أخبار لبنانابرز الاخبار

لماذا قُسّط المفعول الرجعي للرواتب في لبنان؟

فيما كان موظفو القطاع العام ينتظرون المفعول الرجعي للرواتب والأجور لتسديد ديون متراكمة أو أقساط مدرسية ونفقات معيشية مؤجلة، فوجئوا بقرار تقسيط مستحقاتهم على 12 شهراً. ورغم أن ذلك أثار استياء فئة واسعة منهم، تؤكد مصادر متابعة للملف أن “قرار التقسيط لا ينتقص من الحقوق، بل يهدف إلى حماية قيمتها الفعلية من أي تآكل قد يسببه التضخم أو اضطراب سعر الصرف”.

يعكس هذا التوجه مقاربة تقوم على توزيع الأعباء على مراحل زمنية، بدلا من ضخ كتل مالية كبيرة دفعة واحدة قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية أو اضطرابات في سعر الصرف، في ظل محدودية الموارد المتاحة واعتماد الدولة جزئيا على إجراءات تمويل غير كافية لتغطية الكلفة كاملة.

الإيرادات لا تغطي سوى 40%
أقرت الحكومة في جلستها التي عقدت في شهر شباط الماضي، سلسلة من العطاءات ذات الطابع المالي والاجتماعي، شملت رفع قيمة المنح المدرسية المخصصة للعسكريين المتقاعدين، إضافة إلى زيادة التعويض العائلي المرتبط بالموظفين، سواء تعويض الزوج أو الزوجة أو الأولاد. كذلك شملت القرارات إعطاء موظفي القطاع العام في مختلف الأسلاك والإدارات، بمن فيهم المتقاعدون، 6 رواتب إضافية.

تقدّر الكلفة السنوية لهذه العطاءات بما لا يقل عن 800 مليون دولار، منها نحو 200 مليون مخصصة للمنح المدرسية والتعويض العائلي، و600 مليون لتغطية كلفة الرواتب والأجور الناتجة من الرواتب الستة الإضافية. ولتوفير جزء من هذه النفقات، أقرت الدولة رسما بقيمة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، في حين طرحت زيادة بنسبة 1% على الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، إلا أنها لم تُقرّ في مجلس النواب. وبذلك، لا تتجاوز الإيرادات المتوافرة 40% من المبلغ المطلوب، إذ تؤمن الدولة من رسم البنزين نحو 300 مليون دولار فقط، مقابل حاجة فعلية تقارب 800 مليون دولار لتمويل النفقات الإضافية، علماً أن الايرادات تراجعت 30% عما كان متوقعاً في الموازنة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الزيادات أقرت في شباط الماضي، أي قبل تجدد الحرب والاعتداءات الإسرائيلية في آذار، بما انعكس سلباً على إيرادات الخزينة.

تقسيط المفعول الرجعي 12 شهراً

أما بالنسبة إلى الزيادة على الرواتب والأجور، فتبلغ الكلفة الشهرية للرواتب الستة الإضافية نحو 50 مليون دولار نقداً، يضاف إليها مفعول رجعي يبدأ من شهر آذار تصل قيمته إلى نحو 300 مليون دولار حتى نهاية آب. وبناء على رؤية وزير المال، وبالتنسيق مع مصرف لبنان، وحرصاً على الاستقرار النقدي وتجنب أي ضغوط تضخمية أو اهتزاز في سعر الصرف، جرى الاتفاق على تقسيط المفعول الرجعي مدى 12 شهراً، بعد موافقة الحكومة.

وبموجب هذا التوجه، يتقاضى الموظف الرواتب الستة الإضافية، إضافة إلى جزء من المفعول الرجعي يعادل 3 أشهر، بحيث يحصل شهرياً على ما يعادل 9 رواتب إضافية. وبذلك، ترتفع الكلفة الشهرية من 50 مليون دولار إلى نحو 75 مليون دولار، وهو مستوى يعدّ قابلاً للاستيعاب، رغم صعوبته، إذ يمكن مصرف لبنان توفيره من السوق. إلا أن تجاوز هذا السقف قد يفاقم التحديات النقدية، سواء من حيث تأمين العملات الأجنبية أو من حيث مخاطر زيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، بما ينعكس سلباً على الاستقرار المالي وسعر الصرف.

إجراء احترازي لحماية الاستقرار
انطلاقا من ذلك، تؤكد المصادر عينها أن “خيار التقسيط إجراء احترازي وضروري يهدف إلى حماية الاستقرار النقدي وتفادي أي اهتزاز في السوق، مع الاستفادة من التجارب السابقة وضمان أن تبقى الزيادات الممنوحة للموظفين ذات أثر فعلي على قدرتهم الشرائية، بعيدا من التآكل الناتج من التضخم”.

وعليه، ترى في تقسيط المفعول الرجعي “خياراً ضرورياً في ظل الظروف الراهنة، إذ إن تسديده دفعة واحدة غير ممكن، لا على مستوى وزارة المال ولا على مستوى مصرف لبنان. ورغم أن المبلغ يعدّ حقاً مكتسباً للموظفين، فإن توزيعه على دفعات شهرية يصب في مصلحتهم على المدى المتوسط، لأن أي اضطراب في الاستقرار النقدي سترتدّ انعكاساته السلبية على موظفي القطاع العام الذين تبقى رواتبهم في الأساس مقومة بالليرة اللبنانية”.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى