أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

غياب الدولة لا يعوّضه “الميكانيزم” ولا العسكر الأوروبي( نداء الوطن 6 تموز)

يتغيّر الاسم ويبقى الجنوب يدفع الثمن. من “اليونيفيل” إلى “الميكانيزم”، وصولا إلى اللجنة الجديدة التي وُلدت من رحم اتفاق واشنطن، وإلى قوات أوروبية بديلة. تتبدّل الآليات فيما تبقى المشكلة واحدة: دولة لم تستعد قرارها بالكامل، وسلاح يفرض وقائع تتجاوز كل الاتفاقات. 48 عامًا من اللجان والقوات الدولية، والنتيجة واحدة: الجنوب ما زال ساحة، لا حدودًا مستقرة.

في عام 1978 دخلت قوات “اليونيفيل” إلى الجنوب على وقع الاجتياح الإسرائيلي. كانت المهمة واضحة، وهي المساعدة في استعادة الدولة سلطتها. لكن الوقائع كانت أقوى من النصوص. حصل الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وبعد حرب تموز 2006، توسّعت صلاحيات القوة الدولية بموجب القرار 1701. ارتفع عدد الجنود، وكبرت الموازنات، وتكثّفت الدوريات. لكن الهدف الأساسي لم يتحقق. لم يُمنع الوجود المسلح جنوب الليطاني، ولم تُنفَّذ بنود القرار كاملة. بقيت “اليونيفيل” تتحرك ضمن هوامش سياسية وأمنية ضيقة، فيما كان “حزب الله” يعيد بناء حضوره العسكري تدريجيًا، حتى أصبحت القوة الدولية أقرب إلى توثيق الخروقات منها إلى منعها.

اليوم، ومع اقتراب انتهاء مهمة “اليونيفيل” بصيغتها الحالية، يزداد الاقتناع الدولي بأن التجربة لم تحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها بعد عام 2006، وأن القرار 1701 بقي حبرًا على ورق في شقه المتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، في حين تجهد باريس من أجل الاحتفاظ بقوات أوروبية تكون بديلة من “اليونيفيل”.

 

بعد حرب 2024، انتقلت الرهانات إلى “الميكانيزم”. آلية جديدة لمراقبة تنفيذ اتفاق 27 تشرين الثاني 2024. في البداية، ساد اعتقاد بأن واشنطن وضعت إطارًا أكثر صرامة. لكن الأشهر التالية حملت صورة مختلفة. عاد “حزب الله” تدريجيًا إلى جنوب الليطاني. عادت البنى التنظيمية. وعادت الحركة الميدانية. ثم جاءت حرب إسناد إيران لتكشف حجم الخلل. سقط الاختبار الأول. ولم تنجح “الميكانيزم” في فرض التطبيق الكامل للاتفاق.

تبدأ مرحلة مختلفة بعد حرب إسناد إيران. لجنة جديدة أُقرّت ضمن صيغة اتفاق الإطار الذي أُنجز في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مباشرة. وتكشف معلومات “نداء الوطن” أن الإدارة الأميركية تنظر إلى هذه اللجنة باعتبارها حجر الأساس في تثبيت الاتفاق الجديد. ويرأسها الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، الذي سبق أن ترأس “الميكانيزم”، لكن الفارق هذه المرة ليس في الأشخاص، بل في الصلاحيات والغطاء السياسي.

وتؤكد المعلومات أن اللجنة الجديدة المحصورة بالأميركيين واللبنانيين والإسرائيليين، بعيدًا من التعقيدات الدولية التي رافقت عمل “اليونيفيل”، تضع الخطط النهائية للمناطق النموذجية. وهي جاءت بعد تثبيت الاتفاق السياسي، لا قبله، وتحظى بمتابعة مباشرة من الرئيس دونالد ترامب وفريقه للأمن القومي، ما يمنحها زخمًا لم يكن متوافرًا سابقًا.

وتشير المعلومات أيضًا إلى أن واشنطن تتوقع عراقيل جدية من إيران و”حزب الله”، سواء ميدانيًا أو سياسيًا، لكنها في المقابل اتخذت قرارًا بعدم السماح بإسقاط اللجنة أو تعطيلها، لأن نجاحها أصبح جزءًا من الاستراتيجية الأميركية الجديدة في لبنان.

سياسيًا، تبدو الرسالة الأميركية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. الرئيس دونالد ترامب، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جي دي فانس، يتبنون مقاربة واحدة، وهي أن لبنان ليس ورقة تفاوض مع إيران. لا ربط بين الملفين، ولا مقايضة على حساب الدولة اللبنانية. هذا القرار، بحسب مصادر مواكبة، أصبح ثابتًا في السياسة الأميركية، وسيُترجم بمزيد من الضغوط لتطبيق الاتفاق كما وُقّع في واشنطن.

لكن، وسط كل هذه اللجان، يبقى السؤال نفسه. ماذا يستفيد الجنوب؟ الجواب مؤلم. تتغير أسماء القوات وتتبدل اللجان. تتطور آليات المراقبة. أما القرى الجنوبية فتبقى رهينة أي مواجهة إقليمية. ويبقى اللبنانيون يدفعون ثمن دولة تؤجل حسم قرارها. فالمشكلة لم تكن يومًا في اسم القوة أو اللجنة، بل في غياب قرار لبناني نهائي بأن يكون الجنوب للدولة وحدها، لا ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.

بواسطة
آلان سركيس
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى