من «المنطقة العازلة» إلى الاستيطان: لبنان في دائرة العقيدة الإسرائيلية الجديدة (الأخبار 24 آب)

لم تعد المسألة في لبنان، وفق التحوّل الذي ترصده دراسة عوفر شيلح عن «الاستراتيجية الأمنية الجديدة» في إسرائيل، تتعلق بعمليات عسكرية محدودة وراء الحدود أو باحتلال نقاط يمكن التفاوض لاحقاً على الانسحاب منها. ما يتشكّل أخطر من ذلك: إعادة تعريف إسرائيل للحدود نفسها، بحيث تصبح حدود الدولة السياسية غير كافية في المنظور الأمني الجديد، وتحلّ محلها حدود أمنية متحرّكة تمتد داخل أراضي الدول المجاورة. وفي الحالة اللبنانية، تحمل هذه الفكرة تهديداً مباشراً ليس فقط للسيادة، بل لوحدة الأراضي اللبنانية نفسها، لأن شيلح يربط بوضوح بين إنشاء «المناطق العازلة» وتصوّر موجود لدى قوى إسرائيلية نافذة يرى أن «الاستيطان يوفّر الأمن»، ويحذّر من أن يؤدّي ذلك في النهاية إلى إقامة مستوطنات داخل تلك المناطق.
هذه النقطة تستحقّ التوقّف عندها طويلاً، لأنها تنقل النقاش حول جنوب لبنان إلى مستوى مختلف تماماً. المنطقة العازلة في المفهوم العسكري التقليدي قد تكون منطقة مؤقتة تنشأ خلال الحرب، ثم تنتهي بانتهاء الضرورة العسكرية أو بالتوصل إلى اتفاق سياسي. أمّا في التصوّر الذي يناقشه شيلح، فهي جزء من عقيدة حرب دائمة. رئيس أركان جيش العدو إيال زامير يتحدث عن تغيير استراتيجي يقوم على ضرب العدو مُسبقاً، وإزالة التهديدات، وإنشاء مناطق منزوعة السلاح داخل أرض الخصم، بحيث يحمي الجيش الإسرائيلي المدنيين الإسرائيليين من وراء الحدود لا من داخلها فقط. وشيلح يلفت إلى أن هذه المناطق لا تقتصر عملياً على نزع السلاح، بل تتضمن وجوداً عسكرياً إسرائيلياً قائماً في غزة ولبنان وسوريا، وهذا تحوّل خطير، فحين تقرر دولة أن حدودها الآمنة يجب أن تقع داخل أراضي دولة أخرى، فهي انتقلت عملياً من الدفاع عن الحدود إلى إنكار كفاية الحدود القانونية نفسها. والأخطر أن منطق المنطقة العازلة يحمل في داخله قابلية للتوسّع.
يشرح شيلح الآلية بدقّة: توجد داخل إسرائيل قوى مؤثّرة ترى أن الاستيطان بحد ذاته يوفّر الأمن؛ وعندما تُنشأ منطقة عازلة داخل أرض الخصم، يمكن لهذا المنطق أن يقود إلى إقامة مستوطنات فيها. عندها يحتاج المستوطنون إلى حماية الجيش، وحماية المستوطنين تستدعي توسيع المساحة التي يسيطر عليها الجيش، فتتوسّع المنطقة العازلة مجدّداً، ثم تصبح المساحة الجديدة بدورها مرشّحة لاستيطان إضافي. إنها دائرة ذاتية التوسّع: احتلال أمني يولّد استيطاناً، والاستيطان يولّد احتلالاً أمنياً أوسع.
في لبنان، تعني هذه الدينامية شيئاً أكثر خطورة من وجود قوات إسرائيلية في عدد من النقاط الحدودية. فهي تفتح نظرياً الطريق أمام تحويل أجزاء من الجنوب إلى مجال جغرافي منفصل جزئياً عن الدولة اللبنانية: منطقة يتحكّم الجيش الإسرائيلي بالدخول إليها والخروج منها، ويفرض فيها ترتيبات أمنية خاصة، ثم قد تتحوّل مع الوقت من منطقة عسكرية إلى مجال ذي وظيفة مدنية إسرائيلية أيضاً.
لا يقول شيلح إن قراراً رسمياً اتُّخذ بإقامة مستوطنات إسرائيلية في جنوب لبنان.
هذه نقطة يجب أن تبقى واضحة. ما يقوله هو أن الجمع بين عقيدة المناطق العازلة والعقيدة التي ترى في الاستيطان أداة أمنية يخلق منطقاً يمكن أن يقود إلى ذلك. وتحذيره يشمل صراحة المناطق العازلة في غزة ولبنان وسوريا. لذلك لا يجوز التعامل مع المسألة باعتبارها مجرّد خيال بعيد، ولا في الوقت نفسه باعتبار الاستيطان في لبنان خطة إسرائيلية مُعلنة ومُقرّرة. نحن أمام خطر بنيوي موجود داخل العقيدة الجديدة نفسها.
وهذا ما يجعل التحوّل الإسرائيلي الحالي مهماً بالنسبة إلى لبنان. فالمسألة لم تعد مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية الحالية فقط، ولا بمسار حرب واحدة، بل بنقاش أعمق حول وظيفة القوة العسكرية الإسرائيلية. شيلح يستشهد بأفكار متداولة داخل المؤسسة العسكرية تدعو إلى انتقال الجيش الإسرائيلي من قوة دفاعية محلية تركّز على الدائرة الأولى المحيطة بإسرائيل إلى قوة إقليمية قادرة على العمل بصورة مستمرة وطويلة الأمد في أنحاء الشرق الأوسط، ليس فقط لإزالة الأخطار بل لتغيير البيئة السياسية والأمنية المحيطة بإسرائيل بالقوة.
الاستراتيجية الجديدة التي ينتقدها شيلح تقوم على فكرة أن الخطر دائم، والإنذار غير مضمون، والردع مؤقّت، ومن ثم يصبح الاستنتاج أن الحرب يجب أن تكون دائمة أيضاً. لا تنتظر إسرائيل أن يتحوّل امتلاك الخصم للقدرة إلى تهديد وشيك؛ المطلوب منع تشكل القدرة نفسها. وبالنسبة إلى لبنان، يعني ذلك أن وجود أي قدرة عسكرية تعتبرها إسرائيل تهديداً يمكن أن يصبح مبرّراً لاستمرار العمل العسكري داخل الأراضي اللبنانية، حتى في غياب حرب شاملة.
وهنا يظهر التهديد المباشر لسلامة الأراضي اللبنانية. الدولة قد تبقى مرسومة على الخريطة ضمن حدودها المُعترف بها، بينما تفقد عملياً القدرة على ممارسة سيادتها على جزء من أراضيها. والنقطة هنا، ليست برفع العلم الإسرائيلي أو إعلان الضم رسمياً، بل السيطرة العسكرية المستمرة، ومنع السكان من العودة، وتغيير استخدام الأرض، والتحكّم بالحركة، ثم إدخال وجود مدني استيطاني في مرحلة لاحقة، كلها يمكن أن تنتج ضمّاً فعلياً متدرّجاً من دون إعلان قانوني فوري للضم.
وهذه المسألة تصبح أشد حساسية مع الاستيطان. الوجود العسكري يمكن، نظرياً، تفكيكه بقرار عسكري أو سياسي. أمّا الاستيطان فيخلق واقعاً مختلفاً: منازل، طرق، بنى تحتية، سكان، مؤسسات، ثم خطاباً سياسياً يقول إن حماية هؤلاء السكان أصبحت أمراً واجباً للدولة الإسرائيلية. وهذا تحديداً هو منطق الحلقة التي يحذّر منها شيلح. وتتضح خطورة هذا التحوّل أكثر عندما نضعه ضمن تصوّر «السوبر-إسبرطة» الذي ينتقده شيلح. نتنياهو تحدّث عن أن إسرائيل تحتاج إلى قدر أكبر من الاكتفاء العسكري الذاتي، فيما يرى شيلح أن هذه الرؤية تقود إلى دولة يعيش جيشها في حرب مستمرة وتتوسّع حدودها الأمنية بلا توقف، ويُستنزف اقتصادها ومجتمعها وجيش الاحتياط نتيجة ذلك.
ولبنان حاضر أيضاً في نقده المباشر لمسار الحرب. شيلح يعتبر أن تفاهمات تشرين الثاني 2024 خلقت ترتيبات كان يمكن أن تضبط المواجهة مع حزب الله، لكنه يقول إن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران في 28 شباط 2026 قلبت هذا التوازن، ثم جاءت الحملة الإسرائيلية في جنوب لبنان التي يصفها بأنها عديمة الجدوى استراتيجياً، بل أسهمت في زيادة التوتر مع واشنطن، من هذه الزاوية، فإن الخطر على لبنان لا يقتصر على احتمال توسّع الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. الأخطر هو تحويل الاحتلال إلى عقيدة، والمنطقة المحتلة إلى منطقة أمنية دائمة، والمنطقة الأمنية إلى مجال محتمل للاستيطان.
المفارقة أن شيلح، من داخل التفكير الأمني الإسرائيلي نفسه، يرى أن هذه العقيدة قد لا تنتج أمناً لإسرائيل بقدر ما تنتج حرباً بلا نهاية. فكل منطقة عازلة جديدة تخلق احتكاكاً جديداً، وكل وجود عسكري دائم يولّد مقاومة له، وكل استيطان يحتاج إلى مزيد من القوة لحمايته، وكل توسّع للقوة يولّد عداءً وعزلة أكبر.
بالنسبة إلينا في لبنان فالتحذير واضح: المنطقة العازلة ليست بالضرورة نهاية العملية الإسرائيلية، بل قد تكون بدايتها. وما يبدأ باسم الأمن يمكن أن يتحوّل تدريجياً إلى سيطرة دائمة، ثم إلى استيطان، ثم إلى إعادة رسم فعلي للمجال الحدودي. وعند تلك النقطة لا يعود الأمر مجرّد نزاع على نقاط حدودية، بل يصبح تهديداً مباشراً لوحدة لبنان الجغرافية ولسلامة أراضيه.



