اقتصاد «الكاش» والدولرة الهشّة: كيف تحوّلت أزمة لبنان إلى نموذجٍ أكثر تشوّهاً؟ (اللواء 31 آب)

تقدّم القراءة الاقتصادية للواقع اللبناني معالم نموذجٍ تحوّلي مشوّه ولد من رحم أزمة عام 2019 المستمرة، وهو نموذج لم يكتفِ بتعطيل أدوات النهوض التقليدية وشل السياسة النقدية، بل أسّس لواقعٍ تكيّفي هش يقوم على «اقتصاد الكاش» والدولرة الشاملة بعيدا عن أي إصلاحات هيكلية حقيقية. وفي ظل تآكل القطاع المصرفي وانعدام الحماية الاجتماعية، أضحت المالية العامة تعتمد على قنوات تمويل غير تقليدية وعالية المخاطر، كتحويلات المغتربين والمساعدات النقدية لتغطية العجز التجاري المتفاقم، بالتوازي مع تراجع القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية نتيجة التضخم الداخلي وارتفاع سعر الصرف الفعلي الحقيقي.
ويستعرض هذا التحقيق تفكيكا عميقا لروافد الأزمة الراهنة وأسباب استمرار العجز التجاري واختلال الحركة التجارية أمام المنافسة الخارجية، إلى جانب تفنيد الرهان على مشاريع «إعادة الإعمار»، مشدّدا على أنها لا تعدو كونها حلولا مؤقتة ومسكّنات لا يمكنها معالجة الفجوة المالية للقطاع المصرفي أو معالجة أزمة الدين العام، وأن التعافي الفعلي لا يبدأ إلّا عبر إصلاحات هيكلية شاملة تعيد الانتظام المالي وتستقطب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
أربعة أسباب عمّقت التشوّه الاقتصادي!
من هذا المنطلق، يؤكد استاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية والباحث الاقتصادي لصحيفة «اللواء» جاسم عجاقة، أن «أزمة عام 2019 المستمرة حتى اليوم تسببت في خلق واقع اقتصادي تكيّفي زاد الاقتصاد هشاشة وتشوّها بدلا من الذهاب نحو تصحيح هيكلي حقيقي، ويرجع ذلك إلى أربعة أسباب رئيسية: أولها الدولرة الشاملة التي جرت دون إصلاحات نقدية، مما شل أدوات السياسة النقدية وعطّل دور المصرف المركزي، وثانيها التحوّل من الريع المصرفي إلى ريع تجاري وخدماتي بدائي قائم على «اقتصاد الكاش» العشوائي الذي نما على حساب الاقتصاد الشرعي وركز على الاستهلاك والتهرّب الضريبي والتهريب بدلا من الإنتاجية، وثالثها غياب التشريعات الإصلاحية وتكيف الاقتصاد مع الأمر الواقع في ظل عجز السلطات عن إقرار قوانين الفجوة المالية والانتظام المالي واسترداد الودائع، ورابعها انعدام الحماية الاجتماعية والإنفاق الاستثماري، وهي عوامل أدّت مجتمعة إلى إنتاج نموذج اقتصادي جديد أكثر سوءا وتشوّها من النموذج الذي كان سائدا قبل الأزمة».
قنوات تمويل العجز: حلول مؤقتة وعالية المخاطر
وفيما يخص تمويل عجز الحساب الجاري، الذي يتوقع أن يتراوح بين 17 و25% من الناتج المحلي الإجمالي، يوضح عجاقة أنه «يتم عبر قنوات غير تقليدية عالية المخاطر، وفي مقدمتها تحويلات المغتربين التي تغطي جزءا كبيرا من العجز التجاري لكنها تنقل بأساليب غير رسمية (عبر شركات تحويل الأموال أو مناولة باليد) مما يحرم القطاع المصرفي منها. كما تشمل هذه القنوات انتعاش «اقتصاد الكاش»، المساعدات النقدية المقدمة من المنظمات الدولية، استخدام الأصول والمدخرات المملوكة لأفراد وشركات في الخارج أو المخزنة في المنازل، إضافة إلى إيرادات الخدمات السياحية والمواسم الشتوية والصيفية التي تدعم تدفق الدولار».
ويرى عجاقة أن «جميع هذه الوسائل تبقى حلولا غير تقليدية ولا تغني عن القناة الطبيعية المستدامة، والمتمثلة في تصدير سلع وخدمات توازي قيمة ما يتم استيراده، وهو ما يفتقده الاقتصاد الحالي تماما».
العجز التجاري: أسباب بنيوية تعطل النمو المستدام
وأمام كل تلك المعطيات، تؤكد توقعات وكالة «ستاندرد أند بورز» استمرار العجز التجاري للسلع عند مستويات مرتفعة تتجاوز ثلث الناتج المحلي الإجمالي بعد عقد تقريبا من بدء الأزمة، وهو ما يرجعه عجاقة إلى ثلاثة أسباب رئيسية: «أولها غياب القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد المحلي والاعتماد المفرط على الواردات نتيجة انعدام رأس المال الاستثماري، وثانيها انعدام التمويل التجاري وخطوط الائتمان المخصصة للتصدير والتصنيع، حيث بات الاعتماد كليا على «اقتصاد الكاش» مما يحدّ من قدرة القطاعات الصناعية والزراعية على التوسّع والنفاذ إلى الأسواق الخارجية، وثالثها غياب السياسات التحفيزية والدعم الحكومي الموجّه للقطاعات الإنتاجية، مما يرسّخ عجز الميزان التجاري ويعطّل أي فرصة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام».
ارتفاع سعر الصرف الحقيقي: ضربة للتنافسية وتعميق لخلل التجارة
وحول كيفية مساهمة ارتفاع سعر الصرف الفعلي الحقيقي (بنسبة 8.4% عام 2025) بالتوازي مع ثبات السعر الاسمي في إضعاف القدرة التنافسية وزيادة تعقيد التعافي الاقتصادي، يشرح عجاقة أنه «عند تثبيت سعر الصرف الاسمي، يرتبط سعر الصرف الفعلي الحقيقي تلقائيا بمعدلات التضخم الداخلي، إذ يرتفع بارتفاع التضخم والعكس صحيح. ويرجع عجاقة أسباب التضخم في لبنان إلى فارق مستوياته مقارنة بالدول الأخرى، مما يرفع التكاليف المحلية ويضعف القدرة التنافسية للسلع والخدمات اللبنانية من حيث السعر أمام اقتصادات منافسة كالصين ومصر وتركيا. ويضيف أن النظام المتبع في ظل دولرة الاقتصاد يجعل السلع المستوردة أرخص مقارنة بالمنتجات المحلية، مما يخلق اختلالا في الحركة التجارية ويدخل البلاد في حلقة مفرغة تعطّل النمو الاقتصادي».أخبار لبنان
الرهان على «إعادة الإعمار»: حلّ مؤقت لا يلغي الإصلاح
وفيما يتعلق بالرهان على «إعادة الإعمار» كمحرك لتحقيق نمو محدود وما إذا كان مجرد مسكّن لا يعالج الانكماش الحاد ولا يلغي الحاجة للتمويل الخارجي، يشدّد عجاقة على أن «إعادة الإعمار دون إصلاح هيكلي يخلق طلبا كبيرا لكنه مؤقت، وسرعان ما يتوقف بمجرد انتهاء المشاريع وتوقف الضخ المالي وكأن شيئا لم يكن. في المقابل، يرى عجاقة أن إنجاز الإصلاحات يرفع كفاءة الإنتاج محليا ويفعّل الماكينة الاقتصادية تلقائيا، فضلا عن أنه يجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويرتب الميزانيات، ويحسن الوساطة المالية، مما يضمن تدفقات مالية مستدامة».
ويختم مشيرا إلى أن «مشاريع إعادة الإعمار لا يمكنها معالجة الفجوة المالية في القطاع المصرفي ولا حل أزمة الدين العام المتراكم».



