ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

أوبك المعادن: هل هي هندسة اقتصادية لعصر ما بعد النفط؟

مع صعود السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والرياح والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية الدقيقة، انتقل جزء كبير من الصراع الاقتصادي العالمي إلى معادن كانت تبدو قبل سنوات هامشية، كالليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس والغرافيت والمنغنيز، والعناصر الأرضية النادرة. من هنا ظهر تعبير “أوبك المعادن”، أي فكرة إنشاء تكتل للدول المنتجة أو المالكة أو المكرّرة للمعادن الحرجة، بهدف تنسيق السياسات، وحماية الأسعار، وتعظيم العائد المحلي، وامتلاك نفوذ جيوسياسي شبيه بالنفوذ الذي منحته “أوبك” للدول النفطية منذ ستينيات القرن الماضي.

ما المقصود بأوبك المعادن؟

تحالف أو إطار تنسيقي بين دول تمتلك احتياطيات كبرى من المعادن الحرجة، أو تسيطر على إنتاجها وتكريرها، بحيث تتمكن من التأثير في المعروض والأسعار وشروط الاستثمار. تماماً كما حاولت “أوبك” تنظيم إنتاج النفط الخام للدفاع عن مصالح المنتجين، يمكن “أوبك المعادن” أن تسعى إلى تنظيم صادرات الليثيوم أو النيكل أو الكوبالت أو النحاس أو العناصر النادرة.

لكن تشبيهها بـ “أوبك” لا يصح. فالنفط سلعة أكثر تجانساً، وسوقه عالمية وذات عقود واضحة، أما المعادن فمتعددة جداً، تختلف في النقاء والجودة والاستخدام والتكرير. كما أن السيطرة لا تكون دائماً في المنجم، بل أحياناً في المصافي والمعالجة الكيميائية.

لا قائمة واحدة نهائية لـ “أوبك المعادن”، لكن السلة الأهم تشمل.

– الليثيوم: قلب بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة.

– الكوبالت: مهم للبطاريات، خصوصاً في كيميائيات معينة، وللصناعات الدفاعية والطيران.

– النيكل: يدخل في البطاريات والفولاذ المقاوم للصدأ.

– النحاس: معدن الشبكات الكهربائية، الكابلات، محطات الطاقة، السيارات، والبنية التحتية الرقمية.

– الغرافيت: أساسي في أقطاب البطاريات.

– المنغنيز: يدخل في البطاريات والصلب.

– العناصر الأرضية النادرة: مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم، وهي ضرورية للمغانط الدائمة في توربينات الرياح والمحركات الكهربائية والصناعات العسكرية.

– البلاتين والبلاديوم والروديوم: مهمة في المحفزات الكيميائية والهيدروجين وبعض التطبيقات الصناعية.

– الغاليوم والجرمانيوم والتنغستن والتنتالوم والنيوبيوم: معادن صغيرة حجماً في السوق، لكنها كبيرة التأثير في الرقائق، الاتصالات، الدفاع، والطاقة.

من فيها؟ أو من يمكن أن يكون فيها؟

بما أنها ليست منظمة رسمية، لا يمكن الحديث عن “أعضاء” بالمعنى القانوني، لكن يمكن تحديد الدول المرشحة للعب دور محوري:

– إندونيسيا هي النموذج الأوضح. فهي القوة الأكبر في النيكل عالمياً، وقد تحولت من مصدّر للخام إلى مركز ضخم للتصنيع والمعالجة بعد حظر تصدير خام النيكل. في 2024، استحوذت على نحو 62 في المئة من إنتاج النيكل المنجمي العالمي، وهي اليوم تحاول استخدام هذه القوة لبناء صناعة بطاريات وسيارات كهربائية.

– جمهورية الكونغو الديموقراطية هي قلب سوق الكوبالت. في 2025، بلغ إنتاجها نحو 230 ألف طن من أصل 310 آلاف طن عالمياً، أي حوالى 73 في المئة من الإنتاج العالمي. كما تملك نصف الاحتياطيات العالمية تقريباً. لذلك فإن أي قرار كونغولي بشأن الكوبالت، من الحظر إلى الحصص، يمكن أن يهز سلاسل البطاريات عالمياً.

– تشيلي قوة نحاسية وليثيومية كبرى. في 2025، بلغت صادراتها من النحاس نحو 53.7 مليار دولار، وكانت مسؤولة عن 16.2 في المئة من شحنات النحاس العالمية، وعن 62.2 في المئة من صادرات كربونات الليثيوم عالمياً. النحاس والليثيوم ليسا قطاعين فقط في تشيلي، بل جزء من هوية اقتصادها الخارجي.

– أستراليا قوة كبيرة في الليثيوم والحديد والنيكل والعناصر النادرة، لكنها تختلف عن كثير من الدول المنتجة لأنها حليف وثيق للغرب، وتملك شركات خاصة ومؤسسات تنظيمية قوية، ما يجعل انضمامها إلى كارتل منتجين أمراً أقل سهولة.

– الصين حالة خاصة. فهي ليست دائماً أكبر مالك للمناجم، لكنها القوة الأكبر في المعالجة والتكرير. تهيمن على تكرير معظم المعادن الحرجة، وتملك نفوذاً ضخماً في الغرافيت والعناصر النادرة والكوبالت المكرر والليثيوم المعالج. لذلك فإن الصين ليست “عضواً” عادياً في أي أوبك معادن، بل قد تكون هي المركز الحقيقي في “أوبك المعالجة”.

– الأرجنتين وبوليفيا مهمتان في مثلث الليثيوم مع تشيلي، وخصوصاً من حيث الاحتياطيات والموارد المستقبلية.

– بيرو وزامبيا محوريتان في النحاس، وجنوب أفريقيا في البلاتين والمنغنيز والكروم، والبرازيل وفيتنام والولايات المتحدة وكندا في بعض العناصر النادرة والمعادن الاستراتيجية.

– لماذا يريد المنتجون إنشاء أوبك للمعادن؟

الهدف الأول هو “القوة التفاوضية”، فالدول المنتجة لا تريد أن تبيع الخام بسعر منخفض ثم تشتري البطاريات أو السيارات أو الرقائق بأسعار مرتفعة، إنما تريد حصة أكبر من القيمة المضافة.

الهدف الثاني هو “تثبيت الأسعار”، فأسواق المعادن شديدة التقلب. الليثيوم مثلاً قفز بقوة خلال طفرة البطاريات، ثم انهارت أسعاره بأكثر من 80 في المئة منذ 2023. هذا النوع من التقلب يضر بالموازنات العامة، ويجعل الاستثمار في المناجم الجديدة أكثر خطورة.

الهدف الثالث هو “التصنيع المحلي”، فإندونيسيا مثلاً لم تكتفِ بتصدير النيكل، بل فرضت قواعد تدفع الشركات إلى بناء مصاهر ومعامل معالجة داخل البلاد. تشيلي تريد دوراً أكبر في سلاسل الليثيوم. والكونغو تريد ألا يبقى الكوبالت مادة خاماً تُصدّر ثم تعود إليها كمنتج باهظ.

الهدف الرابع هو “النفوذ الجيوسياسي”، فكما استخدم النفط ورقة ضغط في القرن العشرين، قد تستخدم المعادن الحرجة كورقة تفاوض في القرن الحادي والعشرين. من يملك الليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس لا يملك منجماً فقط، بل يملك جزءاً من مستقبل الطاقة والسيارات والرقائق والدفاع.

أرقام تكشف حجم الرهان

– في 2024، ارتفع الطلب على الليثيوم بنحو 30 في المئة، بينما زاد الطلب على النيكل والكوبالت والغرافيت والعناصر النادرة بين 6 و8 في المئة.

– قطاع الطاقة وحده كان مسؤولاً عن 85 في المئة من نمو الطلب على معادن البطاريات.

– بلغت حصة أكبر ثلاث دول في تكرير المعادن الحرجة نحو 86 في المئة في 2024، ارتفاعاً من 82 في المئة في 2020.

– الصين هي القوة المهيمنة في تكرير 19 من أصل 20 معدناً استراتيجياً، بحصة متوسطة تقارب 70 في المئة.

– في 2025، بلغ إنتاج الليثيوم العالمي نحو 290 ألف طن، تصدّرته أستراليا بنحو 92 ألف طن، ثم الصين بنحو 62 ألف طن، وتشيلي بنحو 56 ألف طن.

– بلغ إنتاج الكوبالت العالمي نحو 310 آلاف طن في 2025، منها 230 ألف طن من الكونغو الديموقراطية و44 ألف طن من إندونيسيا.

– بلغ إنتاج النيكل العالمي نحو 3.9 ملايين طن في 2025، منها نحو 2.6 مليون طن من إندونيسيا وحدها.

– بلغ إنتاج العناصر الأرضية النادرة نحو 390 ألف طن من أكاسيد العناصر النادرة في 2025، منها 270 ألف طن من الصين.

– بلغ إنتاج النحاس المنجمي العالمي نحو 23.7 مليون طن في 2025، تصدّرته تشيلي بنحو 5.4 ملايين طن، أي 22.9 في المئة من الإنتاج العالمي.

هذه الأرقام تعني أن العالم لا يواجه ندرة مطلقة فحسب، بل يواجه مشكلة تركّز. معدن واحد قد يكون متوافراً جيولوجياً، لكنه محتكر عملياً في التعدين أو التكرير أو المعالجة الكيميائية أو التكنولوجيا اللازمة لتحويله إلى منتج قابل للاستخدام.

ماذا يعني ذلك للاقتصادات المحلية؟

في إندونيسيا، أدى النيكل إلى طفرة في الاستثمار الصناعي، خصوصاً في المصاهر والمعالجة. لم يعد الهدف بيع الصخور، بل بيع منتجات وسيطة تدخل في البطاريات والفولاذ. هذا يخلق وظائف، ويزيد الصادرات، ويجذب رأس المال الصيني والكوري والغربي. لكن الثمن هو ضغط بيئي كبير، واستهلاك كثيف للطاقة، واعتماد واسع على الفحم في بعض مناطق التصنيع.

في الكونغو الديموقراطية، الكوبالت والنحاس هما محركان رئيسيان للنمو والصادرات والعملة الصعبة. لكن التجربة تكشف الوجه الآخر: ضعف الحوكمة، النزاعات المسلحة، الفساد، ظروف العمل القاسية، ومشكلة العمالة غير المنظمة. لذلك فإن أوبك المعادن، إذا لم تُبنَ على شفافية ومؤسسات قوية، قد تتحول من فرصة إلى لعنة موارد جديدة.

في تشيلي، النحاس والليثيوم يمثلان قاعدة مالية وتجارية ضخمة. الدولة تملك خبرة طويلة في إدارة النحاس عبر كوديلكو، وتسعى إلى تنظيم أكبر لليثيوم بما يحفظ إيرادات عامة أعلى ويستقطب التكنولوجيا. لكن التحدي في تشيلي هو الماء، والمجتمعات المحلية، والتوازن بين الاستثمار الخاص والسيادة الوطنية على الموارد.

أما في أستراليا وكندا، فالرهان أقل ارتباطاً بالريع وأكثر ارتباطاً ببناء سلاسل توريد موثوقة للحلفاء الغربيين. هنا تتحول المعادن إلى أداة سياسة صناعية، لا مجرد صادرات خام.

ما أثرها في الاقتصاد العالمي؟

أوبك المعادن، إن ظهرت، ستعيد تشكيل العولمة. فالعالم الذي اعتاد قياس أمنه الطاقوي بناقلات النفط والغاز سيضطر إلى قياسه أيضاً بالمناجم والمصافي والموانئ والممرات التجارية وسلاسل البطاريات.

الأثر الأول سيكون على *أسعار الطاقة النظيفة. إذا ارتفعت أسعار الليثيوم أو النيكل أو الغرافيت أو الكوبالت، ترتفع تكلفة البطاريات، وقد تصبح السيارات الكهربائية وأنظمة التخزين أغلى. وتشير تقديرات دولية إلى أن صدمة طويلة في معادن البطاريات يمكن أن ترفع أسعار حزم البطاريات بنسبة 40 إلى 50 في المئة.

الأثر الثاني سيكون على التضخم الصناعي. النحاس يدخل في كل شيء تقريباً: الكهرباء، الشبكات، مراكز البيانات، السيارات، البناء، والطاقة المتجددة. لذلك فإن نقصه أو ارتفاع سعره لا يضرب قطاعاً واحداً، بل يرفع تكلفة البنية التحتية الحديثة كلها.

الأثر الثالث هو تغيير موازين القوة. في القرن العشرين كان من يملك النفط يملك زمام القرار. في القرن الحادي والعشرين من يملك المنجم والمصفاة والتكنولوجيا الكيميائية والموانئ والتمويل والعقود طويلة الأجل هو المهيمن.

  1. هل تنجح أوبك المعادن مثل أوبك النفط؟

نجاح “أوبك المعادن” ليس مضموناً، فهناك خمس عقبات كبرى: الأولى، المعادن كثيرة ومختلفة، ولا يمكن إدارتها كسلعة واحدة. الليثيوم ليس نحاساً، والكوبالت ليس غرافيتاً، والعناصر النادرة ليست معدناً واحداً بل عائلة كاملة؛ والثانية، بعض المعادن منتجات جانبية. فالكوبالت مثلاً يرتبط غالباً بإنتاج النحاس أو النيكل. لذلك لا تستطيع الدولة دائماً خفض إنتاجه أو زيادته بسهولة كما تفعل مع النفط؛ والثالثة أن الشركات الخاصة والمتعددة الجنسيات تلعب دوراً أكبر بكثير من دورها في أوبك النفط التقليدية. كثير من المناجم تموّلها وتديرها شركات عالمية، لا شركات وطنية فقط.

العقبة الرابعة تكمن في أن الدول المنتجة ليست متحالفة سياسياً. أستراليا وكندا قد لا تقبلان الانضمام إلى كارتل يرفع الأسعار على حلفائهما الصناعيين. والصين قد تفضّل السيطرة عبر التكرير والاستثمار والعقود، لا عبر منظمة رسمية. أما العقبة الخامسة فهي أن ارتفاع الأسعار المبالغ فيه قد يسرّع الابتكار والاستبدال. بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، مثلاً، قللت الحاجة إلى الكوبالت والنيكل في بعض التطبيقات. وإذا بالغ المنتجون في استخدام القوة، قد يدفعون المستهلكين إلى بدائل تقنية أسرع.

بواسطة
مهى كنج
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى