إشكالية مناقصة سيارات المرفأ: كيف انتهت بتكلفة أعلى؟

دخل مرفأ بيروت في دوّامة تلزيم تشوبه علامات استفهام، وسرعان ما خرج منها بعد تدارُك وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، للموقف الحَرج الذي وضع نفسه والمرفأ فيه. ومع ذلك، بقي النقاش مفتوحاً أمام أسباب ونتائج تلك الدوّامة، خصوصاً وأنّ العُرف المرتبط بالتلزيمات في المرافق العامة، يجنح في معظم الأحيان نحو صيغة الصفقات بصورتها السلبية، فضلاً عن استغلال المناصب والوظائف الرسمية. فمناقصة شراء وتوريد سيارات لصالح مرفأ بيروت سلكت مسار العرف بدايةً، قبل التصحيح. على أنّ التصحيح كان مكلفاً وكان يمكن تفادي إشكاليته.
تصحيح مكلف
أنهت إدارة مرفأ بيروت وهيئة الشراء العام، في الجولة الثالثة، ملفّ تلزيم شراء وتوريد سيارات بهدف إعادة تكوين أسطول السيارات الذي دُمّر نتيجة تفجير المرفأ في 4 آب 2020، والذي أدّى إلى إخراج نحو 75 سيارة من الخدمة بشكل كامل.
ولتجديد الأسطول، طُرِحَت المناقصة في المرة الأولى، وانتهت بعارض وحيد هو شركة رسامني – يونس RYMCO، فأعيد طرحها علَّ شركات أخرى تدخل المناقصة، إلاّ أنّ الشركة التي تعود إلى وزير الأشغال العامة والنقل، بقيت وحدها في ميدان المناقصة، وفازت. لكنَّ الفوز شابه عيب تضارب المصالح، خصوصاً وأنّ دفتر شروط المناقصة لا يُجيز مشاركة المتقدّم للمناقصة في “السلطة التقريرية لسلطة التعاقد وألا يكون لديه مع أيٍ من أعضاء السلطة التقريرية مصالح مالية أو تضارب مصالح”، وهو ما ينطبق على الوزير رسامني، الذي رأى أنّ الحلّ الأمثل يكون بالانسحاب من المناقصة رغم الفوز.
وفي الجولة الثالثة من المناقصة، تقدّم عارض وحيد هو شركة بسول – حنينة، ففازت تحت مظلة العارض الوحيد، لكن هذه المرّة من دون تضارب مصالح. فالشركة الفائزة، لم يظهر لها ذراع أو نفوذ في أي سلطة تتّصل بالمرفأ ووزارة الأشغال العامة والنقل. وبالتالي، جرى تصحيح الإشكالية التي شابت التعاقد مع RYMCO. على أنّ التصحيح كلَّف نحو 65410 دولار، هو فارق عرض الأسعار بين الشركتين. فالعرض الذي تقدّمت به RYMCO قيمته 734550 دولار، في حين بلغت قيمة عرض شركة بسول – حنينة، 799960 دولار، والمبلغ لا يتضمّن الضريبة على القيمة المضافة، وفق ما جاء في القرار الصادر عن المدير العام للمرفأ مروان النفي، حول قبول العرض الفائز.
مخرج أخير
من المستغرب عدم تقدّم شركات أخرى إلى المناقصة. لكنَّ الغرابة لا تلغي واقع التلزيم كمخرج أخير تبقّى أمام مرفأ بيروت وهيئة الشراء العام ووزارة الأشغال العامة والنقل لتسيير هذا المرفق العام. وأشارت مصادر في المرفأ إلى أنّه “لم يكن بالإمكان استمرار التأجيل بسبب حاجة المرفأ لتجديد أسطول سياراته، خصوصاً وأنّه حصل على شهادة الامتثال الدولية ISPS، وللحفاظ عليها، يجب ضمان أمن المرفأ، وذلك يحتاج إلى أسطول من السيارات يواكب العمل”. وأضافت المصادر في حديث لـ”المدن” أنّ فارق الأسعار بين الشركتين “يعود إلى الأسعار التي تعتمدها كل شركة لسياراتها، فضلاً عن نوعيّتها. فالأنواع التي تستوردها RYMCO تختلف عن تلك التي تستوردها شركة بسول – حنينة”. علماً أنّ شركة رسامني – يونس هي وكيلة سيارات نيسان، مركبات جنرال موتورز (جي أم سي)، شاحنات رينو وشاحنات يو دي. أما شركة بسول – حنينة فهي وكيلة سيارات بي أم دبليو، ميني، رينو، داسيا، ورولز رويز.
ولفتت المصادر النظر إلى أنّه “لو كان هناك شركة أخرى تقدّمت كعارض وحيد، كان يمكن للسعر أن يكون أعلى”. وأكّدت أنّه “رغم السجال الذي حصل حول الجهة الفائزة، يبقى الأهم هو تجديد أسطول المرفأ واستكمال تطويره. علماً أنّ المناقصة جاءت تحت رقابة هيئة الشراء العام”.
وتجدر الإشارة إلى أنّ المرفأ حصل في أيار 2025، على شهادة الامتثال للمدونة الدولية لأمن السفن والمرافئ البحرية ISPS، بعد استيفاء جميع متطلباتها بنجاح ونيل الموافقات الرسمية من الجهات المختصة. وفق ما أعلنته إدارة واستثمار مرفأ بيروت، التي أكّدت أنّ الشهادة تعزّز موقع مرفأ بيروت كمرفأ محوري يتمتع بالكفاءة والموثوقية في المنطقة.
بهذا التلزيم، تكون صفحة مناقصة سيارات المرفأ قد طوّيت، ولم يعد للسجال المتعلّق بتضارب المصالح أيَّ جدوى قانونية، ما دامت شركة الوزير انسحبت. لكن تبقى التساؤلات مشروعة حول سبب تقدّم شركة الوزير للمناقصة والتغاضي عن إشكالية تضارب المصالح. وحول سبب عدم وجود أي عارض آخر في المرحلتين الأولى والثانية وظهور عارض ثالث في المرحلة الثالثة، وبعد انسحاب شركة رسامني.



