قلة الحياء عند المصارف بلا حدود( الجمهورية 26 حزيران 2026)

في دول العالم، عندما تفشل مؤسسة في أداء مهمّتها، تسعى إلى استعادة ثقة الناس عبر تصحيح أخطائها وتحسين أدائها. أمّا إذا تسبَّب هذا الفشل بخسائر للآخرين، فإنّ الدولة تتدخّل فوراً، وتفتح الدفاتر والحسابات، وتُجري التدقيقات اللازمة لمعرفة ما إذا كان ما حصل ناتجاً من سوء إدارة أو من نصب واحتيال أو إساءة استعمال للأموال. أمّا في لبنان، فالوضع مختلف تماماً.
فقد أُنشئ مصرف لبنان بموجب قانون النقد والتسليف عام 1963 في عهد الرئيس فؤاد شهاب، وكان الهدف من إنشائه حماية الاستقرار النقدي، ومراقبة القطاع المصرفي، ومنع الإفلاسات التي تُهدِّد أموال المودعين وثقة الناس بالنظام المالي. لكن مع الأسف، ما حصل لاحقاً كان عكس ذلك تماماً. فالحكومات المتعاقبة منحت المصرف المركزي صلاحيات واسعة، وغضّت النظر عن ممارسات أوصلت، بالتواطؤ مع عدد كبير من المصارف، إلى أكبر كارثة مالية شهدها لبنان في تاريخه. (لكن على الهامش ننوّه بتجربة الحاكم إدمون نعيم، كان حاكماً صلباً ونزيهاً، رفض بشكل قاطع أن يموِّل فساد السلطة أو يعرّض ودائع اللبنانيّين للخطر، حتى دفع ثمن مواقفه بالسحب من مكتبه بالقوّة).
لقد وقعت فضيحة مالية يصعب إيجاد مثيل لها في أي بلد وفي أي زمن. فمليارات الدولارات من ودائع الناس سُرقت، فيما لا تزال الوقائع الأساسية مخفية عن الرأي العام، ولا يزال أصحاب الأموال يواجهون جداراً من الصمت والتكتم. ولا يزال المسؤولون، منذ اندلاع الأزمة، يدورون في الحلقة نفسها، ويبتكرون مشاريع واقتراحات وقوانين جديدة: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، الاستعانة بصندوق النقد الدولي، إلغاء السرّية المصرفية، التدقيق في مصرف لبنان وحده، منح الإقامات الذهبية، فرض ضرائب ورسوم جديدة، وغيرها من الطروحات التي تتبدَّل عناوينها، لكن يبقى جوهرها واحداً. كل شيء مطروح على الطاولة، إلّا الاقتراب من حسابات المصارف نفسها. وكأنّ هذه الحسابات تحوَّلت إلى «تابو» محظور المساس به.
ومنذ بداية الأزمة، قلنا مراراً، إنّنا لا نريد التعدّي على أي مصرف، ولا نسعى إلى ظلم أحد. مطلبنا كان ولا يزال بسيطاً وواضحاً: افتحوا دفاتر وحسابات المصارف والمركزي، ودعوا اصحاب الودائع يعرفون ماذا حصل لأموالهم. وإذا تبيَّن أنّ مصرفاً ما لم يرتكب أي مخالفة أو خطأ أو عملية استيلاء على أموال المودعين، فلن نطالبه إلّا بما تبقّى لديه من هذه الأموال، وبكشف كيفية إدارتها وما حققته من عوائد خلال السنوات السبع الماضية. والباقي سنطالب الدولة، أي المركزي به.
لكنّ المصارف والمسؤولين امتنعوا عن الإجابة عن أبسط الأسئلة وأكثرها بديهية. رفضوا كشف حساباتها، فماذا يعني ذلك؟
التفسير الطبيعي والمنطقي، أنّ هؤلاء لا يريدون كشف الحقيقة، وأنّ هناك مصالح كبرى يجري حمايتها. فلو كانت الحسابات سليمة وليس هنالك نهب وسرقة، لما كان أي سبب يمنع نشرها.
إنّ عدم تجاوب المصارف، وعدم تجاوب الجهات الرسمية معها، يجعلان الشكوك مشروعة، ويفرضان على اللبنانيّين طرح السؤال الكبير: هل هناك تواطؤ (مافيا) لحماية مَن تسبَّب بضياع أموال الناس؟
وأكثر من ذلك، فإنّ المصارف تعارض بشدّة السماح لمصارف جديدة بالعمل، وتقول إنّه إذا فُتحت مصارف جديدة فلن تتمكن من إعادة الودائع. أي إنّها تخطط لإعادة الأموال من أرباح مستقبلية قد تجنيها عبر احتكار العمل المصرفي. وهذا يعني أنّها تقول لنا: «بالشرف، لم يبقَ لديّ شيء من الودائع» (وهذا هو «شرف» المصارف للتذكير).
والأغرب من ذلك، أنّنا لم نسمع أي اعتراض جدّي من المسؤولين على هذا المنطق. فهل أصبحت حماية المصارف أهم من حماية الاقتصاد؟ وهل باتت مصالح مجموعة محدودة من المؤسسات المالية تتقدَّم على حق اللبنانيّين في استعادة أموالهم، وعلى حق البلد في استعادة الثقة والاستثمار والنمو؟
لقد فُقدت الثقة بالكامل. المودعون فقدوا الثقة، والمستثمرون فقدوا الثقة، والعالم فَقَد ثقته بالنظام المالي اللبناني. وهذه الثقة لن تعود عبر الشعارات والخطط النظرية، بل عبر إعادة الحقوق إلى أصحابها، وكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين.
على رغم من كل ذلك، لبنان قادر على النهوض مجدّداً، وقادر على إعادة الودائع، إذا توفّرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الصحيحة. وقد عرضنا مراراً مقترحات عملية لتحقيق ذلك.
لذلك يبقى السؤال: هل إفلاس لبنان هو الهدف؟ هل إنّ الاستمرار في عدم كشف حسابات المصارف، وعدم تغيير القوانين، وعدم إقرار الشفافية، وعدم إعادة الودائع، وعدم السماح بفتح مصارف جديدة، كل ذلك مطلوب لخراب لبنان من دون رجعة؟
ملاحظة أخيرة: لسنا بحاجة إلى وصاية البنك الدولي أو غيره. فالمؤسسات الدولية نفسها دعمت السياسات التي أوصلت لبنان إلى ما هو عليه اليوم، أو على الأقل غضّت النظر عنها لسنوات طويلة. نحن قادرون على إعادة بناء اقتصادنا واستعادة ازدهار لبنان، إذا امتلكنا الشفافية وطبّقنا الأفكار التي نكرّرها دائماً.



