذا التطور الإقتصادي في المدى المتوسط والطويل. هذا مع العلم أن أهمية الدور الذي تلعبه القوى العاملة كرافعة للإقتصاد عموما، قد إزدادت سطوعا خلال العقود الثلاثة المنصرمة، بفعل إنتقال النظريات الإقتصادية العالمية منذ أواسط الثمانينات، من التركيز شبه الحصري على المفهوم الضيّق للنمو الإقتصادي الى التركيز الأوسع نطاقا على مفهوم التنمية الإقتصادية، ثم الى التركيز بشكل خاص على مفهوم التنمية البشرية المستدامة الذي يتمحور حول دور “البشر” في صنع النمو أكثر مما يتمحور على دور “الحجر”. وبغية فهم واقع القوى العاملة وتطوره – كما ونوعا – فان ثمّة حاجة موضوعية للإحاطة المكثّفة بالأسس والآليات التي حكمت تطور الهيكل الإقتصادي للبلد خلال حقبة ما بعد الحرب الأهلية، ذلك أن العلاقة بين طرفي هذه المعادلة هي علاقة قوية ومثبتة إحصائيا، بحسب ما تؤكده التجارب الدولية المختلفة.
لقد تأثر تطور الإقتصاد اللبناني على إمتداد فترة ما بعد الحرب (الأهلية) بتعاقب الصدمات السياسية والأمنية الناتجة عن النزاعات الداخلية والإعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ثم بشكل خاص عن التداعيات الشاملة التي خلفتها على لبنان الأزمة السورية المتواصلة منذ عام 2011. غير أن هذا التطور الإقتصادي تأثر أيضا وبقوة أكبر خلال الفترة ذاتها بعوامل وسياسات كلّية داخلية كان لها الأثر التفاعلي، الكبير والمباشر، ليس فقط على الأوضاع الإقتصادية عموما، بل كذلك على واقع القوى العاملة وخصائصها الرئيسية. وفي هذا الإطار، يمكن التوقف عند أبرز هذه العوامل كالآتي:
- إنطوى نمط إنخراط لبنان وتعامله مع ظاهرة العولمة بعد التسعينات على بعض أوجه الخلل، مما ساهم في الحدّ من المنافع الكامنة التي كان يمكن للبنان أن يحصدها من تعاطيه مع هذه الظاهرة، كما ساهم في زيادة الجوانب السلبية المرتبطة بها. فقد تزامن تحقيق “الوفاق الوطني” في ختام الحرب الأهلية، مع الغلبة الواضحة على المستوى الكوني للنظريات الاقتصادية النيو- ليبرالية التي عبّر عنها بشكل حاسم “توافق واشنطن” (Washington Consensus)، وما تمخّض عنه من دعوات لتحرير تبادل السلع والخدمات وتنفيذ التصحيح الهيكلي وتقليص دور الدولة وتعزيز “إقتصاد جانب العرض” (Supply Side Economy). وقد جرى بصورة عامة إستسهال الإعتماد على سياسة “اليد المرفوعة” والتسرّع في تحرير المبادلات التجارية من خلال الإنخراط الملتبس في مفاوضات منظمة التجارة العالمية وإتفاق الشراكة الأوروبية المتوسطية، قبل توفير متطلبات التوازن النسبي في المصالح المرتبطة بهذه المفاوضات. وهذا ما أدى عمليا الى تفريط – من دون مقابل مقنع – في موجبات حماية الإنتاج المحلي، وساهم في تفاقم العجز التجاري وتوسيع التبعية للأسواق الخارجية، وفي إخضاع الطرف اللبناني لشروط التبادل التي يحددها الطرف الأجنبي في غير مجال (التحكم بعملية تقرير أسعار الإستيراد العالمية، والإزدواجية في نمط تعريف وممارسة السياسات الإغراقية، وعدم تسهيل عملية نقل التكنولوجيا، والتشدّد في فرض الإلتزام الصارم بالقواعد التي يحددها الطرف الأجنبي في مجال حماية الملكية الفكرية وشهادات المنشأ ومعايير الإنتاج ومواصفاته).
- سجّلت منذ أوائل التسعينات تقلبات حلزونية حادة في معدلات النمو السنوية – بحسب ما يظهره الرسم البياني رقم (1) – حيث شهدت هذه المعدلات دورات متعاقبة من الانتعاش والتباطؤ في النمو. وشهدت الحقبتان الممتدتان بين عام 1993 وعام 1995 ثم بين عام 2007 وعام 2010، أعلى معدلات النمو، وذلك كنتيجة في الحقبة الأولى للإقلاع الإقتصادي الطبيعي (Take-off) بمجرّد إنتهاء الحرب الأهلية والشروع في عملية إعادة الإعمار، وكنتيجة في الحقبة الثانية للآثار الإقتصادية الإيجابية التي حصدها لبنان من جرّاء تفجر الأزمة الإقتصادية العالمية، والتي ساهمت في تحويل هذا البلد الى ملجأ – ولو مؤقت – لتدفقات كبيرة نسبيا من التحويلات ورؤوس الأموال والإستثمارات الأجنبية المباشرة (مع العلم أن لبنان لم يحسن إستخدام هذه الفرصة التي نادرا ما تتكرر في الظروف العادية). في المقابل فان أدنى معدلات النمو سجّلت خلال الفترة الممتدة ما بين عام 1998 وعام 2003، إرتباطا بإستنفاد مفاعيل عملية إعادة الإعمار وبدء ظهور وتعاظم أزمة العجز المالي والدين العام، وتلتها حقبة ثانية من التراجع الحاد في معدلات النمو بعد عام 2011 مع بدء الإنتفاضات العربية وبخاصة مع بروز مشكلة النزوح السوري الى لبنان. ومن الواضح أن هذا النمط الحلزوني من تطور معدلات النمو قد إنعكس سلبا على أداء سوق العمل اللبنانية وعلى بنية القوى العاملة في هذه السوق. وبشكل عام، بلغ معدل النمو الإقتصادي السنوي منذ منتصف التسعينات (نحو 4% وسطيا)، أي نصف ما كان متوقعا بلوغه بموجب البرامج الإعمارية التي وضعت في النصف الأول من التسعينات.
- إرتباطا بهذه التوجهات، تراجعت على إمتداد العقدين المنصرمين دائرة الاقتصاد الحقيقي، وسط بروز أشكال من التورّم المالي الناجم عن صيغ تمويل الإنفاق العام، وتعاقب طفرات عقارية ذات طابع ريعي، خصوصا في الإطار المديني، وإنخفاض الوزن النسبي للزراعة والصناعة في الناتج المحلي القائم بنسبة لا تقل عن الثلث، وإنحصار الإنتاج ذي القيمة المضافة العالية والقابلية للتصدير في رقعة ضيقة من الأنشطة الإقتصادية الشديدة التركز. وقد ساهم ضعف حجم ونوع مرافق البنية التحتية الأساسية (لا سيما الكهرباء)، وإرتفاع تكاليف الإنتاج المحلية – نتيجة تشوّه بنية الأسعار الداخلية وإرتفاع أسعار الصرف الخارجية للعملة الوطنية مثقّلة بسلّة العملات الأجنبية – في إضعاف القدرة التنافسية للإنتاج المحلي والتقليص النسبي لحركة التصدير، سواء ما يتعلق منها بتصدير السلع أو بتصدير الخدمات. وجرى التعبير بصورة غير مباشرة عن هذه التطورات عبر الإزدياد الكبير في دور الإستهلاك كمحدّد للنمو الإقتصادي – وبخاصة الإستهلاك المرتكز الى الإستيراد وليس الى الإنتاج المحلي – وكذلك عبر الطفرة الكبيرة في الخدمات الطفيلية القليلة الانتاجية وغيرها من الأنشطة البسيطة والمرتجلة. وإرتباطا بهذا النمط من النمو الإقتصادي إنخفضت نسبة تغطية الصادرات للمستوردات الى نحو نصف ما كانت عليه في أواسط السبعينات، مع ما يعنيه ذلك من آثار سلبية على توازن إنتظام أداء سوق العمل المحلية.
جدول 1: نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الأعوام 1997-2009، بحسب القطاعات الاقتصادية
| القطاع الاقتصادي | معدلات النمو التراكمية للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي | متوسط معدلات النمو السنوية للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي | نسبة المساهمة في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي |
| الزراعة وتربية المواشي | 11.1% | 0.9% | 1.4% |
| الطاقة والمياه | 73.9% | 6.3% | -1.8% |
| الصناعة | 20.2% | 1.5% | 4.7% |
| البناء | 40.3% | 2.9% | 8.0% |
| الخدمات | 78.0% | 4.9% | 79.0% |
| التجارة | 71.6% | 4.6% | 27.4% |
| النقل والاتصالات | 216.8% | 10.1% | 18.5% |
| خدمات الأعمال | 97.5% | 5.8% | 4.6% |
| صيانة وتصليح | 13.5% | 1.1% | 0.2% |
| إسكان | 25.9% | 1.9% | 3.0% |
| الفنادق والمطاعم | 90.7% | 5.5% | 4.0% |
| خدمات شخصية | 12.9% | 1.0% | 0.6% |
| خدمات صحية | 69.6% | 4.5% | 5.5% |
| خدمات التعليم | 36.1% | 2.6% | 4.8% |
| خدمات مالية | 104.0% | 6.1% | 10.6% |
| القطاع الحكومي | 47.3% | 3.3% | 8.5% |
| مجموع الناتج المحلي الإجمالي | 61.3% | 4.1% | 100.0% |
- إنعكس بروز مشكلة العجز المالي والدين العام في هذه الفترة بصورة جلية على أداء الإقتصاد اللبناني وإستقراره، وبخاصة على قدرة الدولة في تمويل نفقاتها. وسهّل غياب الموازنات وعمليات قطع الحساب السنوية منذ عام 2005، توسعا خارجا عن السيطرة في الانفاق العام الجاري المشبع بالهدر، بالتزامن مع الغياب الفعلي للرقابة التشريعية والمؤسسية على تطور هذا الإنفاق. وهذا ما أفضى الى إستمرار تنامي عجز الدولة المالي، بالرغم من إرتفاع حجم الإقتطاع الضريبي بنسبة تكاد تصل الى الضعفين منذ أواسط التسعينات. وقد فرض هذا الواقع على الطبقة السياسية العمل بكل السبل – بغية تغطية إنفاقها – على إستجلاب رؤوس الأموال والتحويلات والمساعدات و”الأمانات” من الخارج، عبر مؤتمرات الدول المانحة والعلاقات الوثيقة مع الدول العربية النفطية، مما مكّن المصارف من تحقيق إرتفاع مستدام في حجم ودائعها المصرفية، وأتاح للدولة مواصلة إقتراض جزء أكبر فأكبر من هذه الودائع – وإن بفوائد مرتفعة نسبيا – كي تتمكن من تمويل العجز وخدمة الدين. وسخّرت الدولة مجمل عناصر السياستين النقدية والمالية وسياسة الفوائد المرتفعة تحقيقا لهذا الغرض، متجاهلة النتائج السلبية المترتبة عن تلك السياسات على المستوى الماكرو-إقتصادي.
- إن هذا النمط من التطور الإقتصادي قد حال عمليا دون تحقيق أحد الأهداف الأساسية للخطط الإعمارية التي وضعت في النصف الأول من التسعينات، الذي كان يرمي الى ردم الفجوات الإقتصادية بين المناطق، إذ إستمرّ تركّز النشاط الاقتصادي عموما في اطار “بيروت الكبرى”، في مقابل استمرار تراجع الوزن الاقتصادي للمناطق الطرفية، لجهة حصتها من شبكات البنى التحتية الأساسية والاستثمارات الانمائية الخاصة ومن فرص العمل المتاحة وثمرات النمو الاقتصادي. وإنعكس هذا التفاوت المناطقي خللا موازيا في العلاقة بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، في ما يتصل بادارة وتوجيه عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أبعادها الجغرافية. وبقي الواقع المحلي والبلدي خارج بيروت الكبرى خاضعا لآليات الإستقطاب الإقتصادي التي يتحكم بها تحالف المصالح القابض على القرار في “المركز”، سواء على مستوى التشريع أو التجهيز الرأسمالي أو الإمداد بالموارد البشرية أو التمويل (المستحقات البلدية لدى الصندوق البلدي المستقل). ويتحمل هذا الخلل في علاقة المركز بالأطراف الى حدّ كبير مسؤولية تنامي المشكلات المتعلقة بأداء سوق العمل خارج بيروت الكبرى، ولا سيما في محافظتي الشمال والبقاع حيث تسجّل أدنى معدلات للنمو الإقتصادي وتكاد تنعدم فرص العمل الجديدة.
- إذا كانت الحقبة الإعمارية في النصف الثاني من التسعينات قد نجحت في تحقيق تقدم نسبي على طريق إعادة بناء وتطوير شبكات المرافق العامة والبنى التحتية الأساسية، إلا أن أوضاع هذه الشبكات سرعان ما إنتهت الى درجة مريعة من التردي بعد فترة وجيزة نسبيا من إنطلاق المشروع الإعماري، وهذا ما تشهد عليه راهنا أحوال قطاعات الكهرباء والطاقة والمياه والنقل العام والتعليم الرسمي. وقد نجم هذا التردي – الذي لا يخدم مسألة النمو وخلق فرص العمل – عن الإنخفاض الحاد في الإستثمار العام بدءا من أوائل الألفية الثالثة، وعن عدم تشكيله وسطيا أكثر من 7% من إجمالي الإستثمار الوطني خلال السنوات الأربعة الأخيرة. فقد أدى إنشغال الطبقة السياسية بمصالحها الخاصة وتنافسها على إقتطاع ما يمكن إقتطاعه من الإنفاق العام الجاري وغير المنتج، الى نقص فادح في تطوير وصيانة مرافق البنية التحتية الأساسية، والى فشل ذريع في إعادة بناء المؤسسات والإدارات العامة وزيادة إنتاجية الموارد البشرية المستثمرة فيها. وفي المحصّلة العامة، إنطوت زيادة الإنفاق العام الجاري على إرتفاع قياسي في كلفة الطبقة السياسية (معبّرا عنه بما تقتطعه بصيغ شتى من هذا الإنفاق العام)، بالترافق مع إنخفاض قياسي في حجم ونوع الخدمة العامة التي كان يفترض أن تقدمها هذه الطبقة لعموم المواطنين.
- على المستوى الإجتماعي، لم ينجح نمط النمو الإقتصادي السائد في تحسين الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من العاملين. وتدعم هذا الإستنتاج مروحة واسعة من المؤشرات الرسمية وشبه الرسمية، ومن ضمنها إنخفاض حصة الأجور من الناتج المحلي القائم عمّا كانت عليه في أواسط التسعينات، في مقابل زيادة حصة الأرباح الرأسمالية والريوع. ولم يكن هذا الإنخفاض محكوما بتراجع نسبة الأجراء من مجموع العاملين، بقدر ما كان محكوما بالخلل المتصاعد بين تطور أسعار الإستهلاك من جهة وتطور متوسط الأجر الفعلي من جهة ثانية. كذلك تعمّقت مؤشرات عدم المساواة والتمييز التي يعاني منها العاملون، لجهة حجم ونوع إنتفاعهم الفعلي من التقديمات الإجتماعية والخدمات العامة الأساسية، وبخاصة ما يرتبط منها بخدمات التقاعد والصحة ونوعية التعليم (لا سيما التعليم الرسمي) وتأمين الكهرباء والماء والنقل العام والرعاية الإجتماعية ومساعدة المعوّقين. فنصف اللبنانيين يفتقد راهنا الى تغطية صحية نظامية، بينما يفتقد نحو ثلثي اللبنانيين الى نظم أو برامج تقاعد نظامية، ومن ضمنهم أكثر من 150 ألف أجير في القطاع الخاص النظامي وغير النظامي ممن لم يتم التصريح عنهم للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي. كذلك يفتقد جميع اللبنانيين الى أي نظام تأميني مخصّص لمساعدة المتعطلين عن العمل، في الوقت الذي تتعاظم فيه ظاهرة البطالة المتركزة أساسا في صفوف الشباب والعمال المنتمين الى أسر فقيرة وما دون متوسطة. وتزداد كذلك مؤشرات عدم العدالة في توزيع الأعباء الضريبية، حيث يتركّز القسم الأكبر من هذه الأعباء على إستهلاك الأجراء والفئات الإجتماعية المتوسطة والفقيرة، من خلال إستمرار الغلبة الساحقة للضرائب والرسوم غير المباشرة على إيرادات الدولة.
2- الواقع الراهن للقوى العاملة وتطور خصائصها في لبنان:
أولاً، الفجوات الإحصائية:
قبل الشروع في تحليل واقع القوى العاملة وخصائصها، لا بدّ من الإشارة الى بعض النواقص والقيود الإحصائية التي تعترض عملية الإحاطة الوافية بمجمل جوانب هذا الواقع. ويمكن في هذا المجال التوقف عند المحددات البحثية الأساسية التالية:
- الإفتقاد الكلي الى مسوحات ديموغرافية وطنية بالمعنى الدقيق للكلمة (المسح الديموغرافي الوطني الوحيد يعود الى عام 1932)، في بلد مثل لبنان، يتميّز بصغر حجمه وبانفتاحه الشديد على تيارات الهجرة الخارجية منذ ما قبل إندلاع الحرب الأهلية، ثمّ خصوصا بعد إنتهاء هذه الحرب.
- وجود ندرة نسبية وعدم إنتظام دوري في تنفيذ التحقيقات الميدانية (إستنادا الى عيّنات إحصائية) التي تتعلق بالقوى العاملة وبسوق العمل، وبالتالي وجود تباعد في الفترات الزمنية الفاصلة بين هذه التحقيقات.
- الإختلاف، معظم الأحيان، في المنهجيات المعتمدة في تلك التحقيقات (بما يخص بعض التعريفات والمفاهيم وطرق إختيار العيّنات والمنهجيات الإحصائية المعتمدة).
- إكتفاء معظم التحقيقات الميدانية بإصدار النتائج الإحصائية على مستوى المحافظات اللبنانية، من دون النزول الى مستوى القضاء أو المدن الرئيسية.
- الإفتقاد الى قانون (لبناني) يحدّد مفهوم الإقامة، ويتيح بالتالي التمييز الدقيق – في كل ما له علاقة بتقدير إجمالي عدد اللبنانيين المقيمين في لبنان وإجمالي عدد العاملين بينهم – بين من هم مقيمون فعلا في لبنان ومن هم غير مقيمين.
- عدم شمول معظم – إن لم يكن كافة – التحقيقات المذكورة لفئات إجتماعية متنوعة تشكل من الناحية العملية جزءا لا يتجزأ من القوى العاملة، ومن الأمثلة على ذلك: الفلسطينيون المقيمون في المخيمات، العمالة الأجنبية الرخيصة الوافدة الى لبنان، اليد العاملة السورية (قبل بدء حركة النزوح السوري الى البلد، ومن ثمّ بعده).
إن هذه الفجوات الإحصائية تنطوي على تعقيدات كثيرة بالنسبة الى التحليل الراهن لواقع القوى العاملة في لبنان، حيث يتبين أن المعطيات الرسمية الأكثر تفصيلا حول هذا الموضوع تعود الى عام 2004 (إدارة الإحصاء المركزي 2004)، وأن بعض التحديث قد طالها عام 2009 (إدارة الإحصاء المركزي 2009)، في حين صدرت معطيات غير رسمية حول الموضوع نفسه في فترات مختلفة ما بين عام 2004 وعام 2012، إنطلاقا من دراسات أو أعمال ميدانية نفّذتها مؤسسات دولية كالبنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، أو نفذتها جامعات ناشطة في لبنان كالجامعة اليسوعية. وإذ تميل هذه المعطيات الرسمية وغير الرسمية الى الإنسجام والتوافق بصورة عامة، إلا أن فروقات ملحوظة تبرز بينها في العديد من المؤشرات التفصيلية، إما بسبب تباين المقاربة المنهجية أو بسبب تفاوت مضمون إستمارات البحث الإحصائي ودرجة شموله الميداني. وسوف تسعى هذه الورقة لدى إستخدامها ما هو متاح من نتائج إحصائية متنوعة، الى ذكر المرجع البحثي المحدّد الذي إستخلصت منه هذه النتائج.
جدول 2: أهم الأعمال الميدانية الإحصائية التي تناولت خصائص القوى العاملة في لبنان
| سنة تنفيذ العمل الإحصائي | 1970 | 1997 | 2003 | 2004 | 2007 | 2009 |
| الجهة المنفذّة للعمل الإحصائي | إدارة الإحصاء المركزي | إدارة الإحصاء المركزي | جامعة القديس يوسف | إدارة الإحصاء المركزي | إدارة الإحصاء المركزي | جامعة القديس يوسف |
| منظمة العمل الدولية | ||||||
| المركز التربوي للبحوث والإنماء | ||||||
ثانياً، مقاربة كلية مكثّفة حول الإتجاهات الأساسية الناظمة لسوق العمل:
يلاحظ بشكل عام أن إرتفاع معدلات النمو الإقتصادي خلال العشرية المنصرمة لم يترافق مع نمو مواز في عملية خلق فرص عمل جديدة. ويشير البنك الدولي الى أن معدل النمو السنوي الوسطي للناتج المحلي القائم قد بلغ نحو 3،7% بين عام 1997 وعام 2009، بينما إقتصر نمو القوى العاملة في الفترة نفسها على معدل لا يتجاوز 1،1%. وإضافة الى هذا التفاوت ذي الدلالة الإقتصادية الواضحة، تبرز مفارقة كبرى متمثّلة في أن غالبية فرص العمل التي خلقها الإقتصاد المحلي في تلك الفترة تركزّت في قطاعات ضعيفة الإنتاجية وشغلتها بصورة عامة فئات من اليد العاملة ذات مهارات متدنية، في الوقت الذي كان فيه النظام التعليمي اللبناني يتوسّع في إنتاج عدد أكبر فأكبر سنويا من الخريجين ذوي المهارات العالية نسبيا. وقد إنطوت العشرية المنصرمة – كما سيبيّن تفصيلا في متن الورقة – عن إنتقال تدريجي للقوى العاملة من القطاعين الزراعي والصناعي الى أنشطة في القطاع الثالث ذات إنتاجية عمل منخفضة (تجارة المفرّق، صيانة السيارات لا سيما المستعملة منها، النقل والتخزين، النشاط العقاري، …)، بالتزامن مع نمو مطرد في نسبة العاملين لحسابهم الخاص. وقد بيّن البنك الدولي بالتحديد أن 61% من إجمالي عدد العاملين لحسابهم و35% من إجمالي الأجراء هم ملتحقون راهنا بأنشطة خدمية بسيطة ومتدنية الإنتاجية، بينما ينخرط فقط 14% من الأجراء و3% من العاملين لحسابهم في أنشطة خدمية مرتفعة الإنتاجية. ومن الواضح أن النمط اللبناني لعملية الإنتقال التدريجي للقوى العاملة من القطاعين الأول والثاني الى القطاع الثالث، يختلف بشكل جذري عن النمط المحقّق في البلدان الصناعية، حيث حصل هذا الإنتقال في الغالب نحو أنشطة خدمية مرتفعة الإنتاجية، تعزّز نموها أساسا بفعل إكتمال عملية “نضوج” القطاع الصناعي وتشبّعه. وهذا ما يؤكد بصورة عامة أن غلبة الأنشطة الخدمية “النبيلة” في الإقتصاد يرتبط الى حدّ كبير بمدى التقدم المسجّل في إنجاز مهمات الحقبة الصناعية، وهذا بالتحديد ما إفتقدت اليه التجربة اللبنانية المحقّقة.
ومن بين علامات الضعف الأساسية لسوق العمل أيضا، أن غالبية الأجراء والعاملين لحسابهم (65%) حائزون على الشهادة الثانوية فقط أو ما دون (دراسة البنك الدولي)، ومن ضمنهم نحو 40% حائزون فقط على الشهادة الإبتدائية أو ما دون. ويعتبر أكثر من خمسي الأجراء أن مهاراتهم لا تتناسب مع متطلبات الأعمال التي يقومون بها، وينطبق هذا الواقع أيضا الى حدّ كبير على نسبة من الجامعيين وخريجي التعليم المهني الذين يدخلون سنويا الى سوق العمل، بحسب ما تؤكده كذلك نظرة أصحاب العمل الى المعوّقات التي تواجههم، إذ يشيرون بشكل خاص الى صعوبة إيجاد مهارات تقنية وهندسية وإدارية ذات نوعية جيّدة، وتمتلك مهارات الإقتصاد الرقمي والحاسوب واللغات الأجنبية والقدرة على العمل المستقل وكذلك العمل ضمن فريق. وربما يكون هذا المعوّق عائدا بشكل أساسي الى تنامي هجرة الكفاءات والخبرات اللبنانية الى الخارج، بالتزامن مع إزدياد تدفق اليد العاملة الأجنبية الرخيصة وذات المهارات المتدنية الى السوق اللبنانية. وتساهم عوامل عدّة في هجرة الكفاءات المحلية، وأهمها عاملان: الإرتفاع المطرد في تكاليف المعيشة في لبنان بالمقارنة مع مستوى الكسب من جهة، والفروقات الملحوظة في مستويات الأجور والتقديمات المرافقة في أسواق العمل المنافسة، لا سيما أسواق بلدان الخليج، من جهة ثانية.
وتتميّز سوق العمل في لبنان بصعوبة إيجاد فرصة عمل للمرة الأولى، وكذلك بصعوبة الإلتحاق مجددا بسوق العمل للذين تعرضوا للتعطل – في عمر 45 سنة وما فوق – وحاولوا العودة الى العمل من جديد. وتجمع مختلف الدراسات على طول المدة التي يمضيها الباحث عن عمل لأول مرة، كي يحصل فعلا على عمل. وتصل هذه المدة بالنسبة للذين هم ليسوا حائزين على شهادة تعليم نظامية الى 18 شهرا بصورة وسطية (بحسب البنك الدولي)، كما تبلغ نحو 10 أشهر بالنسبة للذين أنهوا التعليم الجامعي وبدأوا مشوار البحث عن عمل، بينما هي تزيد عن عام كامل بالنسبة لباقي فئات عارضي العمل لأول مرة. وينطبق طول مهلة التفتيش عن عمل أيضا، على المتعطلين الذين سبق لهم العمل (خصوصا في الأعمار المتوسطة والكبيرة)، إذ هم يمضون وسطيا أكثر من عام للفوز بفرصة عمل جديدة. ومما يميّز سوق العمل كذلك – ويرتدي الطابع الإيجابي بالنسبة للقلّة من اللبنانيين، والطابع السلبي بالنسبة لأكثريتهم – أن العلاقات الشخصية هي الوسيلة الأهمّ التي تتيح الحصول على عمل، ولا تقتصر في هذا المجال على توسيط الأهل والأقارب والأصدقاء فقط، بل تتعداها الى السياسيين وأركان الحكم والزعامات الطائفية. ويضعف هذا النوع من العلاقات بيئة العمل المهنية، كما يعزّز الإرتباط الزبائني بين فئات من العاملين وأطراف الطبقة السياسية.
ومن ضمن خصائص سوق العمل المحلية أيضا، أهمية الوزن النسبي لظاهرة العمل غير النظامي، والبطء الشديد في عملية إنتقال الأنشطة التي يتركز فيها هذا العمل الى أنشطة ذات طابع نظامي، بالمقارنة مع ما تحقّق في العديد من البلدان الأخرى. وبالرغم من عدم توفّر معطيات إحصائية رسمية، دقيقة وحديثة، حول حجم ظاهرة العمل غير النظامي في قطاعات النشاط المختلفة في لبنان، فان تقديرات البنك الدولي تشير الى أن هذه الظاهرة تطال أكثر من 20% من الأجراء و30% من الذين يعملون لحسابهم في أنشطة منخفضة الإنتاجية. وتزداد هذه النسب بمعدلات عالية، في حال تمّ الأخذ في الإعتبار مروحة واسعة من العمال غير اللبنانيين، الذين نادرا ما يجري التصريح النظامي عن عملهم الى الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، حتى لو حصلوا على تصريح بالإقامة الشرعية من جانب الأمن العام، أو لو سجلت عقود عملهم في وزارة العمل. ويطرح تنامي ظاهرة العمل غير النظامي شكوكا كبيرة حول مدى شمول التغطية التي يوفّرها الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي لكافة العاملين بأجر في لبنان، وكذلك حول مدى نفاذ وتطبيق التشريعات الناظمة لسوق العمل. كما يطرح جانبا من أوجه عدم العدالة والإقصاء الإجتماعي، خصوصا في ما يتصل بعدم إستفادة تلك المروحة من العاملين، من معظم التقديمات وشبكات الأمان الموفّرة للعاملين النظاميين.
ثالثاً، التقديرات الإحصائية المتاحة حول الحجم الإجمالي للسكان (المقيمين):
إستنادا الى إدارة الإحصاء المركزي (دراسة عام 2004 ودراسة عام 2009)، قدّر إجمالي عدد المقيمين في لبنان بنحو 3.75 مليون نسمة عام 2004، ثم إرتفع الى نحو3.86 مليونا عام 2009، فيما تشير آخر تقديرات البنك الدولي الى تجاوز هذا الرقم عتبة الأربعة ملايين نسمة (من دون النازحين السوريين). ويستفاد من نتائج دراسة عام 2004، أن 6.6% من إجمالي المقيمين هم من غير اللبنانيين، وهذه النسبة لا تشمل الفلسطينيين المقيمين في المخيمات، ولا التدفقات التقليدية للعمال الوافدين من سوريا والعمال الوافدين من بلدان أخرى مصدّرة لليد العاملة الرخيصة. وتظهر ديناميات النمو الديموغرافي بصورة عامة أن المجتمع اللبناني (المقيم) يتجه بشكل متسارع نحو درجة فتوّة أقلّ، وسط إنخفاض ملحوظ في معدلات الخصوبة (الذي يعكسه إنخفاض متوسط عدد الأطفال لكل إمرأة من 5.1 أطفال عام 1970 الى طفلين فقط عام 2004)، وإرتفاع متزامن في معدلات الأمل في الحياة (من 61 سنة عام 1960 الى 72 سنة عام 2004). كما تشير هذه النتائج أيضا الى أن عدد المقيمين ممن هم في عمر العمل – أي في فئات الأعمار ما بين 15 عاما و65 عاما – يشكل نحو 65% من إجمالي عدد المقيمين. ويتركّز أكثر من نصف المقيمين في محافظتي بيروت وجبل لبنان، في حين يتوزّع الباقي في محافظات الشمال (20.5%) والبقاع (12.5%) والجنوب (10.5 %) والنبطية (5.9%)، مما ينطوي على دلالات وفروقات واضحة بين مختلف هذه المحافظات لجهة واقع آليات عرض العمل المحكومة بالنمو الديموغرافي الطبيعي من جهة، وواقع آليات الطلب على العمل المحكومة من جهة ثانية بنسق تطور النشاط الإقتصادي وتطور المؤسسات العاملة، لا سيما الخاصة منها.
ويتوزّع المقيمون في لبنان على نحو 880 ألف أسرة (2004)، مع حجم وسطي يقدّر بنحو 3.4 أفراد للأسرة الواحدة، في مقابل حجم وسطي قدره 4.5 أفراد عام 1970، مما يعكس التراجع الحاصل في متوسط عدد الأولاد في الأسرة من نحو 3 أولاد عام 1970 الى 2.2 ولد عام 2004. وبحسب دراسة إدارة الإحصاء المركزي لعام 2009، يكاد يتساوى توزّع المقيمين بحسب النوع الإجتماعي (الجندر)، حيث تشكل النساء نحو 3.50% من مجموع المقيمين في مقابل 7.49% للذكور، ولكن مع وجود فجوة في صالح الذكور في الفئات العمرية ما دون 29 عاما، لتنقلب هذه الفجوة في صالح النساء في الفئات العمرية التي تراوح بين 29 عاما و64 عاما.
جدول 3: توزع الفئات العمرية بحسب النوع الاجتماعي (2009)
| الفئة العمرية | إناث | ذكور | الإجمالي | معدل الإناث للذكور |
| 0 – 4 | 5.3 | 5.7 | 5.5 | 0.9 |
| 5 – 9 | 9 | 9.7 | 9.3 | 0.9 |
| 10 – 14 | 9.5 | 10.6 | 10 | 0.9 |
| 15 – 19 | 9.8 | 11.3 | 10.6 | 0.9 |
| 20 – 24 | 9 | 9.4 | 9.2 | 0.9 |
| 25 – 29 | 7.7 | 7.4 | 7.6 | 1 |
| 30 – 34 | 6.5 | 5.8 | 6.1 | 1.1 |
| 35 – 39 | 7.2 | 6.2 | 6.7 | 1.1 |
| 40 – 44 | 7.3 | 6.3 | 6.8 | 1.1 |
| 45 – 49 | 6 | 6.2 | 6.1 | 1 |
| 50 – 54 | 7.6 | 5.9 | 6.7 | 1.3 |
| 55 – 59 | 4.3 | 4.1 | 4.2 | 1 |
| 60 – 64 | 3.4 | 3.4 | 3.4 | 1 |
| 65 – 69 | 2.6 | 2.9 | 2.8 | 0.9 |
| 70 – 74 | 2.1 | 2.4 | 2.3 | 0.9 |
| 75 – 79 | 1.2 | 1.4 | 1.3 | 0.9 |
| 80 – 84 | 1 | 0.9 | 1 | 1.1 |
| 85 + | 0.5 | 0.5 | 0.5 | 0.9 |
رابعاً، معدل النشاط الإقتصادي في لبنان:
يمثّل معدل النشاط الإقتصادي في لبنان مجموع العاملين فعلا والمتعطلين عن العمل، كنسبة من مجموع المقيمين في الفئات العمرية ما فوق 15 سنة. وبحسب نتائج دراسة الإحصاء المركزي، بلغ هذا المعدل نحو 44% عام 2004، مسجلا قدرا كبيرا من الثبات على إمتداد أكثر من ثلاثة عقود، حيث كان يبلغ نحو 45.3% عام 1970. ويعتبر معدل النشاط الإقتصادي في لبنان منخفضا إذا ما قورن بمثيله في غالبية بلدان المنطقة، حيث يصل هذا المعدل الى 49% في الأردن و50% في سوريا و52% في المغرب و58% في الجزائر. وتعود أسباب هذا المستوى المنخفض الى عاملين أساسيين: الأول، إستمرار المستوى المتواضع نسبيا لمشاركة الإناث في قوة العمل (20% و23% تباعا من الإناث من إجمالي عدد الإناث في عمر 15 سنة وأكثر كن يعملن عام 2004 وعام 2014)، وذلك بالرغم من إرتفاع هذه النسب عمّا كانت عليه عام 1970 (15%)؛ والثاني، إتجاه مشاركة الذكور نحو التراجع بسبب عوامل عدّة أهمها تزايد معدلات هجرة الذكور طلبا للعمل في الخارج، مما إنعكس إنخفاضا في معدلات نشاطهم الإقتصادي في لبنان من 75% (من مجموع الذكور في عمر 15 سنة وأكثر) عام 1970 الى 68% عام 2004.
خامساً، حول ضعف معدلات نشاط المرأة:
من الملفت أن إستمرار المستوى الشديد الإنخفاض نسبيا لمشاركة المرأة في القوى العاملة، لا ينسجم البتّة مع التحسن المطرد الذي سجّلته المرأة في مؤشرات التعليم خلال العقود المنصرمة. فمعدلات إلتحاق المرأة في معظم مراحل التعليم، لا سيما مرحلة التعليم الجامعي، باتت تتجاوز راهنا مثيلها لدى الذكور، بحسب ما تظهره الإحصاءات التربوية المتاحة. وبين عام 1970 وعام 2009، تراجعت نسبة النساء الأميات من 42% الى 10%، وتراجعت كذلك نسبة اللواتي يعرفن الكتابة والقراءة فقط من 30% الى 6%، في حين زادت نسبة الحائزات على شهادة جامعية من 1% الى 17%. وبالرغم من أهمية هذا التحسن، بقيت معدلات نشاط الإناث متواضعة نسبيا، وهذا ما يمكن تفسيره على الأرجح باستمرار فعل عوامل ثقافية ومعنوية موروثة، إضافة بشكل خاص الى “الضغط” المادي المباشر وغير المباشر الذي يمارسه المجتمع بأشكال شتى على المرأة كي تنأى بنفسها عن العمل بمجرد زواجها أو إنجابها للأطفال. ومن الأمثلة على هذا الضغط المادي، يمكن الإشارة الى التباين الجندري في شروط العمل خصوصا في القطاع الخاص والقطاع الخاص غير النظامي، والضعف العام في مستويات الأجر أو الدخل الذي لا يحفّز المرأة على العمل خصوصا إذا ما قورن هذا الدخل مع ما ستتكبده المرأة من أكلاف تتعلق بشؤون إدارة أسرتها في حال تركها للمسكن وإلتحاقها بسوق العمل، هذا بالإضافة الى عدم توفير البلد للعديد من الخدمات العامة التي من شأنها دعم إستمرار عمل المرأة بعد الزواج (مثل تعزيز وتعميم حاضنات الأطفال في المدارس الرسمية، وتشجيع إنشاء حاضنات في أماكن العمل وغيرها من الخدمات).
وتتجلى التباينات في معدلات النشاط الإقتصادي بأوضح صورها عندما ينظر اليها بحسب متغيري النوع الإجتماعي (الجندر) والفئات العمرية. فمعدل نشاط المرأة يصل الى ذروته (47%) في الفئة العمرية ما بين 25 عاما و29 عاما – التي بات حدّها الأقصى يلامس عتبة عمر المرأة عند الزواج الاول – وهو يكاد يوازي نصف معدل نشاط الذكور في هذه الفئة العمرية. ثم لا يلبث معدل نشاط المرأة أن يتجه بشكل تدريجي وحثيث نحو الإنخفاض كلما إنتقلت المرأة من فئة عمرية الى فئة أعلى، فينخفض الى نحو ثلث معدل الذكور في الفئة العمرية ما بين 30 سنة و34 سنة، ثم الى نحو ربع – ومن ثمّ الى ما دون ربع – معدل الذكور في الفئات العمرية التي تزيد عن 34 سنة.
سادساً، توزّع العاملين بحسب المستوى التعليمي:
من المؤكد أن تحسّنا بارزا قد طرأ على المستوى التعليمي للعاملين خلال العقود المنصرمة، بالتزامن مع الإرتفاع الملحوظ في معدلات إلتحاق اللبنانيين عموما بمختلف مراحل التعليم. ويسجّل، بداية، إنخفاض معدل الأمية في صفوف العاملين من 30% عام 1970 الى 4% عام 2009، كما يسجّل إرتفاع كبير في نسبة الحائزين على شهادة جامعية من 4% من مجموع العاملين عام 1970 الى 25% عام 2009. وبالتلازم مع هذين المنحيين، سجّل تراجع مثير من 35% عام 1970 الى 2% عام 2009 في نسبة الذين يقرأون ويكتبون فقط، بينما إزدادت بصورة ملحوظة نسب الحائزين على الشهادات الإبتدائية والتكميلية والثانوية.
سابعاً، توزّع العاملين بحسب الوضعية في العمل:
يشكل الأجراء نحو نصف إجمالي القوى العاملة في لبنان (عام 2009)، مما يعكس تراجعا بالنسبة الى ما كانت تبلغه هذه النسبة عام 1970 (نحو 60% بحسب دراسة الإحصاء المركزي). ويعتبر هذا التراجع في نسبة الأجراء مخالفا بشكل عام لمنحى التطور الذي سجّلته على هذا الصعيد الدول الصناعية المتقدمة، التي ظلت ترتفع فيها نسبة الأجراء بصورة تدريجية حتى إستقرت في غالبية هذه البلدان على مستويات قياسية تراوح بين70% و90% من إجمالي القوى العاملة. ويرجّح أن تكون عوامل الحرب الأهلية والطفرة في إنتشار المؤسسات الميكروية والضمور النسبي الحاد في النشاط الصناعي، قد ساهمت في تقليص نسبة العاملين بأجر في لبنان خلال الحقبة الممتدة منذ السبعينات. ويلي الأجراء، من حيث وزنهم النسبي في القوى العاملة، العاملون لحسابهم الخاص الذين ما إنفك عددهم يزداد حتى باتوا يشكلون 30.7% من مجموع العاملين (2009). ويتوزّع العاملون لحسابهم على طائفة واسعة من المهن والأنشطة، البعض منها يرتبط أو يتفرّع عن مهن حرّة شتّى، والبعض الآخر والأكثر عددا تغلب عليه مهن وأنشطة بسيطة وذات قيمة مضافة محدودة أو هامشية. والى هاتين الفئتين من العاملين، ثمة فئة ثالثة تتمثل في الأجراء الذين يعملون بأجر يومي أو أسبوعي أو على القطعة، وهم يشكلون 10.2% من مجموع القوى العاملة. أما باقي العاملين فيتوزّعون على أصحاب العمل (4.7% من العاملين)، والعاملين العائليين (3.2%) والعاملين المتدربين في مواقع العمل (0.7%).
ثامناً، التوزع القطاعي للعاملين:
إنطوت العقود الأربعة المنصرمة على إزدياد ملحوظ في نسبة العاملين في القطاع الثالث، أي في أنشطة التجارة والخدمات، في مقابل تراجع حاد في نسبة العاملين في قطاعي الزراعة والصناعة. وقد جاء هذا التطور كنتيجة طبيعية للخيارات الفعلية، المعلنة والضمنية، التي كانت قد إعتمدتها السياسات الحكومية المتعاقبة منذ أوائل التسعينات، والتي تمّ تناول جوانب عدّة منها في مقدمة هذه الورقة (تحرير المبادلات، خفض معدلات الحماية الجمركية، إزدياد ظاهرة “التورّم” المالي كنتيجة لأنساق تمويل العجز المالي للدولة، تعاقب الفورات العقارية وغيرها من عوامل). وبالمقارنة مع واقع التوزّع القطاعي للعاملين قبل إندلاع الحرب الأهلية في أوائل السبعينات، يتبيّن أن أكبر خفض هو ذلك الذي طال القطاع الزراعي، إذ تراجعت نسبة العاملين في هذا القطاع من 19% عام 1970 الى نحو 6% عام 2009. كذلك إنخفضت نسبة العاملين في القطاع الصناعي من 19% الى 12% في الفترة ذاتها، بعد تراجع قدراته التنافسية سواء في مواجهة المنتجات المستوردة أو في مواجهة المنافسة المتعاظمة في الأسواق التقليدية التي إعتاد لبنان التصدير اليها. في المقابل قفزت حصة القطاع الثالث من 56% (15% للتجارة و41% للخدمات) الى 73% (27% للتجارة و46% للخدمات)[15] في هذه الفترة. وإرتفعت كذلك نسبة العاملين في قطاع البناء من 7% الى 9% بين عام 1970 وعام 2009، مع وجوب الإشارة الى أن هذا القطاع كان قد إستأثر بنحو 12% من مجموع العاملين عام 1997، أي خلال ذروة تنفيذ برامج إعادة الإعمار.
تاسعاً، توزّع العاملين بحسب المهن الأساسية والنوع الإجتماعي:
تتوزّع أهم الفئات المهنية – الإجتماعية على ثلاثة أبواب أساسية، هي التالية: العمال المهرة (18.6%)، والكوادر العليا والمدراء (14.1%) والاختصاصيون (12.1%)، والعاملون في مهن خدماتية متنوعة (12.7%). ويلاحظ وجود شكل من تقسيم العمل المهني، على أساس النوع الإجتماعي، حيث يغلب نسبيا عمل النساء على مهن محدّدة فيما يغلب عمل الذكور على غالبية المهن الأخرى. وتتفوّق بشكل خاص نسبة النساء (من إجمالي النساء العاملات) على نسبة الذكور (من مجموع العاملين الذكور) في المهن ذات الإختصاص (أساتذة، ومعلمون، ومهن طبية مساعدة، وأصحاب مهن حرّة، …)، حيث تزيد النسبة الأولى عن ثلاثة أضعاف النسبة الثانية. كما يطغى عمل النساء نسبيا في العديد من المهن الخدماتية التي تتطلب مهارات محدودة (بائعات في محلات تجارية، حاجبات، عاملات في أنشطة خدماتية، وفي مهن تقنية مساعدة، …).
عاشراً، تأثير الهجرات الخارجية على الواقع الديموغرافي:
من المؤكد أن تطور الواقع الديموغرافي للمجتمع المقيم قد تأثر الى حدّ كبير بظاهرة الهجرة الخارجية التي شكلت على الدوام سمة أساسية ملازمة لهذا الواقع، وإن تفاوت متوسط حجم تدفقاتها السنوية من حقبة زمنية الى أخرى. وتفيد أحدث الدراسات بأن 45% من الأسر اللبنانية شهدت هجرة أحد أفرادها الى الخارج خلال الفترة الممتدة ما بين عام 1992 وعام 2007، مع تفاوت واضح في معدلات الهجرة تبعا للمحافظات، حيث سجل أعلاها في محافظة بيروت وأدناها في محافظة البقاع. وقد إرتفع متوسط حجم الهجرة من 6،4 أفراد لكل ألف نسمة خلال السنوات 1977-1996 الى 9.6 أفراد بين عام 2002 وعام 2007. ويشار الى أن نحو 70% من المهاجرين على إمتداد السنوات 1992-2007 هم من العاملين، بينما إقتصرت نسبة الطلاب منهم على نحو 6%. وقد إرتدت الهجرة الى حدّ كبير ظاهرة الهجرة الشبابية، إذ أن نحو 77% من المهاجرين خلال الفترة 1992-2007 كانوا ينتمون الى فئات عمرية شابّة ما بين 18 سنة و35 سنة. ويلاحظ أن معدلات النشاط الإقتصادي بين المهاجرين (الذين هم في عمر العمل، أي بين 15 عاما و64 عاما)، تزيد عن معدلات النشاط بين المقيمين، وينطبق هذا بوضوح أكبر على الإناث، حيث بلغ معدل النشاط الإقتصادي 34.8% بين من هاجر منهن الى الخارج في مقابل معدل لا يزيد عن 20% لمن بقي منهن مقيما في لبنان. وقد شكّلت البلدان العربية الوجهة الأساسية لنحو ثلث إجمالي عدد المهاجرين خلال هذه الفترة.
ويشار الى أن تدفقات الهجرة اللبنانية الى الخارج كانت قد شهدت مستويات قياسية خلال سنوات الحرب الأهلية، ثم هدأت خلال الحقبة الإعمارية، ولكنها إستعادت إتجاهها الصاعد خصوصا بدءا من أوائل الألفية الثالثة، لترتفع الى أكثر من 38 ألف مهاجر سنويا (في مقابل نحو 25 ألف مهاجر سنويا خلال الفترة 1975-2000)، هذا مع العلم أن تلك الهجرة قد طالت بنسبة أكبر أصحاب الخبرات وخريجي الجامعات والمعاهد الفنية العالية وذوي الكفاءات الوسطى والعليا. وتنطوي هذه الهجرة على كلفة سياسية باهظة، لأنها ساهمت وتساهم في إفراغ البلد من جمهور محدد من المواطنين (الناخبين) الذين يمكن إعتبارهم من الناحية المبدئية أكثر تطلبا في وعيهم لحقوقهم المشروعة وفي ممارستهم لها، وأكثر تمسكا بابداء الرأي والمحاسبة والمساءلة ورفع صوت النقد عاليا إزاء المسائل المتصلة بالشأن العام.
كذلك ساهم تزايد الهجرة في صفوف هذا النوع من الموارد البشرية في إضعاف بيئة أسواق العمل المحلية وعملية تفعيل وتطوير وتنفيذ الأطر التشريعية والمؤسسية الناظمة لتلك الأسواق. وإنطوى ذلك بالتالي على كلفة إقتصادية هائلة، لطالما جرى تستّر الكثيرين عليها – ومن ضمنهم معظم السياسيين – عبر تعظيمهم للمدائح غير البريئة حول “فضائل” الهجرة وما تستجره من تحويلات، وتغاضيهم المقصود والفجّ عما أنفقه المجتمع اللبناني من أموال (خاصة وعامة) على تعليم أبنائه منذ تاريخ ولادتهم وحتى تاريخ تخرجهم من المعاهد والجامعات. إن هذا التستّر هو في الأساس تستّر عن أصل المشكلة التي تكمن في عجز النموذج الإقتصادي السائد عن خلق البيئة الإقتصادية الداخلية التي تسمح بخلق فرص العمل اللائق وباستيعاب واعادة توطين الموارد البشرية والكفاءات المهاجرة، وبإستثمارها – كأولوية – في تطوير الميزات النسبية لإقتصاد البلد، وفي تدعيم مقومات الاقتصاد الكلي والنشاط الابداعي للمؤسسات وريادة الأعمال والتمرس بالكفاءة الانتاجية والمهنية في ممارسة الأنشطة الإقتصادية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
3. معدلات البطالة:
تشير المعطيات الإحصائية الرسمية الى تقلب معدلات البطالة، ضمن هامش خاضع نسبيا للسيطرة، حتى عام 2009. وبحسب إدارة الإحصاء المركزي، بلغ معدل البطالة 6.4عام 2009، في مقابل 7.9% عام 2004، و8.5% عام 1997، في حين كان يبلغ نحو 6% عام 1970. وقدّر هذا المعدل لدى النساء عام 2009 بنحو ضعفي مستواه لدى الذكور، كما أنه سجّل أعلى مستوياته بحسب الفئات العمرية في الفئة التي تشمل من هم بين 15 سنة و29 سنة، حيث بلغ نحو 20%، مع ميل واضح نحو التراجع بعد عمر 30 سنة، وبخاصة بعد عمر 35 سنة. أما توزّع معدلات البطالة بحسب المستوى التعليمي للعاملين، فانه يشير الى تسجيل أعلى هذه المعدلات لدى فئة العاملين الحاصلين على الشهادة الجامعية (8.8% عام 2009). وفي ما يتجاوز المعطيات الرسمية الصادرة حول معدلات البطالة (وبخاصة إدارة الإحصاء المركزي)، يجدر التوقف بالتحديد عند معطيات أخرى صادرة عن البنك الدولي، تفيد بأن معدل البطالة قد بلغ نحو 11% عام 2010، وأن من المرجّح إرتفاعه الى نحو 20% عام 2014، كنتيجة لتفاقم أزمة النزوح السوري المتواصل الى لبنان منذ إنفجار الأحداث الدامية في ذلك البلد عام 2011.
ويشير الجدولان التاليان الى بعض خصائص ظاهرة البطالة في لبنان، بحسب دراسات إدارة الإحصاء المركزي:
جدول 4: معدلات البطالة بحسب الفئات العمرية والنوع الاجتماعي (2009)
| # | الفئات العمرية | إناث | ذكور | الإجمالي |
| 1 | 19-15 | 30.3% | 17.4% | 19.8% |
| 2 | 24-20 | 20.5% | 13.1% | 15.6% |
| 3 | 29-25 | 13.4% | 6.5% | 8.8% |
| 4 | 34-30 | 7.2% | 3.7% | 4.7% |
| 5 | 39-35 | 6.1% | 2.1% | 3.1% |
| 6 | 44-40 | 5.2% | 1.4% | 2.2% |
| 7 | 49-45 | 4.4% | 1.6% | 2.2% |
| 8 | 54-50 | 0.3% | 2.0% | 1.6% |
| 9 | 59-50 | 2.1% | 1.8% | |
| 10 | 64-60 | 1.2% | 3.7% | 3.4% |
جدول 5: معدلات البطالة بحسب المستوى التعليمي والنوع الاجتماعي (2009)
| # | المستوى التعليمي المحصل | إناث | ذكور | الإجمالي |
| 1 | أميَ | 3.7% | 4.7% | 4.4% |
| 2 | روضة وملم بالقراءة والكتابة | 6.1% | 3.6% | 4.0% |
| 3 | ابتدائي | 9.1% | 4.1% | 4.6% |
| 4 | متوسط | 10.5% | 4.4% | 5.2% |
| 5 | ثانوي | 14.3% | 5.3% | 7.7% |
| 6 | جامعي | 11.4% | 7.0% | 8.8% |
| 7 | مستوى تعليمي غير محدد | 8.0% | 27.3% | 13.9% |
وتتميّز ظاهرة البطالة بسمات أساسية، أهمها:
- الفجوة بين العرض والطلب الكليين على العمل، التي تتغذى على مستوى العرض من تزايد اعداد الوافدين سنويًا الى سوق العمل كنتيجة للتحولات الديموغرافية الجارية، وتتغذى على مستوى الطلب من عدم قدرة هذا الاخير على خلق فرص عمل كافية ومجدية، كنتيجة للسمات البنيوية للإقتصاد اللبناني ولعدم وضوح العلاقة بين النمو الإقتصادي وسوق العمل. وحتى عندما بلغت معدلات النمو الإقتصادي مستويات قياسية في الفترة الممتدة بين عام 2007 وعام 2010، فان ذلك لم ينعكس بصورة جلية على خلق متزايد لفرص العمل.
- كما تتميز سوق العمل المحلية كذلك بوجود تباين حاد بين بنية العرض وبنية الطلب على العمل. فبنية العرض محكومة، الى درجة كبيرة، بحجم ونوع المخرجات المتولدة من نظام التعليم العالي والمهني، التي تتحدّد بدورها بالمعطى الديموغرافي السائد. وينتج التعليم العالي أعدادًا كبيرة من الخريجين من كليات الاداب والحقوق والعلوم الاجتماعية، واعدادًا اقل نسبيا من خريجي الكليات الاكثر اختصاصًا (كالهندسة والطب والعلوم والعلوم الاقتصادية …). كما يوفّر التعليم المهني النظامي وغير النظامي أعدادا كبيرة من الخريجين، ولكن هذا التعليم يعاني من ضعف وهشاشة في مستواه ومن عدم تناسب بين إختصاصاته والاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني.
- في المقابل يتأثر الطلب على العمل، لا سيما الطلب الوافد من مؤسسات القطاع الخاص، بالخصائص الاساسية التي تتميز بها تلك المؤسسات راهنا في لبنان. ويستفاد من المسح الإحصائي للمباني والمؤسسات – الذي نفّذته إدارة الإحصاء المركزي عام 2004 – أن أكثر من 88 في المئة من هذه المؤسسات هي مؤسسات يقل عدد عمالها عن خمس عمال، ويغلب على نشاطها الطابع العائلي أو البسيط ذو القيمة المضافة المحدودة نسبيًا. اما المؤسسات الكبرى – التي تميل بنسبة أو أخرى الى ممارسة “إحتكار القلة” في نحو ثلثي إجمالي عدد اسواق الانتاج والاستهلاك في البلاد – فان عددها المحدود نسبيًا والإستنفاد العام لقدراتها على مواصلة التوسّع في سوق صغيرة كلبنان، لا يسمحان لها بتوليد طلب كاف على العمل، يتناسب مع إرتفاع أعداد الخريجين، لا سيما ذوي الاختصاصات الجامعية ذات المستوى الجيد والتنافسي. وهذا ما يشجع هؤلاء على توسّل الهجرة الى الخارج طلبًا لشروط عمل لائق وحماية اجتماعية فعّالة وارتقاء مهني مستدام، وبحثًا كذلك عن بيئة سياسية واجتماعية اكثر استقرارًا وعن نوعية حياة أفضل.
- ينطوي ضعف العلاقة المُمأسسة بين مجتمع الجامعات ومؤسسات التعليم عمومًا – بما في ذلك التعليم المهني – ومجتمع الريادة المهنية والاعمال، على آثار سلبية عميقة تطاول بنية سوق العمل وادائها. فوعي الجامعات والمؤسسات إزاء أولوية الإستثمار في عمليات الإعداد والتأهيل المهنيين للعاملين – قبل إلتحاقهم بالعمل في هذه المؤسسات ثم خلال فترة عملهم داخلها – يكاد يكون معدومًا، باستثناء قلة من المؤسسات، بحسب ما انطوت عليه الدراسات المحققة في هذا المضمار. وتشير بعض المعطيات المتاحة الى أن أكثر من 87 في المئة من المؤسسات قد صرّحت عن عدم حاجتها الى اعداد وتأهيل موظفيها، وأن 93 في المئة منها لم تخصص أي ميزانية لهذا الغرض.
- تتسم بنية اجور العاملين – في القطاع الخاص النظامي وخصوصا غير النظامي – بأوجه خلل واضحة، ربما يعود جزء منها الى تأثّر بعض المؤسسات بالأحداث السياسية والأمنية المتمادية وأثرها على النمو الإقتصادي، وكذلك بسبب إزدياد الإقتطاع الضريبي غير المباشر المترافق مع تراجع في حجم ونوع الخدمات العامة، الأمر الذي يضطر الأجراء الى تمويل بعض هذه الخدمات من جيبهم الخاص. مع ذلك، تبقى المسؤولية الأساسية عن هذا الخلل كامنة في إستمرار غلبة النظرة الدونية إزاء مسألة الأجر والتقديمات الإجتماعية عموما. فتصحيحات الأجور الجزئية والمرتجلة التي جرى تطبيقها على العاملين في القطاع الخاص بعد عام 1996، لم تعوّض كامل التدهور الفعلي الذي أصاب القوة الشرائية للأجور خلال هذه الفترة. ولم تغط حصيلة التصحيحين الرسميين اللذين أقرّا عامي 2008 و2012 في أفضل الأحوال سوى نصف الخسارة المتراكمة التي أصابت الأجر الفعلي منذ عام 1996. وهذا ما يفسّر على الأرجح أسباب تراجع حصة الكتلة الإجمالية للأجور على المستوى الكلي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي القائم، بحسب ما تظهره معطيات مستخلصة من نتائج المحاسبة الوطنية.
- تقتصر الحماية الاجتماعية – لا سيما ما يتعلق منها بالتأمينات الصحية والعائلية وتعويضات نهاية الخدمة – على فئات من العاملين بأجر دون سواها من الفئات. واستنادًا الى المعطيات المتاحة، فان أكثر من ثلث إجمالي عدد اجراء القطاع الخاص في لبنان ليس مغطى بتقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ويتولى بالتالي هؤلاء الأجراء تأمين بدائل لهذه التغطية من جيبهم الخاص. وحتى بالنسبة للذين يحظون بتغطية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فان القيمة الفعلية لهذه التقديمات كنسبة من الاجر الوسطي قد انخفضت مقارنة مع ما كانت عليه في اوائل السبعينات، هذا مع العلم ان الاجر الوسطي آنذاك كان يزيد بنسبة كبيرة عن مستوى الاجر الوسطي الراهن.
في إختصار، إن النموذج الإقتصادي اللبناني لم يكن – من الزاوية التاريخية – قادرا من حيث طبيعته على خلق ما يحتاج اليه البلد من فرص عمل، بالحجم والنوع المطلوبين. فالمعطيات المتاحة تشير الى أن نحو 40 الى50 ألف وافد جديد يتدفق سنويا الى سوق العمل (من ضمنهم أكثرمن 30 ألف خريج جامعي، ونحو ثلثي هذا العدد من خريجي التعليم المهني النظامي والتعليم المهني غير النظامي). في المقابل، فان إجمالي الطلب على العمل – من قبل المؤسسات الخاصة القائمة أو المزمع انشاؤها سنويا (النظامية منها وغير النظامية)، ومن قبل بعض المؤسسات العامة كالسلك العسكري وأساتذة التعليم الرسمي، إضافة الى العاملين لحسابهم – لا يزيد في أفضل الفرضيات عن ثلث إجمالي هذا العرض سنويا. وهذا ما يفسّر الى حدّ كبير ترسّخ ظاهرة التعطل عن العمل مؤخرا وتزايد هجرة الموارد والكفاءات البشرية، مع العلم أن الظاهرة الثانية غالبا ما كانت تساهم في الحدّ من حجم الظاهرة الأولى. ولا تقتصر مشكلات سوق العمل على الفجوة بين العرض والطلب، بل هي تطرح أيضا العديد من القضايا الأخرى: التراجع النسبي في وزن العمل المأجور، الإزدياد المثير في نسبة العاملين غير النظاميين وبخاصة في صفوف العاملين لحسابهم الخاص وكذلك في صفوف الأجراء، الذين يفتقدون الى تصحيحات أجر نظامية والى بدلات النقل المقرة رسميا، وكذلك الى الحماية الصحية وتعويضات الصرف من الخدمة. مع العلم أنه تضاف الى هذه المشكلات أيضا، مسألة إستمرار تدفق العمالة الرخيصة غير اللبنانية (وغير السورية) بشكل يكاد يستعصي على الرقابة.
4. كيف تنعكس خصائص الفقر في صفوف بعض فئات الأجراء:
إن الاختلالات التي تعاني منها سوق العمل المحلية عموما، تنعكس آثارها بقوة أكبر على المجموعات الفقيرة من الأجراء، بحسب ما أظهرته نتائج دراسة البرنامج الانمائي للامم المتحدة حول الفقر في لبنان[24]. فمعدل النشاط الاقتصادي للفقراء (البالغ 38% عام 2004) يقل عن معدل نشاط الفئات غير الفقيرة (المقدّر بنحو 45.4%). كذلك يبلغ معدل البطالة في صفوف الفقراء نحو 14.9% في مقابل 6.7% فقط لغير الفقراء، أي بزيادة ثماني نقاط مئوية. وتميل هذه الفروقات نحو التعاظم عند النظر الى بطالة النساء، حيث يرتفع معدل البطالة الى 26.6 في المئة في صفوف النساء الفقيرات بالمقارنة مع 8.2 في المئة للنساء غير الفقيرات. وينطبق هذا الاستنتاج، وان بحدّة أقل، على الذكور حيث يرتفع معدل البطالة من 6.2 في المئة في صفوف الذكور غير الفقراء الى 13.5 في المئة في صفوف الذكور الفقراء. واذ يقدر معدل بطالة الشباب في الفئة العمرية 15-24 سنة بنحو 20 في المئة، فان هذا المعدل يرتفع بصورة قياسية عندما يتعلق الامر بالشباب الفقراء. فمن بين كل شابين فقيرين حائزين على الشهادة الثانوية، هناك واحد خاضع للبطالة. ولدى الانتقال الى الشباب الفقراء الحائزين على شهادة جامعية، يلاحظ ان واحدًا من كل ثلاثة منهم يخضع للبطالة، في مقابل واحد من كل خمسة بين الشباب الجامعيين غير الفقراء. وبشكل عام يكاد معدل بطالة الشباب الفقراء يوازي ضعفي معدل بطالة الشباب غير الفقراء. وهذا يعني بالنسبة للشباب الفقراء انه لا يكفي تحسين مستوى التحصيل العلمي لكسر الحلقة المفرغة للفقر، بل ثمة شروط اخرى ينبغي توفيرها.
وفي الإطار ذاته، يتركز الفقر بنسبة اكبر في صفوف العاملين المياومين والموسميين والمؤقتين او الذين يعملون على القطعة، مع العلم أن هؤلاء يمثلون نحو ثلث اجمالي العاملين الفقراء، في حين يتركز ثلث ثانٍ في فئة العاملين المستقلين. ويتبيّن كذلك أن الفقر اقل حضورًا لدى الاجراء العاملين في القطاع العام، مما هو لدى اجراء القطاع الخاص. فالفقراء في صفوف العاملين في القطاع العام – الذي يستوعب نحو 15 في الفئة من اجمالي عدد العاملين على المستوى الوطني – لا يمثلون سوى 7 في المئة من اجمالي عدد الفقراء في البلاد. كذلك أظهرت النتائج أن الفقر – وخصوصا الفقر المدقع – هو أشد حضورًا في القطاع الزراعي، وبالتالي في المناطق التي يلعب فيها هذا القطاع دورًا مهمًا، حيث من اصل كل خمسة عاملين فقراء هناك واحد يعمل في القطاع الزراعي. ويستوعب هذا الاخير اكثر من ثلث اجمالي العاملين الفقراء في محافظات الشمال والنبطية والبقاع. وتنطبق هذه الاتجاهات الى حد معين على قطاع البناء، حيث للفقر حضور نسبي بارز. ويضطلع حجم الأسر بدور مهم في تحديد مواصفات الأسر الفقيرة، حيث يتبيّن أن الفقير يعيش في اسرة اكبر بشكل عام من تلك التي يعيش فيها غير الفقير. ويبلغ متوسط الفارق على المستوى الوطني بين حجم الأسرة الفقيرة والأسرة غير الفقيرة نحو 2،2 شخص. ويصل حجم الأسرة الى حدّه الأقصى في محافظة الشمال التي هي الاكثر خضوعًا لظاهرة الفقر والفقر المدقع، بينما يسجّل الحدّ الأدنى في بيروت التي هي الأقل تأثرًا بمؤشرات الفقر.
5. العمال والأجراء وتعدد نظم التقاعد والصرف من الخدمة:
ان الحق في ضمان الشيخوخة مكرّس في التشريعات والدساتير وفي العديد من الاتفاقات الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولة، ولكن ترجمة هذا الحق الى حيزّ الواقع تتفاوت من حيث آلياتها وفعاليّتها وصيغ تمويلها، من بلد الى آخر. وحتى تاريخه يفتقر لبنان الى قانون لضمان الشيخوخة للعاملين في القطاع الخاص، ويكاد هذا البلد ينفرد بين دول الشرق الاوسط وشمالي افريقيا بالنسبة الى تعدد انظمة التقاعد فيه، حيث يقوم في القطاع العام نظامان للتقاعد – أحدهما للقوى العسكرية والآخر لموظفي الخدمة المدنية (civil service)، وهما مموّلان على اساس (pay-as-you-go) – بينما يخضع العاملون في القطاع الخاص لنظام تعويضات نهاية خدمة، الذي يتم تمويله اساسًا عبر مبدأ الرسملة. ويستفاد من المعطيات الاحصائية المتاحة (قبل نحو عقد)، ان نظامي التقاعد الرسميين اللذين تديرهما وزارة المالية كانا يغطيان نحو 6 في المئة من القوى العاملة وتصل كلفتهما السنوية الى 2.7 في المئة من الناتج المحلي القائم، وهما يفتقدان الى أي احتياط مستقل. في المقابل فان نظام تعويضات نهاية الخدمة – الذي يتجمع فيه راهنا احتياط نقدي يقدر بنحو 18% من الناتج المحلي – يغطي نحو 25% من اجمالي القوى العاملة، وتصل نفقاته السنوية وسطيًا الى اقل من واحد في المئة من الناتج المحلي، وهو يدار من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ويستنتج من هذه المعطيات ان نظم التأمين الثلاثة تغطي ما يقلّ عن ثلث القوى العاملة الاجمالية، وهي تتميّز بالتالي بقدر محدود من الشمول.
واضافة الى ذلك، تشكو هذه الانظمة من أوجه خلل على غير صعيد، وأهمها: يشكو نظام تعويضات نهاية الخدمة من ضعف قيمة التعويض المقطوع الذي يحصل عليه المتقاعد والذي يكاد لا يوازي – بعد تحويله نظريا الى معاش شهري – 30% و35% في المئة من الاجر. كما يشكو من ضخامة المخاطر التي تقع على عاتق المتقاعد، بمجرد حصوله على التعويض المقطوع، حيث تصبح مسؤولية استثمار هذا التعويض ملقاة بشكل كامل على المتقاعد، المعرّض للارتجال في قرارات الاستثمار وللتقلبات في اسعار العملة وأسعار الاستهلاك والاسواق المالية. وتطال هذه المخاطر بشكل خاص الاجراء الشباب الذين يميلون الى تصفية تعويضاتهم مبكرًا بمجرد تعرضهم للبطالة، الامر الذي يقلص بشكل جذري قيمة هذه التعويضات، بسبب البنود الجزائية التي يتضمنها النظام في حالات التصفية المبكرة. كما ينطوي نظام تعويضات نهاية الخدمة على سلبيات أخرى، من ضمنها التكاليف العالية التي يلقيها على عاتق اصحاب العمل – خصوصًا بالنسبة لمبالغ التسوية التي قد تراوح وسطيًا بين ثلث او نصف اجمالي قيمة التعويض – والتي من شأنها تشجيع التهرب من التصريح عن العمال واضعاف الطلب على العمل من قبل المؤسسات او جعل هذا الطلب ينصب على عقود عمل قصيرة او موسمية او غير نظامية. أما نظاما التقاعد الحكوميان (المطبقان في السلك العسكري والخدمة العامة)، فانهما اكثر “سخاء” نسبيًا، اذ يوفران معاشًا تقاعديًا لمن امضى كامل فترة العمل في حدود 80 او 85 في المئة من الأجر الأخير. لكن في المقابل فان هذين النظامين غير قابلين للاستدامة من الناحية المالية، لأنه لم يجر تكوين احتياط نقدي لهما بل يتم تمويلهما اساسًا بواسطة المال العام. ومن المؤكد ان ارتفاع قيمة الأجر الوسطي في القطاع العام وإحتمال تفاقم الاختلالات الماكرو-اقتصادية، يلقيان ظلالاً من الشك حول امكان استمرار تمويل النظامين المذكورين.
6. الاطار العام للاصلاحات الأساسية المطلوبة في سوق العمل:
أظهر تحليل واقع القوى العاملة وسوق العمل وجود مشكلات وتحديات كبيرة على غير صعيد، ومن ضمنها بشكل خاص: إرتفاع معدلات البطالة، الإحلال المتزايد لعمالة غير لبنانية رخيصة وضعيفة الإنتاجية مكان المهارات والكفاءات اللبنانية المتجهة أكثر فأكثر نحو الهجرة الى الخارج، تنامي العمل غير النظامي بأشكال شتى في القطاعات الإقتصادية المختلفة، إزدياد مواطن الخلل والضعف في جوانب عدّة من ظاهرة العمل بأجر، وغير ذلك من مشكلات وتحديات. وفي مواجهة هذه الأوضاع، ينبغي تنسيق السياسات الإقتصادية المؤثرة في مختلف جوانب سوق العمل، والتي تعني العديد من الوزارات والمؤسسات العامة، بهدف تحديد الإطار العام الحاضن للإصلاحات الأساسية المطلوبة، بالإستناد الى المرتكزات الأساسية التالية:
أولا: التوجه نحو إصلاح وتطوير السياسات الماكرو-إقتصادية، وبخاصة ما يتعلق منها بانعاش وتحفيز مقومات الإقتصاد الحقيقي، والحدّ من إختلالات السياسة الضريبية الراهنة التي تضعف الإستثمار في قطاعات الإنتاج وتشجّع السلوك الريعي للعملاء الإقتصاديين، وتطوير خطط الإستثمار الحكومي (في قطاعات الكهرباء والنقل العام والمياه والصرف الصحي والإتصالات، وغيرها من مرافق عامة)، وتعزيز شبكات تمويل المؤسسات – الناشطة في مجال إنتاج السلع والخدمات القابلة للتبادل والتصدير – لا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ورفع مستوى نوعية التعليم الرسمي (في حلقاته الثلاث، العام والعالي والمهني)، وتبسيط إجراءات إنشاء وتصفية المؤسسات، وإقرار وتطبيق قانون المنافسة وقانون اللامركزية الإدارية المؤثرين الى حدّ كبير في تجسير الفجوات بين المناطق وتحسين أداء سوق العمل فيها، والإلتزام الفعلي بانفاذ وتحديث القوانين والتشريعات الرسمية، وتطوير الإطر المؤسسية ذات التأثير الفعلي على النشاط الإقتصادي، وغير ذلك من إجراءات.
ثانيا: الحدّ من إستمرار المراهنة على نموذج اقتصادي يستسهل الاستثمار في اليد العاملة الرخيصة (المحلية والمستوردة) التي تفتقد الى التقديمات الإجتماعية والى الضمانات ضد أنواع المخاطر المختلفة، واستبدال ذلك النموذج بشكل تدريجي بنموذج آخر يستثمر أساسا في الإنسان ويوفّر الفرص الحقيقية لاستيعاب الجزء الأكبر من الكفاءات اللبنانية الشابّة التي ينتجها نظام التعليم والتي تميل أكثر فأكثر نحو الهجرة. وإذا كان الانتقال التدريجي نحو هذا النموذج ينطوي على كلفة مرتفعة نسبيًا في المدى القصير، وكذلك على وجوب إجراء تغيير جذري في ذهنية وسلوك المؤسسات، إلا أنه يبقى السبيل الأنجع في المدى المتوسط والبعيد لتمكين البلد من تطوير تقسيم العمل والإنفتاح الأرحب على عالم التكنولوجيا، وبالتالي على تحقيق معدلات نمو إقتصادي عالية ومستدامة وقدرات تنافسية أكثر وزنا، وصولا الى قدر أكبر من الرفاه الاجتماعي والاستقرار السياسي.
ثالثا: إعادة النظر في انظمة التأمينات عبر الإستفادة من الجهود الكبيرة والمتراكمة التي قامت بها جهات رسمية وشبه رسمية داخلية عدّة، بالتعاون مع البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، بغية بلورة بدائل لهذه الانظمة. وقد تمخضت محصلة هذه الجهود عن استحداث مشروع قانون للتقاعد وضمان الشيخوخة – أحيل منذ فترة طويلة الى المجلس النيابي – يؤمن انتقال الموظفين والعمال في القطاع الخاص، ممن سيفدون الى سوق العمل بعد تاريخ صدور القانون، الى النظام الجديد الموحّد، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة للموظفين والعمال المستفيدين راهنًا من نظام تعويضات نهاية الخدمة. واذا كان نظام ضمان الشيخوخة المقترح ينطوي على العديد من الايجابيات ويوّفر فرص استدامة اكبر، الا ان التعاطي معه من زاوية ارساء مرتكزات الحقوق الاجتماعية المنشودة، يستدعي إعادة التأكيد على المبادئ الاساسية التالية:
- ضرورة ان لا يشكل الانتقال الى النظام الجديد ستارًا للتملص من تسديد المبالغ المتوجبة على أصحاب العمل في ذمة المضمونين (مبالغ تسوية). فالتمسك في استعادة هذه المبالغ، والحفاظ على الأساسي من قيمتها الحقيقية (حتى لو جرى تقسيطها وطبقت عليها معدلات فائدة معتدلة) هو أمر حاسم الأهمية لتأمين فرص نجاح هذا الانتقال.
- ضرورة ايلاء مساحة اكبر للبعد التوزيعي للنظام الجديد الذي يغلب عليه في الأساس النظام الترسملي. ويكون ذلك تحديدًا عبر ضمان حد ادنى للمعاش التقاعدي، يراعي واقع تكاليف المعيشة في البلاد، مع وجوب اعادة تصحيح هذا الحد الأدنى في ضوء ارتفاع تكاليف المعيشة. ويصار الى تمويل هذا البعد التوزيعي عبر اقتطاع ضريبي اكبر من الشطور العليا للأجر، وربما عبر مساهمة ولو محدودة في تمويله من جانب الدولة.
- ضرورة شمول النظام الجديد لجميع العاملين بأجر في البلاد، لا ان تقتصر تغطيته – كما هو الحال في النظم القائمة راهنًا – على ما يقل عن نصف إجمالي الأجراء في البلاد. فمن بين أهم الحقوق الاجتماعية يبرز توسيع قاعدة التغطية وشمولها الفئات المكتومة التي تعاني أكثر من غيرها من الانكشاف على المخاطر.
رابعا: التوجّه الجدي نحو إستبدال نظم التأمينات الصحية العامة وشبه العامة، بنظام صحي وطني شامل يغطي ليس فقط العاملين ومن هم على عاتقهم بل جميع اللبنانيين المقيمين، بحيث يتم تحرير المجتمع من هموم ومشاكل الرعاية الصحية وما يصاحبها من أوجه عدم عدالة مؤكدة. وينبغي أن يوفّر هذا النظام الوطني الحدّ الأدنى من موجبات الرعاية الصحية للمقيمين، مع ترك المجال لمن يريد منهم الحصول على تغطية صحية أعلى شأنا وأوسع نطاقا أن يموّل من جيبه الخاص الكلفة المترتبة عن تلك التغطية الاضافية، التي يمكن شراؤها من شركات التأمين الخاصة. ويتطلب إقرار وتنفيذ هذا النظام، التوافق المسبق على هندسته المالية والإدارية، مع التشديد على وجوب تأمين تمويله من المال العام (أي من واردات الدولة)، وعلى إحلاله مكان فرع المرض والأمومة في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، بعد إخضاع هذا الأخير لعملية تطوير وإصلاح جذرية وشاملة.
خامسا: يشكل موضوع ضمان البطالة احد أبرز الحقوق الاجتماعية وهو جزء لا يتجزأ من معظم صيغ التعاقد الاجتماعي التي اقرّتها البلدان المتقدمة، وان تفاوتت شروط ودرجة تغطية هذا النوع من الضمانات، المفترض أن يستوحى من مبادئ اساسية راسخة: الحق في العمل، التكافل في وجه المخاطر وعدم اليقين، الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ونادرًا ما طرحت في لبنان مسألة اقرار نظام لضمان البطالة، بالرغم من ان خلفيات إصدار وتنفيذ قانون إنشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في اواسط الستينات، كانت قد لحظت امكانية توسيع مفاعيل هذا القانون ليشمل في مرحلة لاحقة تطبيق هذا النوع من التأمين. غير ان تفجر الحرب في لبنان والإفقار العام الذي نتج عنه، اضافة الى الخلل الفاضح في اداء وأولويات الطبقة السياسية وأمراء الطوائف، ان هذا كله قد حال دون إقرار ضمان البطالة في البلاد.
سادسا: التوجّه الحثيث نحو تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي الناظم لسوق العمل، لا سيما أن هذا الإطار يشكو راهنا من غياب شبه كلي أو من فعالية محدودة جدا. ويجب أن تنكب وزارة العمل بالتحديد، على تكوين نظام معلوماتي شامل وموثوق حول سوق العمل بغية رصد تطور العرض والطلب على العمل، وعلى تطوير ومأسسة كل من لجنة مؤشر أسعار الإستهلاك والمؤسسة الوطنية للإستخدام. كما يفترض أن تبلور الوزارة – عبر الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وبالتعاون مع وزارات أخرى – برامج لمعالجة وتقليص ظاهرة العمل غير النظامي، سواء في المؤسسات الخاصة أو في صفوف العاملين لحسابهم الخاص، وتشجيع هؤلاء عبر إجراءات أكثر مرونة على التصريح عن أعمالهم، في مقابل حصولهم على تقديمات وضمانات. ويندرج ضمن مهمات الوزارة أيضا وجوب إقرار مشروع قانون جديد للعمل والإلتزام بانفاذ أحكامه، والعمل على إصلاح وتفعيل الشأن النقابي وإستحداث هيكلية نقابية عصرية تعززّ الإنتساب الى النقابات والشفافية في التمثيل النقابي.
سابعا: التوجّه نحو تسهيل عملية الإنتقال الى العمل – سواء كأجراء أو كعاملين لحسابهم – من جانب الوافدين الى سوق العمل من خريجي الجامعات والتعليم المهني، أو من جانب المتسربين من التعليم. ويلعب تعزيز وتطوير التدريب المهني والخبرات العملية في مواقع العمل – بالتعاون ما بين وزارة العمل وجمعيات أصحاب العمل – دورا مهما في تسهيل هذه العملية الإنتقالية. وتقع على عاتق المؤسسة الوطنية للإستخدام مسؤوليات خاصة لجهة تحديد الإجراءات التنفيذية المفصّلة التي تتصل بعملية الإنتقال الى العمل وبمتابعة مسار تنفيذها بصورة مستمرة وإخضاع نتائجها للتقييم الدوري والمستدام. كما يقع على عاتقها أيضا الشروع من دون إبطاء في تنفيذ المشروع الذي سبق إقراره والمتعلق بتحفيز العمل الأول للشباب الوافدين الى سوق العمل.
للإطلاع على محور “بنية القوى العاملة وخصائصها في لبنان” كما ورد في كتاب نهوض لبنان، اضغط Ch12-v5 بنية القوى العاملة



