خاص- التعميم 174.. هل بدأ العد العكسي لاسترداد الودائع؟

أصدر مصرف لبنان مؤخرًا التعميم 174 الموجّه إلى المصارف والمؤسسات المالية، والذي ينص على تخصيص رقم تعريفي موحّد لكل مودع، بهدف توحيد البيانات وعدم تمكن المودع من الاستفادة المزدوجة من التعاميم. فهل يمكن اعتبار هذه الخطوة استباقية تمهيدًا لإقرار قانون استرداد الودائع؟ وكيف ينبغي للمودع أن يقرأ هذا الإجراء؟
في هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي والكاتب في صحيفة نداء الوطن أنطوان فرح أن اعتماد مركزية المعلومات الخاصة بالمودعين ليس خطوة جديدة، إذ كان يتم جمع هذه المعلومات واستخدامها حتى قبل صدور التعميم 174، وإن لم يكن ذلك بالآلية نفسها المعتمدة حاليًا.

وأوضح فرح أنه قبل الأزمة المالية والانهيار، كان مصرف لبنان يتولى جمع المعلومات المتعلقة بالمودعين، فعندما كان أحد المصارف يرغب في الحصول على معلومات عن أحد عملائه، سواء في إطار دراسة طلب للحصول على قرض أو نتيجة وجود إشكالات أو معطيات محددة تتعلق به، كان يطلب هذه المعلومات من مصرف لبنان. وكان المصرف المركزي يجمع المعلومات المتوافرة لديه ويزوّد بها المصرف المعني، لتُستخدم لاحقًا في تقييم وضع العميل واتخاذ القرار الائتماني المناسب بحقه.
وأشار إلى أنه في مرحلة لاحقة، جرى توظيف هذه الآلية والاستفادة منها في إطار تطبيق التعميمين 158 و166، بهدف ضمان عدم حصول أي مودع على مدفوعات بموجب هذه التعاميم من مصدرين أو مصرفين مختلفين. وبالتالي، فإن مبدأ مركزية المعلومات كان موجودًا أصلًا، لكنه لم يكن منظّمًا ومطبقًا ضمن قاعدة مركزية بالشكل الذي يحدده التعميم 174.
ولفت فرح إلى أن التعميم 174 يأتي لتنظيم مركزية المعلومات الخاصة بالمودعين، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية لدى مصرف لبنان تتوافر فيها المعلومات المتعلقة بكل مودع، بحيث لا يعود المصرف المركزي مضطرًا إلى جمع هذه البيانات في كل مرة يحتاج إليها أو تُطلب منه.
وبموجب هذه الآلية، يصبح لكل مودع ملف خاص ضمن قاعدة البيانات المركزية، يتضمن المعلومات المتعلقة بحساباته لدى المصارف، إضافة إلى أي قروض أو ودائع عائدة له، بما يتيح تكوين صورة شاملة عن وضعه المصرفي.
ورأى فرح أن لهذه الخطوة هدفين أساسيين: الأول تنظيم العمل المصرفي مستقبلًا، والثاني أنها تشكل إجراءً تمهيديًا لتطبيق قانون استرداد الودائع ولا سيما في ما يتعلق بالحد الأقصى المحدد للمبالغ التي يمكن أن يستفيد منها المودع. وأوضح أن الآلية نفسها التي استُخدمت في تطبيق التعميمين 158 و166 يمكن اعتمادها في إطار هذا القانون، خصوصًا وأنه ينص على إعطاء ما يصل إلى 100 ألف دولار لكل مودع.
وأشار إلى أن غالبية المودعين لديهم أكثر من حساب مصرفي، وبالتالي فإن وجود قاعدة بيانات مركزية يهدف إلى الحؤول دون استفادة المودع نفسه من أكثر من مصدر أو مصرف للحصول على المبلغ المستحق له.
وفي ما يتعلق بأعداد المودعين، كشف فرح أن عدد الحسابات المصرفية تراجع خلال سنوات الأزمة من نحو مليون و100 ألف حساب إلى نحو 930 ألف مودع في المصارف اللبنانية. واستنادًا إلى أرقام مصرف لبنان حتى شهر نيسان، فإن نحو 260 ألف مودع أنهوا سحب ودائعهم من المصارف اللبنانية، فيما لا يزال قسم من الحسابات قائمًا، وبعضها شارف على الانتهاء.
وأشار إلى أن هناك أيضًا شريحة من المودعين لم تستفد أصلًا من أي من التعاميم، ولا سيما أصحاب الحسابات الكبيرة التي تتجاوز قيمتها مليون دولار، ما يثير تساؤلات ومخاوف حول كيفية تأمين السيولة اللازمة لتسديد هذه الودائع.
ورأى فرح أن المشكلة الأساسية تكمن في تأمين الأموال اللازمة لتسديد ودائع المودعين، خصوصًا أن مصرف لبنان دفع حتى اليوم نحو 7 مليارات دولار في إطار التعميمين 158 و166. وعليه، يبقى السؤال الأساسي المطروح: من أين ستُؤمَّن الأموال اللازمة لتسديد بقية الودائع المصرفية؟



