بمَ اختلفت مقاربة عون من واشنطن لسلاح الحزب؟ (النهار 24 تموز)

المقاربة التي قدمها رئيس الجمهورية جوزف عون لنزع سلاح “حزب الله” في احتفال السفارة اللبنانية في واشنطن، والتي تتناول عناصر أو عوامل لإنهاء مبررات استمرار هذا السلاح، ليست جديدة كليا في الواقع والمنطق الذي خلفها، وكان يردده عون في محطات عدة وغالبا في لقاءاته الديبلوماسية، ولا سيما من حيث المقارنة بين الحزب وتنظيمات أخرى في بلدان أخرى. الجديد فيها أنه حملها إلى واشنطن وعرضها على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيما هي تراعي إلى حد كبير الحساسية الكلامية والسياسية لدى الحزب ولا تبدو أنها تستهدف وجوده في الواقع، بل تبقي على سلاحه مع التضييق عليه وتهميش أيّ فاعلية له، لا سيما إذا استطاع لبنان استعادة قرار الحرب والسلم فعليا وليس كلاميا، وفق ما يعتزم بناء على ذلك.
الفارق الرئيسي والجوهري الذي رافق مراحل هذه المقاربة يتمثل في الانتقال اللبناني إلى فتح قنوات مباشرة من المفاوضات مع إسرائيل بهدف إنهاء العداء بينه وبينها وفق كلام عون في البيت الأبيض، فيما اعتبر اتفاق الإطار مع إسرائيل إنجازا تاريخيا ويتشارك مع الرئيس ترامب في أهدافه للسلام في المنطقة. لكنه يتمثل أيضا في ما لا يمكن إغفاله في استعادة قرار الدولة والتشجيع والدعم الأميركيين لاستعادة السيادة من خلال دعم الدولة والجيش لتفكيك “البنية التحتية الإرهابية ونزع سلاح الحزب”، بالإضافة إلى “المضي قدما نحو السلام”. وهذه النقطة بالغة الأهمية قياسا بالكباش الذي تخوضه إيران في اتجاهات عدة من أجل إبقاء لبنان ورقة تفاوض في يدها ومركزا أساسيا لنفوذها في لبنان، فيما تنزع زيارة عون لواشنطن عنصر القوة التي وفرتها مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في هذا الاتجاه.
ويخوض الحزب راهنا معركة الدفاع عن استمرار هذا النفوذ والضغط على الدولة اللبنانية في هذا الاتجاه، جنبا إلى جنب مع خوضه معركة السعي إلى المحافظة على نفوذه وسطوته داخل بيئته، في الوقت الذي يقتنص لبنان فرصة غير مسبوقة في ظل الضغط العسكري المستمر على إيران وتهاوي مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية من أجل تثبيت أحقيته في تقرير أموره بعيدا من محوريتها، فيما ثبتت زيارة عون للبيت الأبيض، بعد الاتفاق الإطاري، نزع الشرعيّة عن أيّ دور خارجيّ يمكن أن يُمارَس أو يحصل باسم لبنان تحت ذريعة الإمساك بورقة الحزب أو المونة عليه.
والواقع أن إشادة الرئيس ترامب باتفاق الإطار باعتباره “اتفاقا رائعا جدا”، في الوقت الذي لم يكن قد علّق عليه بعد توقيعه، تاركا مجالا للتكهنات إزاء إبقائه فرصة لمذكرة التفاهم مع إيران، شكلت موقفا حاسما يسحب ورقة من إيران كان متوقعا أن تستخدمها في أيّ مرحلة لاحقة ذريعة لمزيد من تأخير المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، فيما زعمت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن الاتفاق الإطاري غير شرعي لأنه منفصل عن مذكرة التفاهم والمفاوضات الأميركية – الإيرانية. وهذا أمر يشي بأن إيران ضاعفت خسارتها في خرقها مذكرة التفاهم، فيما سعت إلى توظيف سيطرتها على مضيق هرمز حتى قبل انتهاء مهلة الستين يوما لبدء المفاوضات النووية مع أميركا والنظر في مسألة المضيق.
الانتظار كبير لجملة أمور تتصل بترجمة مفاعيل الزيارة الرئاسية للبيت الأبيض وتوظيف زخمها أو عدم إهداره، ولا سيما مع تحصيل موافقة أميركية على لجم كبير للاندفاع الإسرائيلي في الجنوب على رغم الاعتقاد الراسخ بحاجة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتيناهو إلى الحرب في معركته للانتخابات في تشرين الأول المقبل.
ويوازي هذا الانتظار الخطوات التي يمكن أن تلجأ إليها إيران لعرقلة الزخم اللبناني، علما أن ثمة تعويلا في مرحلة توظيف المكتسبات اللبنانية لدور رئيس مجلس النواب نبيه بري على ضرورة عدم اكتفائه بانتظار ما يمكن أن تأتي به الزيارة من نتائج إيجابية من حيث الانسحاب الإسرائيلي أو تثبيت وقف النار، وفق ما أعلن، فيما دوره في قيادة الطائفة الشيعية ومواكبتها المرحلة الجديدة لا يزال قائما على رغم اعتبارات كثيرة. فالعمل الداخلي لا يقل أهمية، ولا يمكن تجاهله في الدفاع الذي اعتمده عون عن بري في البيت الأبيض، من حيث غياب وحدة الموقف اللبناني، علما أن الاعتراضات لا تقتصر على الطائفة الشيعية.



