56،500 مليار ليرة لدفع ستة رواتب للقطاع العام: السلطة تواصل «ترقيع» الأجور (الأخبار 17 تموز)

أقرّ مجلس النواب، أول من أمس، مشروع قانون يرمي إلى فتح اعتماد إضافي في موازنة 2026 بقيمة 56،500 مليار ليرة، لتمويل ستة رواتب أساس إضافية للعاملين في القطاع العام، على أن يُطبّق القرار بمفعول رجعي اعتباراً من أول آذار الماضي. وتأتي هذه الخطوة متأخرة خمسة أشهر بعدما أقرّ مجلس الوزراء هذه الزيادة في 16 شباط الماضي بالتزامن مع إقرار ضريبة بقيمة 320 ألف ليرة على استهلاك كل صفيحة بنزين، لكنّ المشكلة الفعلية فيها أنها خطوة مجتزأة على طريق تصحيح الأجور فضلاً عن أن النتيجة المالية لها ليست واضحة المعالم.
لم يكن قرار مجلس النواب بفتح الاعتمادات سوى خطوة في سياق مسار طويل بدأ قبل بضع سنوات إثر الانهيار النقدي والمصرفي في نهاية 2019 وانهيار القوّة الشرائية للأجور. فمنذ ذلك الوقت، تعاملت قوى السلطة مع العاملين في القطاع العام باعتبارهم خارج الأولوية وبدأت بعملية ترقيع للأجور من خلال إضافة رواتب أساس فوق الراتب الأصلي وبدلات إضافية تحت عدّة مُسميات ومساعدات اجتماعية أيضاً.
وفي الفترة التالية، بدأت المطالبة بتصحيح سلسلة الرتب والرواتب، فعمدت السلطة إلى تكليف مجلس الخدمة المدنية بمساعدة صندوق النقد الدولي وشركة سيغما على إعداد تصوّر لهذا التصحيح، إلا أن المقاربة التي قُدّمت بعد تعديلات عدّة خلصت إلى أن التصحيح سيأخذ بضع سنوات وسيكون ناقصاً. عندها قرّر مجلس الوزراء أن يوسّع مقاربته على أساس التوازن المالي، أي البحث عن مصدر للإيرادات الإضافية وتقسيط الزيادات، أي استكمال مسار الترقيع.
وفي الجلسة التي عُقدت بتاريخ 16 شباط، عرض وزير المال ياسين جابر سيناريوات تصحيح جزئي استناداً إلى دراسة مجلس الخدمة المدنية، وتبيّن أن كلفة زيادة 6 رواتب أساس تبلغ 618 مليون دولار مضافاً إليها كلفة زيادة في بعض التعويضات الأخرى والمنح المدرسية بقيمة 162 مليون دولار.
وفيما اقترح جابر زيادة ضريبة البنزين بقيمة 15 ألف ليرة على استهلاك كل ليتر بنزين وبقيمة 2500 ليرة على استهلاك كل ليتر مازوت ورفع رسوم المستوعبات في المرفأ إلى 100 دولار على الحاوية من قياس 20 قدماً و200 دولار على الحاوية من قياس 40 قدماً، وزيادة ضريبة القيمة المضافة بمعدّل 2%. لكنّ المجلس قرّر فرض رسم البنزين بقيمة 16 ألف ليرة على كل ليتر من دون أي ضريبة على المازوت وإعداد مشروع زيادة ضريبة القيمة المضافة بمعدّل 1% ورفعها إلى مجلس النواب، ورفع ضريبة المستوعبات إلى 50 دولاراً و80 دولاراً.
جابر: الرسم الإضافي على البنزين هو المصدر الوحيد الذي أُقرّ حتى الآن لتغطية الكلفة
ما قرّره المجلس من زيادات على الرواتب أتى تحت مُسمّى «تعويض شهري مقطوع»، أي إنه لا يدخل في احتساب تعويضات نهاية الخدمة، وربط التصحيح النهائي بإنجاز مشروع شامل لسلسلة الرتب والرواتب.
ورغم أن هذه الخطوة لا تغطّي سوى جزء بسيط من فقدان القوّة الشرائية للعاملين في القطاع العام إلا أن نتائجها المالية ليست بسيطة أيضاً. فالاعتماد الذي فتحه مجلس النواب بقيمة 56،500 مليار ليرة يساوي 10.5% من قيمة الموازنة العامة بكاملها، ما يثير الكثير من الشكوك لدى وزير المال ياسين جابر الذي قال لـ«الأخبار»: «الرسم الإضافي على البنزين هو المصدر الوحيد الذي أُقرّ حتى الآن لتغطية الكلفة، لكنه لا يكفي لسدّها، ما يُبقي فجوة مالية تحتاج إلى مصادر تمويل إضافية لتجنّب تسجيل عجز في الموازنة، ولا سيما في ظلّ تراجع إيرادات الخزينة بفعل الحرب».
وأوضح جابر أنّ مشروع قانون رفع الضريبة على القيمة المضافة لا يزال موجوداً أمام لجنة المال والموازنة ولم يُدرس بعد، وأن القرار النهائي في شأن إقراره أو البحث عن بدائل تمويلية أخرى يعود إلى مجلس النواب. وقال: «هناك ثغرة في كلفة تمويل الرواتب الستة، وعلى المجلس النيابي أن يقرّر ما إذا كان يريد سدّها عبر الضريبة على القيمة المضافة أو من خلال اقتراحات أخرى».
إلى جانب تداعيات الحرب، كان العائق أمام صرف هذه الزيادة يتمثّل في كونها إنفاقاً إضافياً غير ملحوظ في موازنة 2026، ما استوجب استصدار قانون يجيز فتح الاعتماد وإنفاقه. أمّا الآن، وبعد صدور القانون، فيصبح الصرف قانونياً «وستبدأ وزارة المال بتحويل المستحقات فور انتهاء الدوائر المختصة من الإجراءات والتحضيرات اللازمة» يقول جابر.
في المقابل، لا يتعامل ممثّلو القطاع العام مع إقرار الرواتب الستة بوصفه تصحيحاً نهائياً، بل باعتباره المرحلة الأولى من مسار اتُّفق عليه مع الحكومة لتنفيذ التصحيح على ثلاث مراحل. ويوضح النقابي محمد قاسم لـ«الأخبار»، أنّ التفاهم قضى بإقرار الرواتب الستة أولاً، على أن تُستكمل قبل نهاية عام 2026 مرحلة ثانية ترفع مجمل ما يتقاضاه الموظف إلى ما يوازي نحو 50% من قيمة راتبه في عام 2019، ثم تُقرّ خلال عام 2027 سلسلة رواتب جديدة ترفع القيمة إلى ما كان عليه في عام 2019.
إقرار الرواتب الستة لن يحلّ أزمة الأجور، بل هو تأجيل للانفجار الحتمي كون هذه الزيادات المحدودة لا تمويل لها فكيف بما يزيد عن ذلك وهو ما يطالب به القطاع العام. لذلك، نبدو أمام إنتاج للأزمة نفسها، ولكن بتغيير طفيف في الأسباب مع الحصول على وقت إضافي.



