أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

لبنان والإمارات: شراكة تتجدّد وفرص تتوسّع (اللواء 31 آب)

لا يمكن النظر إلى زيارة معالي وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي والوفد الاقتصادي ورجال الأعمال المرافق له إلى لبنان بمعزل عن التحوّلات التي تشهدها المنطقة، ولا عن عمق العلاقة التاريخية التي جمعت لبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة على المستويين الرسمي والشعبي. فالزيارة تتجاوز في دلالاتها البُعد الاقتصادي المباشر، لتشكّل رسالة ثقة وانفتاح، وفرصة لإعادة بناء شراكة اقتصادية واستثمارية قادرة على إنتاج نتائج ملموسة.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل حرص دولة الإمارات على نسج وتعزيز أقوى العلاقات والشراكات في الشرق الأوسط، انطلاقا من رؤية تقوم على الانفتاح والتعاون وتبادل المصالح وبناء شراكات اقتصادية مستدامة. ومن هنا، فإن الحضور الإماراتي في لبنان يمكن أن يشكّل فرصة لإعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية بين البلدين وفتح آفاق جديدة أمام القطاع الخاص والمستثمرين.

وتأتي الزيارة في وقت يحتاج فيه الاقتصاد اللبناني إلى استثمارات نوعية تساهم في إعادة إطلاق عجلة النمو، وخلق فرص العمل، وتنشيط القطاعات الإنتاجية. ورغم التحدّيات، لا يزال لبنان يمتلك مقومات مهمة لجذب المستثمر الجادّ، من رأس المال البشري والكفاءات، إلى الموقع الجغرافي، والقدرات السياحية، والقطاعات الصناعية والزراعية، إضافة إلى الفرص الواعدة في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والخدمات واللوجستيات والطاقة وإعادة الإعمار.

وفي المقابل، تمثل دولة الإمارات نموذجا متقدّما في تحويل الاستثمار إلى أداة للتنمية وتنويع الاقتصاد وبناء الشراكات الدولية. وقد اكتسب القطاع الخاص الإماراتي خبرات واسعة في قطاعات متعددة، من العقارات والسياحة والضيافة والطاقة والنقل واللوجستيات، وصولا إلى التكنولوجيا والخدمات المالية والاقتصاد الرقمي. وبالتالي، فإن حضور رجال الأعمال الإماراتيين إلى لبنان يمكن أن يشكّل مدخلا لشراكات حقيقية تقوم على المصالح المشتركة والخبرات المتبادلة.

لكن الأهم اليوم هو الانتقال من النوايا إلى المشاريع. فلبنان لا يحتاج إلى المزيد من الحديث عن الفرص الاستثمارية بقدر ما يحتاج إلى تحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، واستثمارات طويلة الأمد، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، ومشاريع إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل.

وهنا تبرز أهمية دور المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان «إيدال»، باعتبارها الجهة الوطنية المعنية بتسهيل الاستثمار والترويج له وربط المستثمر بالفرص المتاحة والجهات المختصة. فدور إيدال لا يتمثل في تمويل المشاريع، بل في تسهيل رحلة المستثمر، وتوفير المعلومات والبيانات، والتعريف بالفرص الاستثمارية، ومواكبة المستثمر، والعمل على تحسين البيئة الاستثمارية. ويمكن لإيدال أن تؤدي دورا أساسيا في تحويل الاهتمام الإماراتي إلى مشاريع استثمارية واضحة وقابلة للدراسة والتنفيذ.تاريخ

وفي المقابل، فإن الانفتاح الإماراتي يمثل فرصة ومسؤولية للبنان في آن واحد. فالاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة وشفافة وقابلة للتنبؤ، ولذلك يتعين على لبنان مواكبة هذا الانفتاح بإجراءات عملية لتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وحماية حقوق المستثمرين، وتطوير التشريعات وتسهيل الإجراءات.

كما أن قيمة الاستثمار لا تقاس فقط بحجم رأس المال، بل بأثره الاقتصادي. فمشروع واحد قادر على خلق فرص عمل، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، وزيادة الصادرات، وفتح أسواق جديدة، وربط لبنان بسلاسل القيمة الإقليمية والدولية، قد يكون أكثر أهمية من عشرات الاستثمارات المحدودة.أخبار لبنان

ولا يمكن إغفال دور اللبنانيين المقيمين في الإمارات، الذين يشكّلون جسرا بشريا واقتصاديا مهماً بين البلدين، ويمكن أن يساهموا في تعزيز التواصل بين المستثمرين الإماراتيين والفرص المتاحة في لبنان.

من هنا، ينبغي أن تكون زيارة الوفد الإماراتي بداية لمسار متكامل، تتبعها لقاءات قطاعية متخصصة، وتحديد مشاريع ذات أولوية، وبناء قنوات تواصل مستمرة بين المستثمرين الإماراتيين والقطاع الخاص اللبناني.

إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى مستثمر قصير الأمد، بل إلى شريك في بناء المستقبل. والإمارات، بما تمتلكه من خبرة ورؤية وقدرة استثمارية، وبما تبديه من حرص على بناء أقوى العلاقات والشراكات في المنطقة، يمكن أن تكون شريكا أساسياً في هذه المرحلة.

فالنجاح الحقيقي لهذه الزيارة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات، بل بقدرتها على إنتاج مشاريع واستثمارات وشراكات جديدة تترك أثرا ملموساً في الاقتصاد اللبناني، وتفتح صفحة جديدة عنوانها الثقة، والشراكة، والاستثمار المنتج، والمصالح المتبادلة.

 

بواسطة
د. ماجد منيمنة
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى