إسرائيل ترفض أي تسوية قبل السلاح… روما بلا موعد والاتصالات تستمر للخرق (الجمهورية 24 آب)

لم يُسجّل أمس أي تطور إيجابي على جبهة المفاوضات المباشرة اللبنانية ـ الإسرائيلية التي لم يُحدّد بعد موعد جولتها الثامنة في روما، المعلن مبدئياً انّه سيكون في أيلول المقبل. وبدا الجمود يلف المشهد، على رغم من الموقف الأخير للموفد الأميركي توم براك، الذي حرّك ديبلوماسياً المياه الراكدة قليلاً، فيما تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب. وقد حاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال زيارته الأخيرة لروما والفاتيكان، إعادة تحريك الاتفاق الإطاري، وطرح بدائل لمهمّة قوات «اليونيفيل». فيما قرّر البابا لاوون الرابع عشر بعد لقائه الرئيس عون، إيفاد أحد مساعديه الكبار إلى واشنطن، لفتح مظلة دولية تحمي لبنان في ظل المشهد الإقليمي السائد.
توقفت مصادر سياسية عند التطور الذي شهدته المعادلة السياسية في لبنان، والذي تمثل بإبداء «حزب الله» استعداده للتفاوض غير المباشر مع واشنطن، خصوصاً أنّه تقاطع مع دعوة الموفد الأميركي توم برّاك إلى توسيع دائرة القوى التي يتمّ التفاوض معها لتشمل «حزب الله» وإيران. وقالت هذه المصادر لـ«الجمهورية»، إنّه مع هذا التطور، يُطرح سؤال: ماذا سيكون موقف القيادة اللبنانية الرسمية، التي تدير تحركات ديبلوماسية مكثفة لوقف العمليات الإسرائيلية وتأمين الانسحاب من الجنوب، من خلال مفاوضات روما؟ وما انعكاسات هذا التطور المحتملة على تلك المفاوضات؟
ولكن، حتى الآن، لا يبدو أنّ الجانبين الأميركي والإسرائيلي، وعلى رغم من هذه المرونة، قد قلّصا من مناخات التصعيد، سواء في الميدان أو التفاوض. فتل أبيب ترفض الحلول الديبلوماسية قبل الشروع في تفكيك قدرات الحزب العسكرية جنوباً، وهي تستمر في استهدافها العنيف للنقاط الاستراتيجية، ولا سيما منها تلة علي الطاهر. وأما واشنطن، فتصرّ على فرض آليات رقابة صارمة على الحزب، وهي تشارك إسرائيل رفضها أي تفاهمات إقليمية، من دون تقديم الحزب تنازلات وضمانات أمنية ملموسة.
ورأت المصادر، أنّ إبداء «حزب الله» استعداده للتفاوض مع واشنطن من شأنه أن يغيّر في طبيعة المعادلة النزاعية القائمة حالياً في لبنان، ويفتح الباب لتعقيدات تفاوضية، بحيث تكون على المحك قدرة الدولة اللبنانية على التعاطي مع هذا التحول. فأي تسوية يجب أن تتمّ تحت سقف الدولة ولا تكون بمثابة تكريس لضعفها.
لا مؤشرات جدّية
إلى ذلك، نقلت قناة «الجديد» عن مصادر سياسية ووزارية، أنّ الجمود لا يزال يخيّم على مسار التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي، في ظل استمرار المراوحة الإسرائيلية، ما يحول دون تحقيق أي خرق أو تقدّم، أقله خلال الأسابيع المقبلة.
وأشارت المصادر إلى أنّ تسوية بشأن تلة علي الطاهر كانت مطروحة للنقاش منذ نحو شهر، إلّا أنّ «حزب الله» لم يتلقفها حينها، لافتة إلى استمرار الأخذ والردّ في شأن الملف بين الولايات المتحدة وإسرائيل ورئيس مجلس النواب نبيه بري والحكومة اللبنانية وصولاً إلى «حزب الله»، من دون وجود مؤشرات جدّية يمكن البناء عليها حتى الآن.
وفي ملف المفاوضات، أكّدت هذه المصادر عدم وجود مواعيد محدّدة بعد لجولات تفاوضية جديدة في روما، مشيرة إلى توافق على إيطاليا ضمن آلية التحقق، فيما لا تزال هوية الدول الأخرى المشاركة ودورها ومهماتها وعلاقتها بالجيش اللبناني والغطاء الأممي، غير محسومة. وبحسب المصادر، فإنّ اجتماع أيلول يستند إلى مبادرة أردنية ـ فرنسية جرى العمل عليها، فيما تُرتّب حالياً الدعوات ويُحدَّد مستوى التمثيل. كما قدّرت احتياجات الجيش اللبناني لتنفيذ كل مهمات الانتشار بمليارات الدولارات، استناداً إلى متطلبات الميدان وما طُرح في مصر، معتبرة أنّ تأمين الدعم للجيش يحتاج إلى غطاء دولي ـ عربي، ويبقى مرتبطاً بملف نزع السلاح والترتيبات الأمنية من الجنوب إلى شمال الليطاني وصولاً إلى البقاع.
وفي السياق، قالت مصادر مطّلعة، إنّ الجهة التي ستتولّى عملياً مهمّة التحقق في الجنوب لم يُحسم اسمها بعد، فيما تتقدّم إيطاليا الخيارات المطروحة. وأوضحت أنّ عدم تشكيل لجنة للتحقق يحول دون تطبيق مناطق تجريبية إضافية، ما يعني استمرار حال المراوحة حتى الآن.
ويُنتظر أن يبحث قائد الجيش العماد رودولف هيكل الموجود في روما، في آلية التحقق، طبيعة القوة الدولية، عديدها وعتادها، وآليات عملها، بالتوازي مع البحث في مستقبل «اليونيفيل» وما قد يأتي بعدها. والجيش يدخل هذا المسار بثابتة واحدة: جهة دولية تتحقق فنياً باستقلالية، لكن لا تتحرك داخل لبنان بمعزل عن الجيش، ولا تتحول إلى سلطة رقابية موازية، ولا تجعل من كل خطوة لبنانية إنجازاً قابلاً لإعادة التشكيك والرفض وفق الحساب الإسرائيلي. وسيُبلغ العماد هيكل إلى المعنيين في روما عدم وجود مشكلة في تشكيل لجنة التحقق، شرط أن يتمّ التنسيق الكامل والمتبادل، وسيشدّد على ضرورة عدم التشكيك بتحركات الجيش، كذلك سيتطرّق إلى العمليات الإسرائيلية التي تعرقل تنفيذ مهماته وانتشاره.
في هذه الأثناء، وبعدما بدأت قوة «اليونيفيل» تسليم مراكزها في الجنوب إلى الجيش اللبناني تمهيداً لانتهاء ولايتها وانسحابها الكامل أواخر السنة الجارية، طُرح سؤال عن مصير المراكز الواقعة داخل ما سُمّي «الخط الأصفر»، أي المناطق والبلدات التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، قالت الناطقة الرسمية باسم «اليونيفيل» كانديس آرديل، إنّ «الخط الوحيد ذا الصلة بـ«اليونيفيل» والأمم المتحدة هو الخط الأزرق، وأي وجود إسرائيلي شمال الخط الأزرق يُعدّ انتهاكاً للقرار 1701، وقد طالبنا مراراً وتكراراً جيش الدفاع الإسرائيلي بالانسحاب والامتثال الكامل للقرار». وأضافت أنّ «الوجود الإسرائيلي الحالي والنشاط العسكري المكثّف في منطقة عمليات «اليونيفيل» يجعلان الوضع أكثر تعقيداً بكثير مما كان عليه عند اعتماد مجلس الأمن القرار 2790».
وختمت: «نجري حالياً عمليات التخطيط لتحديد أفضل السبل لتسليم المواقع عند حلول موعد الانسحاب النهائي لليونيفيل، بما في ذلك التسليم الرسمي للممتلكات إلى السلطات اللبنانية».
مواقف
في المواقف، تمنّى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في قداس الأحد من الديمان أمس «أن تثمر المفاوضات الجارية حلًا ثابتًا يحفظ لبنان وحقوقه، ويؤدي إلى وقف الاعتداءات والانسحاب من أرضه واستعادة كامل سيادته»، معتبرًا أنّ استمرار البحث في الملفات من دون الوصول إلى الحل المنشود يبقي البلاد في دائرة القلق وعدم الاستقرار. ومشدّداً على أنّ السلام الذي يحتاج إليه لبنان ليس مجرد تهدئة ظرفية، بل استقرار ثابت يحفظ الأرض والإنسان ويعيد إلى المواطنين حقهم في العيش بأمان في قراهم وبيوتهم. وأكّد أنّ «الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة السيادة والقرار على كامل أراضيها، وأن يكون الجيش والمؤسسات الشرعية ضمانة وحدة الوطن وأمنه واستقراره». وشدّد على أنّ «الوطن لا يقوم بقرارين، والدولة لا تستقيم بسلطات متوازية، والسيادة لا تتجزأ، لأنّ مفهوم السيادة يعني بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وأن يكون القرار في يد المؤسسات الشرعية وحدها». ورأى أنّ استعادة الدولة لدورها ليست مسألة سياسية ظرفية، بل شرط أساسي لبقاء لبنان دولة فعلية قادرة على حماية جميع أبنائها بالتساوي، لأنّ تعدّد مراكز القرار يُضعف الدولة ويهدّد وحدة المجتمع ويجعل الاستقرار رهينة موازين القوى». وأكّد الوقوف إلى جانب الجيش اللبناني في مهمّته الوطنية، داعيًا إلى تعزيزه وتقويته ليكون قادرًا على حماية الحدود وتثبيت الاستقرار وبسط سلطة الدولة.
وشدّد على أنّ الجيش هو «جيش الوطن ومؤسسة لجميع اللبنانيين، وليس مؤسسة لفئة أو طائفة أو منطقة، وأنّ تقويته هي تقوية للدولة نفسها، ودعمه يشكّل ضمانة لاستقرار البلاد ووحدة أراضيها وسيادتها».
الخطيب
ومن جهته، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب، نوّه بموقف قيادة الجيش اللبناني الوطنية «التي رفضت أن تتماهى وأن تتنازل عن شرفها وعن كرامتها، في الحفاظ على لبنان وعن شعبه وأرضه وكرامة لبنان كل لبنان». وقال: «إنّ موقف الجيش اللبناني صنع اليوم فارقاً أمام الانحدار في الموقف السياسي، وحافظ على وحدة هذا الوطن أمام الانقسام السياسي. فالجيش يجمع، بينما للأسف القوى السياسية قسّمت البلد مناطق وأجزاء وطوائف».
وقال الخطيب خلال تشييع العميد الركن صالح الحاج سليمان في بدنايل: «أتوجّه إلى السلطة اللبنانية التي ربما وجدنا لها عذراً، ولا عذر لها في الذهاب إلى التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، إلّا أنّه بعد فشل هذا المسعى، ولم تستطع السلطة بهذه المفاوضات أن تسترجع حبة تراب واحدة بالمفاوضات المباشرة، فلم يبقَ لها عذر، ولذلك للمرّة الألف نقول لهذه السلطة عودي عن الخطأ الذي أرتكبته، وعليكِ أن تقفي إلى جانب شعبكِ، والمقاومة ليست دولة خارج الدولة، الدولة هي بمؤسساتها موجودة، ولكن حينما لا تقوم السلطة بدعم الجيش وبتسليحه وتمكينه من مواجهة العدو الإسرائيلي لأي سبب من الأسباب، كانت لدينا هذه المقاومة».
اقتصادياً
توقّع البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4% في 2026، بعدما كان لبنان قد سجّل نمواً بنسبة 4.2% في 2025، هو الأسرع منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019. وقال البنك الدولي، في أحدث إصدار من تقرير «المرصد الاقتصادي للبنان» بعنوان «اقتصاد مزقته الصراعات» (A Conflict-Torn Economy)، إنّ التصعيد الذي بدأ في آذار 2026 أوقف بصورة حادة زخم الاستقرار والتعافي الهش الذي ظهر خلال العام الماضي.
وقالت مديرة البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط داليا خليفة، إنّ التعافي الهش للبنان تعرّض «لانتكاسة حادة» بفعل تجدد الصراع، ما زاد من حدّة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية القائمة أصلاً. وشدّدت على أنّ المضي في الإصلاحات، ولا سيما إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإدارة المالية العامة، سيكون حاسماً لاستعادة الثقة وحماية الاستقرار وتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار والتعافي.
وكشف التقرير، عن تقدير لافت لحجم الأثر الاقتصادي للحرب، إذ خلص إلى أنّ نمو الناتج المحلي سيكون أقل بـ10.4 نقاط مئوية مقارنة بالسيناريو الافتراضي الذي لم يكن الصراع ليتجدّد فيه. وركّز البنك في تقدير التأثير المباشر على قناتين أساسيتين، هما إيرادات السياحة والاستهلاك الخاص، وهما من أبرز المحركات التي ساعدت الاقتصاد على التعافي في 2025. ولا تقتصر المخاطر، وفق البنك الدولي، على الخسائر الآنية. فاستمرار النزوح وتدمير رأس المال المادي وتعطّل التعليم والرعاية الصحية واحتمال مغادرة أصحاب المهارات والكفاءات، يمكن أن تترك آثاراً طويلة الأمد على القدرة الإنتاجية للبنان وآفاق النمو في المدى المتوسط.
التضخم يرتفع إلى 17.5%
وفي موازاة الانكماش، يتوقع البنك الدولي ارتفاع التضخم إلى 17.5% خلال 2026، نتيجة اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط، ما يؤدي إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للسكان. أما سعر الصرف، فبقي مستقراً، بدعم من استخدام الاحتياطات وتشديد السيولة بالليرة اللبنانية، إلّا أنّ البنك حذّر من احتمال تعرّضه لضغوط إذا تراجعت التدفقات المالية من الخارج أو استمرت الصدمات المرتبطة بالصراع.
وأشار التقرير إلى أنّ المالية العامة حافظت على أداء قوي خلال النصف الأول من 2026، امتداداً للتحسن المسجل في العام السابق. وكانت الحكومة قد حققت فائضاً إجمالياً يعادل 3.9% من الناتج المحلي في 2025، مدعوماً بتحسن الامتثال الضريبي وزيادة تحصيل الجمارك وضريبة القيمة المضافة. لكن هذه الصورة قد تتغيّر خلال النصف الثاني من السنة، مع ارتفاع الاحتياجات الإنسانية وكلفة إعادة الإعمار والضغوط لزيادة أجور القطاع العام وتباطؤ نمو الإيرادات.
وحذّر البنك الدولي من أنّ الدين العام اللبناني لا يزال غير مستدام، في وقت لم تبدأ بعد مفاوضات إعادة هيكلته. ووصف القطاع المصرفي بأنّه لا يزال يعاني ضعفاً عميقاً، على رغم من إحراز بعض التقدّم في أجزاء من أجندة إعادة الهيكلة. ويرى البنك أنّ احتياجات لبنان الملحّة للإغاثة وإعادة الإعمار تجعل تنفيذ الإصلاحات أكثر إلحاحاً، ليس فقط لاستعادة النمو، وإنما أيضاً لإعادة بناء الثقة وحشد التمويل الخارجي.
وبذلك، يرسم التقرير مساراً اقتصادياً معاكساً تماماً لما بدأ به لبنان عام 2026: من نمو 4.2% في العام السابق وآمال بتثبيت التعافي، إلى انكماش متوقع بـ6.4%، مع تحذير أكثر عمقاً من أنّ آثار الصراع قد تتجاوز أرقام العام الجاري إلى إضعاف قدرة الاقتصاد على النمو لسنوات مقبلة.
===



